يعتزم بنك الاحتياطي الفيدرالي المُضي قدماً في خطط خفض أسعار الفائدة، على الرغم من الارتفاع غير المتوقع لمعدل نمو الوظائف في يناير، حيث أقنع النمو الاقتصادي الذي يقوده المهاجرون بقيمة 7 تريليونات دولار، وانخفاض عدد الوظائف الشاغرة، المسؤولين بأنه من غير المرجح أن يؤدي سوق العمل إلى تفاقم التضخم.
وقال مسؤولو الفيدرالي إن بيانات الوظائف التي صدرت يوم الجمعة الماضي، والتي أظهرت أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 353 ألف وظيفة في يناير، أي أكثر من ضعف العدد المتوقع، دعمت موقفهم بإبقاء تكاليف الاقتراض عند أعلى مستوى في 23 عاماً عند 5.25 إلى 5.5%، لكن معظم المسؤولين يعتقدون أنهم ما زالوا على المسار الصحيح لخفض أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، حيث من المرجح أن ينخفض التضخم حتى مع مواصلة الاقتصاد الأمريكي إضافة وظائف. وقال لاري ماير، الخبير الاقتصادي في «إل إتش ميير» والمحافظ السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي: «لا يزال الفيدرالي الأمريكي يركز بالكامل على التضخم».
وأضاف: «لن يثنيهم سوق العمل ولا النمو القوي عن خفض أسعار الفائدة طالما أن بيانات التضخم جيدة، وليس من الضروري أن تكون أفضل، بل بنفس المعدلات التي كانت عليها خلال الأشهر الستة بل والسنة الماضية». وظل معدل البطالة قريباً من أدنى مستوياته التاريخية عند 3.7% فقط، رغم الانخفاض الحاد في التضخم على مدار العام الماضي، وقد فاجأ ذلك العديد من الاقتصاديين الذين اعتقدوا أن القائمين على تحديد معدلات الفائدة لا يستطيعون احتواء ضغوط الأسعار دون أن يكلف ذلك العديد من العمال الأمريكيين وظائفهم.
ويتوقع الاحتياطي الفيدرالي أن يهدأ سوق العمل هذا العام، لكنه يعتقد أنه -على عكس الماضي- لن تكون هناك حاجة إلى ارتفاع حاد في البطالة لخفض التضخم إلى المستهدف البالغ 2%. وأحد الأسباب وراء ذلك هو تدفق أعداد كبيرة من العمال الأجانب إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي ساعد في احتواء نمو الأجور، وفي نهاية المطاف الأسعار.
وفي حين أصبح موضوع الهجرة موضوعاً سياسياً مشحوناً، مع انخراط المشرعين في نقاش استمر شهوراً حول المهاجرين الذين يدخلون البلاد عبر المكسيك، فإن تأثير موجة ما بعد الجائحة من الوافدين الجدد كان إيجابياً على الاقتصاد الأمريكي.
وقال مكتب الميزانية في الكونغرس، وهو هيئة رقابية مستقلة تابعة للكونغرس، إن هذه الموجة ستعزز الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 7 تريليونات دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، ومن المرجح أن يكون لدى القوى العاملة الأمريكية 5.2 ملايين شخص إضافي بحلول عام 2033 مقارنة بتقديرات سابقة في فبراير 2023.
وقال فيليب سواغل، مدير مكتب الميزانية في الكونغرس، في مؤتمر صحفي منذ أيام، إن «المزيد من العمال يعني المزيد من الإنتاج، وهذا بدوره يؤدي إلى إيرادات ضريبية إضافية»، مضيفاً أن الزيادة البالغة 7 تريليونات دولار ستعود بنحو تريليون دولار على خزائن الحكومة. وأشار مكتب الميزانية أيضاً إلى أن تدفق العمال سيساعد أيضاً في خفض تكاليف العمالة. وكان أصحاب العمل في الولايات المتحدة ألقوا باللوم على التوقف المؤقت الناجم عن الوباء في إصدار تأشيرات العمل في عامي 2020 و2021 في تفاقم نقص العمالة الذي أجبرهم على رفع الأجور وتقديم حوافز مثل مكافآت التوقيع النقدية والرسوم الجامعية، لتوظيف العمال.
ويظل النقص أكثر حدة في قطاعات العمل اليدوية التي تعتمد بشدة على العمال المولودين في الخارج، ويشمل ذلك المطاعم والفنادق والبناء وهندسة تنسيق المواقع والمناظر.
