أصبحت الورقة العلمية المنشورة عام 1996 في يومنا هذا بمثابة أسطورة داخل الوسائط الأكاديمية، فقد نُشرت في مجلة للدراسات الثقافية، من تأليف عالم الرياضيات آلان سوكال وتحمل عنوان «تجاوز الحدود: نحو تأويل تحويلي للجاذبية الكمية»، حيث قال إن الواقع المادي هو بنية اجتماعية ولغوية.
كانت الورقة مفبركة لكنها كانت مكتوبة بأسلوب منمق، وعبارة عن محاكاة تهكمية استخدمت مصطلحات معقدة ومقنعة، تستهدف إرضاء تحيزات المراجعين الكسالى، وفضح عيوب المؤسسة الأكاديمية. وجاءت الورقة المفبركة، التي استهدفت مفكري ما بعد الحداثة الذين يتباهون بآرائهم حيال الموضوعات العلمية، لتؤكد شكوك سوكال الذي يعمل الآن في كلية لندن الجامعية، بأن المعرفة البشرية عرضة لاندساس جهات مشبوهة.
وتبدو الحيلة مزحة غريبة في الوقت الراهن مقارنة بتفشي الاحتيال الذي يعصف بالمجلات العلمية، فقد أعلنت دار نشر «وايلي»، إغلاق 19 مجلة ارتبط بعضها بعمليات احتيال بحثي ضخمة.
وبحسب التقارير، فقد تم سحب أكثر من 11 ألف ورقة بحثية خلال العامين الماضيين، ما يؤكد معاناة وايلي وغيرها من الناشرين، مثل سبرينغر نيتشر من جائحة تفشي الأعمال المزورة.
لكن يتعين على الجميع مواجهة هذا التحدي، فبدون اليقظة الواجبة، قد تعاني العلوم من أضرار كبيرة. ومع وجود العديد من التحديات العلمية، مثل تغير المناخ والذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة والأوبئة، فإن فقدان الثقة هو شيء لا تستطيع البشرية تحمله.
إن النشر العلمي مربح بشكل مدهش، وتقدر قيمته بنحو 28 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم. وبينما تفرض المجلات الكبرى اشتراكات ضخمة، تقوم المجلات الأخرى بالنشر، بعد خضوعها لمراجعة الأقران، مقابل رسوم، ويغذي هذا النظام من ثقافة «النشر أو الفناء»، حيث يتم تقييم الباحثين للمنح والمناصب والترقيات وفقاً لعدد مرات نشرهم للأبحاث ومدى الاستشهاد بها.
وقد خلق هذا مناخاً تنافسياً محموماً، حيث بات التأليف سلعة، يتم الترويج لها الآن بكل جرأة في السوق المفتوحة. ويقوم نيك وايز، وهو باحث في الهندسة بجامعة كامبريدج، بجمع الإعلانات من قبل وسطاء التأليف ونشرها على موقع «إكس» تحت اسم «@author_for_sale».
وخلال مقابلة أجراها عام 2022 مع مدونة «ريتراكشن ووتش»، وهو موقع يتتبع الأوراق البحثية محل الشك (سواء كانت الأخطاء غير مقصودة أو مزورة)، أوضح وايز بالتفصيل كيف يتواصل وسطاء التأليف مع الأكاديميين عديمي الضمير: «هناك شبكة ونظام متكامل يتضمن مجموعات الفيسبوك، ومجموعات الواتساب، وقنوات التليغرام، التي تبيع حقوق تأليف الأوراق البحثية، والمراجع، وفصول الكتب، وبراءات الاختراع»، وكلها تفسد مجمع المعرفة.
ويحتاج المؤلفون بلا شك إلى أوراق بحثية لوضع أسمائهم عليها، وهنا يأتي دور «مصنع الأوراق»، وهي عملية واسعة النطاق غالباً ما تستفيد من الذكاء الاصطناعي لإنتاج أوراق بحثية بكميات كبيرة. بعد ذلك، يتم تقديم هذه الأوراق إلى عدة مجلات علمية على أمل أن يفلت بعضها من يد المراجعين المنهكين في العمل.
ويستخدم المراجعون برامج مكافحة الاحتيال لاكتشاف الأوراق المعيبة، مثل «العبارات الملتوية» التي تستخدمها الأوراق التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي لخداع أجهزة كشف السرقات الأدبية. ويتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يمكن تسميته «الوعي الزائف»، حيث يتلاعب بعبارات مثل «سرطان الثدي» لتصبح «مخاطر إصابات الصدر».
وتشمل علامات الخطر الأخرى التعاون غير المتوقع بين المؤلفين وقوائم المراجع التي لا صلة لها بالموضوع، ومجموعات الأوراق التي تستشهد ببعضها البعض بشكل مفرط. ويشير لي وايز قائلاً: «تخميني هو أن أغلب عمليات الاحتيال لا يتم اكتشافها».
في الوقت نفسه، تقوم دور النشر بفتح أقسام لمكافحة الاحتيال ومحاولة القبض على الجناة الذين يقدمون أوراقاً متطابقة، لكنه يبدو أن صراعاً لا يتوقف، حيث يقوم وسطاء التأليف بصياغة إعلاناتهم ببراعة، كما أن الذكاء الاصطناعي بات يكتب أوراقاً بحثية أكثر إقناعاً.
وكما أشار سوكال ببراعة في كتابه «ما وراء الخدعة» الذي نشر عام 2008، فإن الحفاظ على نزاهة العلم يمثل أمراً وجودياً. وكتب: «التفكير الواضح، إلى جانب احترام الأدلة.. أمران بالغا الأهمية لبقاء الجنس البشري في القرن الواحد والعشرين»، وهذا هو سباق التسلح الذي يجب على مدققي العلوم الفوز به.
