تواجه صناعة ألعاب الفيديو، البالغة قيمتها 200 مليار دولار، أكبر تباطؤ لها منذ 30 عاماً، وذلك مع بلوغ النمو الهائل الذي كان مدفوعاً بالألعاب على الهواتف الذكية والجيل الأخير من أجهزة التحكم في ألعاب الفيديو حدوده القصوى.
ومع تباطؤ مبيعات الأجهزة، خفضت «سوني» توقعاتها لمبيعات «بلاي ستيشن 5». ويأتي ذلك مع انخفاض إنفاق المستهلكين على ألعاب الهاتف المحمول في العام الماضي بنسبة 2% إلى 107.3 مليارات دولار، بحسب «داتا. إيه آي»، التي ترجح نمواً يقل عن 10% في 2024.
ويتناقض شعور قطاع الألعاب بالأزمة على نحو صارخ مع النمو الذي حققه إبان جائحة فيروس كورونا، التي دفعت الكثير من المستهلكين الذين رزحوا تحت الإغلاقات لقضاء وقتهم الزائد وإنفاق أموالهم على الألعاب. وكانت هذه الذروة بمثابة تتويج لسلسلة مكاسب حققتها أعمال الترفيه الرقمي منذ بدأت بإطلاق أول جهاز «بلاي ستيشن» أواسط العقد الأخير من القرن الماضي، والتي تسارعت خطاها بإطلاق «أبل» لهاتف «آيفون».
وتوقع كثيرون في صناعة الألعاب انتعاش الأوضاع من جديد، سريعاً، بعد الانخفاض المُسجل في 2022 بعد الجائحة، بيد أن العام الماضي لم يحقق النمو المأمول.
وجاءت النتائج الفصلية الأخيرة لبعض من أكبر الناشرين، مثل «إلكترونك آرتس» و«تيك تو»، مخيبة لآمال المستثمرين. وفي الوقت ذاته، اضطر مطورو الألعاب إلى خفض آلاف الوظائف الإضافية هذا العام، بعد خفضهم بالفعل ما يصل إلى 10.000 وظيفة في 2023.
وأشار بيرس هاردنغ-رولز، مدير بحوث الألعاب لدى أمبير أناليسيس لأبحاث السوق، إلى «قدر كبير من القلق التجاري، حيال النمو، والربحية، والسيطرة على الموازنات، وتحقيق تأثير على السوق، بوقت توجد فيه الكثير من المنتجات المترسخة»، وتابع: «نحن في عصر نمو أكثر بطئاً».
وثمّة مخاوف بشأن نقص بيع أجهزة اللعب الجديدة من أجل توسيع السوق. وقد خفتت القفزة الناتجة عن الكشف عن آخر جيل من أجهزة تحكم «بلاي ستيشن» و«إكس بوكس»، التي أُطلِقَت عام 2020. كما يعني الانخفاض العالمي لمبيعات الهواتف الذكية بروز عدد أقل من اللاعبين على شبكة الإنترنت، وهو الجزء الذي صار الأكثر تحقيقاً للربح في الأعوام الأخيرة.
وبعد تخطي مبيعات «بلاي ستيشن 5» إجمالي 50 مليون وحدة في ديسمبر، صرح هيروكي توتوكي، رئيس مجموعة «سوني» والرئيس المؤقت لوحدة الألعاب لديها، هذا الأسبوع، بأن جهاز التحكم «يدخل النصف الأخير من دورة أجهزة التحكم... لذا فنحن نتوقع انخفاضاً تدريجياً في مبيعات الوحدات اعتباراً من العام المالي التالي فصاعداً».
وأسهمت التخفيضات الكبيرة على «بلاي ستيشن 5» في 2023 بالفعل فيما دعاه توتوكي انخفاضاً «ضخماً» في أرباح «سوني» التشغيلية ذات الصلة بالألعاب. وحذر من أن «سوني» لا «تعتزم إطلاق أي ألعاب كبيرة جديدة» في العام المالي الذي يبدأ في أبريل، ما سيحرم المجموعة من أي من الألعاب ذات التكلفة العالية المدرة للأرباح، مثل «سبايدر مان» و«غد أوف وور».
أمّا «مايكروسوفت»، الذي حل جهازها «إكس بوكس» في المرتبة الثالثة خلف «نينتندو» و«سوني»، فأعلنت تطلعها إلى بيع المزيد من ألعابها الخاصة على منصات ألعاب الشركات المنافسة، مع سعيها إلى الاستفادة من مصادر جديدة للنمو في سوق متشبعة على نحو متزايد، بعدما دفعت 75 مليار دولار للاستحواذ على «أكتيفيجن بليزارد» في العام الماضي.
