تكثّف الحكومات حول العالم من تدقيقها في ما يتعلق ببناء مراكز البيانات، وسط مخاوف من تسبب استغلالها الهائل للطاقة في ضغوط جمة على المستهدفات الوطنية للمناخ وشبكات الكهرباء.
وأعلنت إيرلندا وألمانيا وسنغافورة والصين، وكذلك مقاطعة في الولايات المتحدة، بجانب أمستردام في هولندا، قيوداً على مراكز البيانات الجديدة في الأعوام الماضية، امتثالاً لمتطلبات بيئية أكثر صرامة.
وتُعد التهديدات على المشروعات الجديدة على أشدها في إيرلندا، وهي نقطة مهمة لمزارع الخوادم التي تبنيها شركات الحوسبة السحابية، مثل «غوغل» و«مايكروسوفت»، في ظل انخفاض معدلات الضرائب لديها، وسهولة الوصول إلى كابلات بحرية عالية السعة تعمل من خلالها حركة الإنترنت العالمية.
وأوضحت هيرال باتيل رئيسة قسم البحوث المُستدامة لدى «باركليز»، وهي أبرز مؤلفي تقرير عن مراكز البيانات، أن قرار هيئة تنظيم الطاقة والمياه في 2021، للحد من التوصيلات الجديدة للبيانات بشبكة الكهرباء، يُحدث «تأثيراً كبيراً على أرض الواقع» في الوقت الراهن.
وحصل مشغلون لمراكز البيانات، مثل «فانتيدج» و«إدج كونكس» و«إكوينكس»، على تصاريح لمشروعات جديدة في دبلن، لكن رفضتها السلطات المحلية العام الماضي. وتوقعت وكالة الطاقة الدولية الشهر الماضي أن تمثل مراكز البيانات في إيرلندا 32 % من الطلب الوطني على الكهرباء بحلول 2026.
وصارت التداعيات البيئية التي تسببها مراكز البيانات، وهي منشآت ضخمة تحوي الخوادم التي تخزّن بيانات الملايين على شبكة الإنترنت، مشكلة آخذة في الازدياد حول العالم. وفرضت مقاطعة لودون في ولاية فيرجينيا الأمريكية، وكذلك ألمانيا، قيوداً جديدة، تشمل الحد من التصاريح الممنوحة لمراكز البيانات في المناطق السكنية، أو إلزامها بالإسهام في توليد الطاقة المتجددة لصالح شبكة الكهرباء، وإعادة استخدام الحرارة المُهدرة.
وحذر محللون لدى «باركليز» من أن الحكومات لم تأخذ في اعتبارها بعد تداعيات الاستخدام المتزايد للإنترنت على شبكاتها الكهربائية، مرجحين إعلان قيود مماثلة في «شدتها وتواترها» في بلدان أخرى، على مدى الأعوام المقبلة.
ومن شأن ذلك التسبب في ضغوط على أعمال مراكز البيانات وشركات الحوسبة السحابية، التي تبلغ قيمتها 220 مليار دولار أمريكي، وسط توقعات لمجموعة إيه آر سي لبحوث الصناعة، بازدياد هذه القيمة إلى 418 مليار دولار بنهاية العقد الجاري، مع تصاعد الطلب على البيانات عالمياً. وفي الوقت ذاته، تشير تقديرات مجموعة «ديل أورو» لبحوث السوق، إلى تخطي النفقات الرأسمالية العالمية على مراكز البيانات حاجز 500 مليار دولار في 2027.
ويتنامى استخدام مراكز البيانات للطاقة على نحو سريع في الولايات المتحدة، التي تحتضن ثلث مراكز البيانات العالمية، وعددها 8,000، وكذلك في الصين التي توجد بها نسبة العشر، بحسب وكالة الطاقة الدولية. وقالت باتيل: «لدينا عدة شبكات للكهرباء على مستوى العالم، ليس بمقدورها التعامل مع أعباء العمل هذه المدفوعة بالذكاء الاصطناعي»، وأردفت: «القول أسهل من الفعل في ما يتعلق بمراعاة البيئة».
ومستقبلاً، ترى باتيل أن «مشغلي مراكز البيانات وشركات التكنولوجيا، سيتعين عليهم لعب دور أكثر نشاطاً في ما يتعلق بالشبكة»، مثل توليد مزيد من الطاقة المتجددة، والعمل على تدابير لترشيد استهلاك الطاقة.
