في حين تعزز الأسواق من رهاناتها على خفض أسعار الفائدة هذا العام، يزداد تركيز المستثمرين تحديداً على مدى خفض تكاليف الاقتراض في نهاية المطاف، مع تراجع الخطر الذي تشكّله الضغوط التضخمية. وتتأثر مصارف مركزية، بينها الاحتياطي الفيدرالي والمركزي الأوروبي، بمفهوم مراوغ ومثير للجدل، يُطلق عليه معدل الفائدة المحايد، وهو معدل الفائدة على الاقتراض الذي يُبقي على النمو المطرد للاقتصادات، مع توظيف كامل وتضخم يسجل مستويات قريبة من 2%.

وبعد انخفاضه إلى مستويات شديدة التدني قبيل الجائحة، تشي بعض المقاييس بأن المعدل المحايد ارتفع في الآونة الأخيرة. وقد يعني هذا أن الفائدة الرسمية لن تنخفض إلى مستويات ما قبل الجائحة، حتى على الرغم من انحسار التضخم.

وقال تيف ماكليم، محافظ المركزي الكندي، قبيل القرار الأخير الذي اتخذه المصرف بشأن الفائدة: «سواء كنت مصرفاً أو شركة أو حكومة أو أسرة، لا أعتقد بوجوب توقعك عودة الفائدة إلى مستويات ما قبل الجائحة، ولذلك، ثمة تعديل يلوح في الأفق». وتابع: «هناك عدد من الأشياء التي تشي بأن المعدل المحايد سيكون أعلى». لكن ما السبب وراء أهمية المعدل المحايد؟ لا تحدد المصارف المركزية المعدل المحايد بصورة مباشرة، وليس بإمكانها تحديد المستوى الذي يسجله على نحو موثوق، لكن بالنسبة للكثير من خبراء الاقتصاد، فإن المعدل المحايد المُعدل وفق التضخم، والذي يُعرف بمجموعة من المسميات مثل معدل التوازن أو «آر ستار»، يُعد بمثابة عامل توجيهي قيّم.

يعتبر مسؤولو المصرف المركزي أن السياسة النقدية مقيّدة للنشاط الاقتصادي، إذا سجلت الفائدة الرسمية مستويات تفوق هذا المعدل، أما إذا ما كانت دونه، فيُنظر إليها على أنها توسعية. ومع ذلك، فإن قيمة المعدل المحايد تبقى موضع خلاف شديد، فليس ثمة إجماع على نموذج بعينه لتقدير مستواه أو اتجاهه مستقبلاً. ولذا، يشعر بعض مسؤولي المصارف المركزية بالقلق من إعطائه وزناً لا داعي له.

يرى بيرت كولين، كبير خبراء الاقتصاد لدى مصرف «آي إن جي»، أن هذا المعدل يمكن له أن يكون قيّماً، إذا ما نُظِر إليه من أجل تقييم الأداء السابق للاقتصاد، لكنه ليس ذا قيمة كبيرة كدليل على القرارات المستقبلية للسياسة النقدية. وقال كولين: «الحقيقة هي أنه من الصعب بمكان تحديد مستواه، لأنه يتحرك باستمرار»

إذن ما هو مستوى المعدل المحايد؟ كانت المستويات المنخفضة للمعدل المحايد في العقود الماضية، مدفوعة بمجموعة من العوامل طويلة المدى، تشمل ضعف نمو الإنتاجية، وتخمة معدلات الادخار الآخذة في الازدياد حول العالم، فضلاً عن شيخوخة السكان التي عززت النقد المُراكم من أجل التقاعد.

يشير أحد التقديرات شائعة الاستخدام، والذي يصدر عن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إلى انخفاض دام طيلة عقود للمعدلات المحايدة المُعدّلة وفقاً للتضخم، في كل من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، ولا تظهر مؤشرات على عكس هذا الاتجاه.

ويضع هذا «آر ستار» في الولايات المتحدة عند 0.9% في الربع الثالث من العام الماضي قبل التضخم، وهو انخفاض كبير من المستويات التي قاربت 4% في بداية الألفية. وسجل المعدل المحايد في كندا، المُعدّل وفقاً للتضخم 1.5%، وبلغ -0.7% في منطقة اليورو، بحسب نماذجهما. وتفيد منهجيات أخرى لتقدير المعدل المحايد إلى انخفاضات مماثلة، فيما يرى بعض خبراء الاقتصاد مؤشرات على أن «آر ستار» قد ارتفع. ذكرت ميغان غرين، العضوة الخارجية في لجنة السياسة النقدية لدى مصرف إنجلترا، في نوفمبر الفائت، أن المعدل المحايد ربما قد ارتفع على المدى المتوسط، نتيجة ازدياد الدين العام وارتفاع الاستثمارات في مجالات مثل التحوّل الأخضر.