لكن الإطلاق المُتوقع على نطاق واسع لمنصة ألعاب جديدة من إنتاج «نينتندو»، في وقت لاحق من العام الجاري، من شأنه تسريع انخفاض مبيعات كل من «بلاي ستيشن» و«إكس بوكس»، مع ادخار اللاعبين للحصول على المنصة الجديدة.
وقال غاريث سوتكليف، المستشار وكبير محللي الألعاب لدى «إندرز أناليسيس»: «ثمّة مشكلة متعلقة حصراً بمنصات التحكم في صناعة الألعاب، فلا يشتري أحد أجهزة إكس بوكس، وبلغ بلاي ستيشن 5 ذروته على حساب الخصومات الكبيرة، والجميع يترقبون سويتش 2.0»، وأردف: «أثبتت منصات التحكم بالألعاب أنها ليست نموذجاً للنمو في صناعة الألعاب، فهي تصل ذروتها عند رقم واضح».
من جهته، أشار فيل سبنسر، رئيس قسم الألعاب لدى «مايكروسوفت»، إلى تقرير صدر حديثاً عن ماثيو بول، المؤلف والمستثمر المتخصص في التكنولوجيا، كشف نمو صناعة الألعاب بأقل من 1% في العام الماضي.
وقال سبنسر: «هذا أبطأ من التضخم، وأبطأ من نمو معظم بيانات الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس تضاؤل شأن الألعاب نوعاً ما في العام الماضي، مقارنة بما شهدته فئات أخرى في عالم الترفيه».
وأضاف أن «الفرصة الجوهرية» أمام الصناعة تمثلت في إيحاد مصادر جديدة للنمو بين لاعبين، ليس بمقدورهم تحمل إنفاق 500 دولار على جهاز تحكم في الألعاب، أو لعبة بقيمة 70 دولاراً. وتساءل: «كيف بإمكاننا طرح ألعاب لأناس لا يلعبون، ولا يمكنهم اللعب اليوم؟»، وتابع: «هذا ما اعتقد أننا يجب أن نركز عليه، كصناعة».
ويُعد خفض الأسعار سلاحاً ذا حدين. وتستغرق الشعبية الكبيرة للألعاب المجانية على الإنترنت، مثل «فورتنايت» و«روبلوكس»، ساعات من وقت اللعب، كانت تُقضى فيما سبق على الألعاب التي تكلّف 70 دولاراً. كما أن تأثيرات الشبكة القوية من الألعاب متعددة اللاعبين، مثل «كول أوف ديوتي»، تصعّب على الوافدين الجدد تحقيق نجاح. وقال: «تصدر آلاف الألعاب الجديدة شهرياً، لكن معدل النجاح منخفض للغاية. تواجهك تحديات جمة في محاولة إصدار منتج جديد في السوق».
وزادت المخاطر أيضاً جراء ارتفاع تكاليف تطوير الألعاب الناجحة. وعلّق هاردنغ-رولز: «عندما تتحدث عن موازنة تزيد عن 100 مليون دولار، حتى بالنسبة لشركة كبيرة، فإذا لم تحقق المرجو من خلال اثنين أو ثلاثة منها، فستكون على المحك تجارياً».
وأسفر ذلك عن اعتماد، شبيه بذلك في هوليوود، على إعادة تطوير الأسماء الكبيرة ذاتها، ودأبت عليه كبرى شركات الألعاب، مثل «مايكروسوفت» و«إلكترونك آرتس» وغيرها. وفي الوقت ذاته، يُبدي عمالقة الترفيه اهتماماً متجدداً بالألعاب، ما يزيد من احتدام المنافسة على لاعبين موجودين بالفعل لكن في سوق آخذة في الانكماش.
وضخت «ديزني» استثماراً بقيمة 1.5 مليار دولار في «إيبك غيمز» المطورة للعبة «فورتنايت»، هذا الشهر، لصنع ما أسماه رئيس الاستوديو، بوب إيغر: «عالماً مهولاً لديزني سيكون للعب والألعاب»، فيما تعمل «نتفليكس» أيضاً على توسيع عروضها ذات الصلة بالألعاب.
وصرح إيغر لمحللين: «مثلما نستغل ملكيتنا الفكرية من أفلامنا ومسلسلاتنا ونعبّر عنهم في مدن الألعاب فهذه طريقة رائعة لفعل ذلك من خلال الألعاب»، مشيراً إلى الاتجاهات الديموغرافية، التي كشفت قضاء المستهلكين من الشباب وقتاً في لعب الألعاب مثلما يقضون وقتاً في مشاهدة المسلسلات والأفلام. وأضاف: «الاستنتاج الذي بلغته، هو أنه علينا أن نكون حاضرين في هذا المجال، وعلينا أن نكون حاضرين بأسرع وقت ممكن وعلى نحو مقنع للغاية».