ويقر مسؤولو الفيدرالي، بمن فيهم رئيس المجلس جاي باول، بأن زيادة المعروض من العمال اعتباراً من عام 2022 فصاعداً، سواء من الهجرة أو زيادة المشاركة في القوى العاملة، قد ساعد في احتواء نمو الأجور. ويوم الخميس، أشاد توماس باركين، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، بالهجرة باعتبارها أحد العوامل التي ساعدت في تخفيف الضغوط في سوق العمل.
وقالت أدريانا كوغلر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي وخبيرة سوق العمل، إن «المفاضلة بين التضخم والبطالة»، حيث يؤدي الانكماش إلى زيادة البطالة، يبدو أنها انهارت في الآونة الأخيرة. وقال كريشنا غوها، نائب الرئيس في «إيفركور أي إس أي»، على ذلك بقوله: «لا شك أن الهجرة تساهم بشكل مهم في توفير القوى العاملة»، مضيفاً أنها كانت أيضاً جزءاً من السبب وراء تمكن الولايات المتحدة من تحقيق هذا المزيج الرائع من النمو القوي والتوظيف القوي وانخفاض التضخم وتباطؤ نمو الأجور«.
غير أن بعض المسؤولين، مثل رئيس الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن سوزان كولينز، يشعرون بالقلق من أن زيادة عدد العمال كانت ظاهرة لمرة واحدة بعد الجائحة وأنها لن تدوم.
وبينما لم يتمكن الكونغرس حتى الآن من الاتفاق على قواعد أكثر صرامة على الحدود المكسيكية، حيث رفض مجلس الشيوخ الأربعاء الاقتراح الأخير بعد أن واجه معارضة من المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة دونالد ترامب، فإن أي اتفاق قد يؤثر على تدفقات المهاجرين. وتضغط منظمات الأعمال، بما في ذلك غرفة التجارة والجمعية الوطنية للمطاعم والاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة، على الكونجرس لزيادة حصص تأشيرات العمل والحد الأقصى لتأشيرات «إتش- تو بي» التي يستخدمها العمال الموسميون في قطاعات مثل الزراعة وتجهيز المأكولات البحرية.
ويقولون إن العمال المولودين في الولايات المتحدة يتقاعدون من سوق العمل بوتيرة أسرع من الداخلين إلى السوق، مما يجعل زيادة الهجرة القانونية أمراً حاسماً لجهودهم في توظيف عدد كافٍ من العمال لتنمية أعمالهم. واعترف فيليب سواغل بأن توقعات مكتب الميزانية بشأن الهجرة كانت»مصدراً رئيسياً لعدم اليقين«، وقال إن هيئة المراقبة التابعة له ستعد تحليلاً اقتصادياً لأي تشريع متعلق بالهجرة يتم إقراره. كما أشار مسؤولو الفيدرالي إلى قراءات أكثر فتوراً من استطلاعات أخرى، مثل بيانات «جي أو إل تي» لفرص العمل ومعدلات الاستقالة، كدليل على أن سوق العمل يتمتع بالمرونة الكافية التي تمكنهم من خفض سعر الفائدة الفيدرالية الأساسي في وقت لاحق من هذا العام. وأظهر نظام التعقب التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن نمو الأجور تراجع في يناير، ومع ذلك، لا يزال نمو الأجور، الذي يبلغ 5%، يتجاوز المعدلات الطبيعية قبل الجائحة.
كما انخفض مؤشر تكلفة التوظيف، الذي يُنظر إليه على أنه المقياس المفضل للفيدرالي لنمو الأجور، بين الربعين الثالث والرابع من العام الماضي. من جانبها، قالت لوريتا ميستر، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند وعضو لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، إنها لا تزال تخطط لخفض أسعار الفائدة ثلاث مرات، وهو ما يتوافق مع ما كانت تعتقده في ديسمبر.
ورغم أن تقرير الوظائف لشهر يناير أظهر مرونة ملحوظة لسوق العمل، إلا أن ميستر قالت إن مؤشرات أخرى، مثل مؤشر تكلفة التوظيف، تعكس وجود»بعض الاعتدال«. وتابعت:»أتوقع في هذه المرحلة أن نشهد مزيداً من الاعتدال في نمو الأجور، إلى جانب تباطؤ تدريجي في نمو الوظائف وارتفاع طفيف في معدل البطالة على مدار العام مقارنة بمستواه المنخفض للغاية«. وقال غوها:»في المجمل، تقدم بيانات الأجور لشهر يناير سبباً أكبر للتريث، ولكن لا داعي للذعر والتحول المفاجئ إلى اتجاه متشدد، فهذه ليست كبداية عام 2023 عندما حدثت مفاجأة مماثلة في سوق العمل، لكن مع معدلات عالية للتضخم والأجور.