لكن كيف يبدو الوضع في الولايات المتحدة؟ اعترف مسؤولو الفيدرالي بأن المُستهدف القياسي للفائدة على الأموال الفيدرالية الذي يبلغ أعلى مستوياته منذ 23 عاماً عند 5.25% و5.5% يقع في عمق المنطقة المقيدة، لكن ذلك لا يعني أنهم مستعدون لاستخدام تقييمات المعدل المحايد لإرشادهم في القرارات السياسية. وعوضاً عن ذلك، هم أكثر انقياداً لما تعكسه البيانات عن التوازن بين ضغوط أسعار المستهلكين وسوق العمل، وإن كانت التوقعات الرسمية للفيدرالي تشي باعتقاد بعض واضعي السياسة النقدية في أن معدل الفائدة المحايد آخذ في الارتفاع.

وقبيل تفشي الجائحة بفترة وجيزة، تراوحت تقديرات ما يُطلق عليها «النزعة المركزية» للنطاق المُستهدف للفائدة على الأموال الفيدرالية على المدى الطويل بين 2.4% و2.8%، ما يعني أن صانعي السياسة اعتقدوا بتسجيل «آر ستار» مستوى يتراوح بين 0.4% و0.8%، مع الأخذ في الاعتبار مُستهدف المركزي للتضخم عند 2%. لكن تُظهر التوقعات الأخيرة نطاقاً يتراوح بين 2.5% و3%، ما يعني تسجيل «آر ستار» مستوى يتراوح بين 0.5% و1%.

ويُعد رافاييل بوستيك، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، من بين مثل هؤلاء المسؤولين. وقال بوستيك: «أشعر بأن المعدل المحايد قد ازداد إلى ما يتراوح بين 2.5% و3%» باعتبار معدل تضخم عند 2%. وأسهب: «نخوض في واقع الأمر نقاشات حول ذلك الأمر في الفيدرالي بأتلانتا».

وماذا عن منطقة اليورو؟ يتفق أغلب خبراء الاقتصاد على أن المعدل المحايد لمنطقة اليورو انخفض في العقد التالي للأزمة المالية في 2008، مع تقليص الحكومات والشركات والأسر لمستويات الدين، فيما كان النمو السكاني في طور التباطؤ ومع انخفاض الإنتاجية. واضطر المركزي الأوروبي، في هذا السياق، إلى خفض الفائدة للمنطقة السالبة؛ تصدياً لانكماش التضخم. ويتمثل السؤال الأبرز فيما إذا كان التكتل الذي يضم في طياته 20 دولة سيقع في الفخ ذاته، المتمثل في انخفاض النمو والتضخم من جديد.

وقال ينس آيزنشميدت، الخبير الاقتصادي السابق لدى المركزي الأوروبي والذي يعمل حالياً لحساب «مورغان ستانلي»: «لم تنحسر تلك العوامل التي كانت تؤثّر على»آر ستار«وهي انخفاض معدلات المواليد وتراجع الإنتاجية».

من جهتها، أخبرت إيزابيل شنابل، عضوة مجلس إدارة المركزي الأوروبي، «فاينانشال تايمز»، هذا الشهر: «هناك أسباب جيدة تدعو إلى الاعتقاد بأن»آر ستار«العالمي سيتجه إلى الصعود مقارنة بالفترة التي أعقبت الأزمة المالية».

وتوقعت شنابل تصاعد معدل الفائدة المحايد، بسبب ارتفاع الاستثمار الرامي إلى مواجهة التغير المناخي، وازدياد الإنفاق الدفاعي، فضلاً عن تجزّؤ نظام التجارة العالمي وارتفاع الدين الحكومي. وأضافت إن عدم اليقين بشأن معدل «آر ستار» ينذر بـ «مضي المركزي الأوروبي قدماً بحذر وبخطوات صغيرة» بمجرد بدء المركزي في خفض الفائدة، لافتة إلى أن المصرف «قد يضطر حتى إلى وقف مسار خفض الفائدة، إذا ثبت أن التضخم ثابت عند مستويات مرتفعة». ونشر مسؤولو المركزي الأوروبي ورقة بحثية، هذا الأسبوع، سلّطت الضوء على ارتفاع متوسط عدة مقاييس للمعدل المحايد يتابعونها بمقدار 0.3 نقطة مئوية منذ الفترة السابقة لتفشي الجائحة في 2020.

ومع ذلك، نوّه المسؤولون بأن التقديرات «ما زالت تشير لمخاطر»، تتمثل في أن فائدة المركزي الأوروبي قد تكون بحاجة للخفض من جديد إلى الصفر أو دون ذلك في المستقبل، محذرين من أن الاستدلالات بشأن تحركات «آر ستار» عُرضة لـ «قدر عال من عدم اليقين». وذكر كولين، من «آي إن جي»، أنه في حين كان المعدل المحايد «جذاباً من الناحية النظرية»، لكن هناك صعوبة تكمن في استخدامه كدليل تستند إليه السياسة النقدية.