وتقف كل من «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أمازون»، وهي الشركات ذات القدرات التوسعية الضخمة، وراء بعض من أكبر مجمعات مراكز البيانات حول العالم، وهي لذلك تستثمر في طاقة الرياح والشمس، للوفاء بمُستهدفات الاستدامة.
وتتجه هذه الشركات أيضاً صوب مصادر أخرى للطاقة. وأعلنت «مايكروسوفت» العام الماضي شراء طاقة نووية لتغطية ما يصل إلى 35 % من احتياجاتها من الطاقة، لواحد من مراكز البيانات لديها في ولاية فيرجينيا، عندما لا تكون طاقة الرياح والهواء متوفرة. ولم تقف الشركة عند هذا الحد، بل أجرت رهاناً مستقبلياً على طاقة الاندماج النووي، التي تتولَّد عن طريق التفاعل ذاته الذي يقع داخل الشمس. ووقعت «مايكروسوفت» عقداً لشراء الطاقة مع هيليون الأمريكية الخاصة.
وثمة تحدٍ آخر، يتمثل في الاستغناء عن وقود الديزل، الذي عادة ما يشغّل المولدات الاحتياطية لمراكز البيانات. وتعتزم «أمازون» التحوّل نحو الوقود الحيوي المُصنّع من نفايات الزيوت، لتشغيل المولدات الاحتياطية في كافة مراكزها للبيانات في أوروبا، على أن تبدأ العمل بها في مواقع بإيرلندا والسويد.
وعالمياً، رجحت وكالة الطاقة الدولية في الشهر الماضي، تضاعف استهلاك مراكز البيانات والعملات المُشفرة والذكاء الاصطناعي للطاقة بين 2022 و2026. أما محللو «مورغان ستانلي»، فيتوقعون أن يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي محركاً لأكثر من ثلاثة أرباع طلب مراكز البيانات على الطاقة في 2027، استناداً إلى بيانات من عام 2022.
ويتعرض مشغلو مراكز البيانات إلى ضغوط، لكي يُظهروا للمنظمين تخفيفهم للطلب على الطاقة، وليس مجرد جعل المعروض أكثر مراعاة للبيئة. وصرّح كريستوفر ويليز رئيس الاستدامة لدى شركة «إيكوينكس»، مشغلة مراكز البيانات العالمية، بأن الشركة تعمل مع حكومات على مستوى العالم في مجال إدارة استخدام الطاقة. وأضاف: «لديك مجالات هائلة للتوسع والنمو أينما ذهبت، والأمر يجتذب قدراً معيناً من الاهتمام».
وعملت «غوغل» على تجربة وسائل لتقليل استهلاك الطاقة في مراكزها للبيانات، وذلك عندما تواجه شبكات الكهرباء التي تعتمد عليها قيوداً على السعة، بما في ذلك خلال الموجات الحارة والعواصف الشتوية في كل من أوريغون ونبراسكا، وجنوب شرقي الولايات المتحدة. ومن أمثلة ذلك، إرجاء المهام الحوسبية غير العاجلة، مثل تحديث معجم المفردات في أداتها للترجمة، أو تسليم المهمة إلى مراكز بيانات في مواقع أخرى.
وفي لندن، تشكّلت فرقة عمل خاصة بمراكز البيانات، بهدف تنسيق استجابات الطاقة والتخطيط في ربوع العاصمة، بعد ورود مؤشرات في 2022، دلّت على ضغوط على توفر الكهرباء للمنازل، في ظل نمو عدد مراكز البيانات بالقرب من منشآت كابلات الألياف الضوئية.
ومواصلة اجتذاب عاصمة المملكة المتحدة لمراكز البيانات، تعد ضرورية لكي «تستمر في البقاء والتوسع، باعتبارها مركزاً عالمياً للتكنولوجيا، ومن أجل تبني تكنولوجيات ناشئة، وأيضاً الذكاء الاصطناعي»، وفقاً لثيو بلاكويل، الذي يعمل لصالح عمدة لندن، كبيراً للمسؤولين الرقميين.
ومع ذلك، أكد بلاكويل أن «المخططين قلقين بشأن مشكلات التخطيط الحضري، وكيفية اندماج مراكز البيانات في المناطق المحلية، فضلاً عن العوامل الخارجية، مثل استهلاك الطاقة».
