لقد فعلوها من جديد، ويبدو كأنها المرة المئة في عامين، وصراحة لم أعد أستطيع العد، فقد شرع المستثمرون في إعادة التفكير بشكل كبير في ما سيحدث بصدد أسعار الفائدة العالمية.

لقد تلاشى شعار «مستويات أعلى مدة أطول» أواخر العام الماضي، وعوضاً عن ذلك، استهل المستثمرون سنة 2024 بيقين واضح بأن أسعار الفائدة ستنخفض بقوة وبسرعة، إلا أنهم ينظرون إلى بيانات وظائف أمريكية وفيرة، والعديد من تعليقات واضعي معدلات الفائدة مفادها «اهدأوا»، لإرجاء توقعات الخفض الأول لأسعار الفائدة إلى وقت لاحق في المستقبل، ولذلك، فإن الإجماع الجديد أن الفائدة «ستظل مرتفعة مدة أطول قليلاً»، بكل ما يعنيه ذلك بالنسبة للسندات الحكومية، والأسهم التي تواصل ارتفاعها، وكذلك كل فئات الأصول الأخرى، وربما ليس من قبيل المصادفة أنه وسط كل هذا، بدأت المخاوف المزعجة في شأن صحة سوق العقارات التجارية بالظهور من جديد. وحسب ما أعلنته «إس آند بي جلوبال» العام الماضي «يظل ارتفاع أسعار الفائدة فترة أطول الخطر الأساسي على الأصول العقارية على مستوى العالم».

والمطمئن مع ذلك أن جانيت يلين وزيرة الخزانة الأمريكية تعمل على الأمر، فقالت أمام الكونجرس منذ أيام «نعم يساورني قلق في شأن العقارات التجارية»، وأشارت إلى تأثير بيئة ارتفاع أسعار الفائدة، المقترنة بقرب استحقاق الكثير من القروض على العقارات التجارية التي تحتاج لإعادة تمويل، في سياق ترتفع فيه معدلات الشواغر بشكل كبير. وقالت إن هذا «سيضع قدراً كبيراً من الضغط على ملاك هذه العقارات».

وعبرت يلين عن اعتقادها بأن الوضع «يمكن إدارته»، ولكن يرجح أن بعض المؤسسات ستكون «مضغوطة للغاية». وبالنظر إلى ذكريات سنة 2008-2009 التي لا تزال قريبة في الأذهان عن مشكلات العقارات السكنية التي أثرت في المصارف، واستمرت في التأثير في اقتصادات بأكملها، فإن هذا يجعل المستثمرين متوترين للغاية.

وكان الدور هذا الأسبوع على المقرض العقاري الأوروبي الذي سمي على عُجالة، «دويتشه بفاندبريف بنك»، ليذكرنا بهذه الديناميكية، ففي بيان له، أعلن البنك أنه سيضع ما يصل إلى 215 مليون يورو جانباً، لتغطية الخسارة المُحتملة لما سماها «أكبر أزمة عقارية منذ الأزمة المالية»، ويشكّل هذا القدر أكثر من ضِعف أرباحه قبل حسم الضريبة لسنة 2023، والتي كانت عند الحد الأدنى للنطاق المُتوقع، وقد تضررت سندات البنك كثيراً جراء هذا.

على صعيد منفصل، لا يزال مسلسل الرعب الذي يعيشه «نيويورك كوميونتي بانكورب» بسبب العقارات مستمراً. وبعد انخفاض سعر سهمه بمقدار النصف منذ نهاية يناير، واصل البنك خسائره من جديد هذا الأسبوع. وأشار محللو «دويتشه بنك» إلى أن ذلك كان أحد أسباب ارتفاع أسعار السندات الحكومية الأمريكية في وقت مبكر الأربعاء الماضي، وهي خطوة كلاسيكية للبحث عن الأمان، وتكشفت التحولات المبكرة في الأسهم والسندات لاحقاً، إلا أنها كانت مؤشراً إلى أن الأسواق الأوسع تزداد قلقاً. وقالت «بروكر ليكويدنت» للوساطة إنها تشهد طفرة في أحجام التداولات في صناديق الاستثمار العقاري، وأيضاً في الديون المتصلة بالعقارات، ليس فقط في الجزء الخاص بالمضاربة، وإنما أيضاً في الطرف الأكثر تحفظاً من المشهد «الذي لم يعتد رؤية هذه التقلبات».

وأضافت «ليكويدنت» إنه في بداية العام الماضي، شكلت التدفقات المرتبطة بالعقارات شريحة مئوية من رقم واحد من مجمل تداولاتها التي تركز على الأصول غير السائلة، ولكن هذه النسبة ازدادت إلى 16% من مجمل آخذ في النمو سريعاً، وليس كل هذا ناجماً عن القلق، ولكن بعض الديون يتم تداولها بأسعار منخفضة تصل إلى 30 سنتاً للدولار الواحد.

وبالنسبة لصائدي الصفقات، فإن هذا القلق يعد مكافأة، فعلى سبيل المثال، خصصت «بلاك ستون» استثمارات كبيرة على نحو غير اعتيادي قدرها 55% من استثماراتها العقارية لأوروبا والمملكة المتحدة العام الماضي، ولكن الخطر الأكبر على العقارات الآن أن الأخبار السارة في حقيقتها أنباء سيئة، فقد كان العديد من المستثمرين يأملون أو يفترضون أن الركود سيضرب الأسواق وأن المصارف المركزية ستهرع لإنقاذ المؤسسات العقارية المثقلة بالديون بخفض الفائدة قبل اضطرار المقترضين إلى ترحيل الديون، ولكن مسؤولي المصارف المركزية قضوا الأسبوع الأول من العام الجاري في تثبيط فكرة أنهم متعجلون في خفض الفائدة، بل يجدر أن ينظر على محمل الجد، إلى احتمال وإن كانت ضئيلاً، أن يعاود التضخم ارتفاعه وأن يضطروا إلى زيادة الفائدة من جديد استجابة لذلك.

وقالت تيفاني وايلدنج، الخبيرة الاقتصادية في «بيمكو» لاستثمارات السندات، في مذكرة هذا الأسبوع نحن قلقون... من أن الأنباء السارة الأخيرة في شأن انخفاض التضخم قد لا تدوم، وأن توقعات الأسواق قد تتحول سريعاً من هبوط ناعم إلى توقعات بعدم الهبوط. وأضافت وايلدنج إنها لا تزال تتوقع أن يخفض بنك الاحتياط الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 0.75 نقطة مئوية، إلا أنها أقرت بأن صناع السياسة قلقون بالفعل بما يكفي في شأن استمرار ارتفاع التضخم والبيانات الاقتصادية الإيجابية التي تبعد السوق عن ترجيح خفض الفائدة في مارس.

وصدر عنها تحذير متشائم بعض الشيء: نحن نلاحظ أن الضغط في القطاع المصرفي الإقليمي قد عاد إلى الظهور، وبينما لا نعتقد أن هذه المشكلات ستصبح منتظمة، إلا أنها تؤكد كيف يمكن أن تتسبب الفوائد المرتفعة في خلق بيئة تسودها أخطار متزايدة على الاستقرار المالي. إن القاعدة الأولى في الحوادث التي تقع في الأسواق المالية تتمثل في أنها لا تحدث حيث تتوقع وقوعها. وتحلّ العقارات على رأس قوائم الجميع في شأن الحوادث المُحتملة، ولكن التذكير المستمر في شأن الضغط، من الولايات المتحدة والصين وشمالي أوروبا وأوروبا القارية، بدأ يسفر عن قلق المستثمرين.