على صناع السياسات مراجعة السياسات الضريبية وسياسات الرعاية الاجتماعية التي تثبط العمالة
في مقالته حول «الفرص الاقتصادية المتاحة أمام أحفادنا»، توصل جون مينارد كينز إلى استنتاج مفاده أن المسار الطبيعي للتنمية الاقتصادية هو أن تخفض أكثر الاقتصادات ثراءً دوام العمل، لكن أوروبا التي تعاني من ركود النمو الاقتصادي، والتوقعات الديموغرافية القاتمة، سارعت بأخذ هذه الرسالة مأخذ الجد.
وأفاد البنك المركزي الأوروبي أن سكان منطقة اليورو يعملون في المتوسط عدد ساعات أقل بكثير من العمال الأمريكيين، كما شهدوا انخفاضاً أكبر في ساعات العمل بعد جائحة كورونا مقارنة بنظرائهم الأمريكيين.
وهذا عامل آخر يضاف إلى قائمة أوجه القصور الاقتصادي مقارنة بالولايات المتحدة التي تثير قلق صناع السياسات الأوروبيين؛ إذ تناقش ألمانيا، التي تتمتع بواحد من أدنى متوسط ساعات العمل في الاتحاد الأوروبي، التدابير اللازمة لتشجع زيادة عدد ساعات العمل، كما يتعين على الدول الأخرى أن تفكر في إجراء تغييرات مماثلة.
وكشفت أبحاث صندوق النقد الدولي عن وجود تفاوت في جميع أنحاء أوروبا بين ساعات العمل المطلوبة والفعلية للأفراد، ما أدّى إلى انخفاض بنسبة 2% في إجمالي ساعات العمل عبر القارة. ويرجع هذا التفاوت في المقام الأول إلى العمال بدوام جزئي والنساء، وغالباً ما تكون نتيجة للسياسات الضريبية التي تهدف إلى تعزيز المرونة، ولكنها تعرقل دون قصد استيعاب العمالة.
إن زيادة ساعات العمل بما يتماشى مع الرغبة القائمة ستفيد أوروبا، وطالما ظلت الأجور ثابتة، فإن ذلك سيعزز الإيرادات الضريبية ويمكن أن يزيد الإنتاجية. علاوة على ذلك، فإن زيادة ساعات العمل يمكن أن يجعل أوروبا أكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية، وستكتسب أهمية متزايدة بالنسبة إلى مستقبل القارة، خاصة أن الانخفاض الديموغرافي للقارة يتطلب على الأرجح ساعات عمل إضافية للحفاظ على الإنتاج.
وتمثل ألمانيا دراسة حالة مفيدة. ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدى إدخال «الوظائف الصغيرة- Mini-Jobs» أو الوظائف بدوام جزئي المعفاة من الضرائب مع سقف للدخل، إلى توفير دخل إضافي للآباء والشباب. ومع ذلك، أدى تكدس العمالة في مرحلة ما بعد الجائحة إلى تشديد سوق العمل، مع احتفاظ الشركات بمجموعات كبيرة من الموظفين للتحوط من نقص العمالة. وهذا الوضع يجعل من الصعب على العاملين بدوام جزئي أو في وظائف صغيرة زيادة ساعات عملهم أو الانتقال على العمل بدوام كامل. كما أن حد الدخل المعفى من الضرائب للوظائف الصغيرة لم يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.
كذلك، فإن «تقسيم الضرائب» للمتزوجين في ألمانيا، حيث يقوم الأزواج بدفع الضرائب بشكل مشترك، يثني الأزواج ذوي الدخل المنخفض عن العمل، كما تثني الضرائب الباهظة على ساعات العمل الإضافية العمال عن العمل لساعات إضافية.
ولا بد من استكشاف الإصلاحات الضريبية الرامية إلى معالجة مثبطات العمل، مثل زيادة حد الدخل للوظائف الصغيرة أو النظر في اقتراح قدمه وزير المالية الألماني بخفض الضرائب على العائد من ساعات العمل الإضافية.
كما يتعين على الحكومات الأوروبية التركيز على خلق حوافز قوية للعمال من خلال إعادة معايرة التوازن بين مدفوعات الرعاية الاجتماعية ومعدلات الضرائب الهامشية والحد الأدنى للأجور.
ولا ينبغي أن يكون هدف الإصلاحات هو اللحاق بركب الولايات المتحدة، فساعات العمل المبالغ فيها في أمريكا هي نتيجة لتكاليف المعيشة الصعبة وسياسات الرعاية الاجتماعية التي لا تحسد عليها. ولا ينبغي للإصلاحات أن تؤدي إلى تثبيط العمل بدوام جزئي لزيادة متوسط ساعات العمل، ويمكن للسياسات المصوغة بعناية، والتي تسمح للآباء بالعمل بدوام جزئي، أن تكون بمثابة هبة اقتصادية وديموغرافية.
بالإضافة إلى ذلك، ينبغي لأي إصلاحات أن تكون مصحوبة باستثمارات في التعليم والتكنولوجيا ورأس المال لتعزيز إنتاجية كل ساعة عمل إضافية. لقد تراجعت مستويات الإنتاجية في أوروبا بشكل كبير عن نظيراتها في الولايات المتحدة، وتحسينها سيشكل في نهاية المطاف أهمية أكبر من ساعات العمل الإضافية.
لقد كتب كينز أنه حتى في ذروة التنمية، سيواصل الناس تفضيل العمل، مدفوعين بالرغبة في المساهمة في بناء المجتمع. ورغم أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة قد يسرعان تحقيق هذه الغاية النهائية، يتعين على أوروبا، في هذه الأثناء، بذل المزيد من الجهد لتسخير روح العمل ومكافأتها.
