يبتعد الأمريكيون عن تغطية الانتخابات في 2024، ما يلقي بظلاله على آمال شبكات البث بحدوث «طفرة ترامب» أخرى مربحة من حيث التقييمات، إذ إن احتمالية حدوث مواجهة ثانية بين جو بايدن ودونالد ترامب تقلص عدد المشهدين بما يصل إلى النصف.

واجتذبت الانتخابات التمهيدية التي دارت رحاها بين ترامب ونيكي هالي في نيوهامبشير 6 ملايين مشاهد فقط بين الساعة الثامنة مساءً والحادية عشرة مساءً، في كل من «فوكس نيوز» و«سي إن إن» و«إم إس إن بي سي»، أبرز قنوات الكابل الإخبارية، بانخفاض من 8.6 ملايين مشاهد في الليلة ذاتها في 2020، ونحو8.7 ملايين مشاهد في 2016، بحسب بيانات «نيلسن».

أظهرت مجمعات أيوا الانتخابية، بعد مناظرة على شبكة «سي إن إن» لم يحضرها ترامب، انخفاضات أكثر حدة. فلم يشاهد تغطية وقت الذروة التي قدمتها الشبكات الثلاث سوى 4.7 ملايين شخص، مقابل 8.7 ملايين مشاهد في 2020 ونحو 10.2 ملايين في 2016.

وأفاد مسؤولون تنفيذيون للقنوات التلفزيونية والأخبار، بغياب إلى حد كبير للدراما التي أسرت الولايات المتحدة في خضم السباقات الانتخابية، التي دفعت بترامب أولاً ثم بايدن إلى البيت الأبيض، مع استعداد كلا الرجلين للتسابق للمرة الثانية. ونوهوا بإسهام الضجر من الأخبار والانخفاض الهيكلي في استهلاك المحتوى التلفزيوني في تضاؤل عدد المشاهدين.

وكشفت استطلاعات الرأي عن عدم رغبة غالبية الأمريكيين في ترشح أي من ترامب وبايدن، حيث يبلغان من العمر 77 و81 عاماً على الترتيب. وقال جوناثان كلاين، الذي أدار «سي إن إن» بين 2004 و2010: «إنه جزء آخر من فيلم لم تكن شغوفاً به منذ البداية»، وتابع: «المفاجأة هي ما تجعل القصة مثيرة للاهتمام، لكن لن تكون هناك أي مفاجآت بالمرة في المعركة بين بايدن وترامب».

أما جون ميلر، المسؤول التنفيذي السابق لـ«نيوز كورب» المملوكة لروبرت ميردوخ ويدير حالياً شبكات الاستثمار الإعلامية إنتغريتد ميديا، فيرى أن ترامب فقد قيمة الصدمة. وأردف: «كان الأمر جديداً برمته بالنسبة للمرة الأولى لترامب.

وسواء أعجبك الأمر أم لم يعجبك، فقد كان هناك شعور بأننا: لم نرَ مثل هذا من قبل. وتجاوبت وسائل الإعلام مع ذلك». وتابع: «رغم محاولة وسائل الإعلام خلق دراما هذه المرة، لكن ليس ثمة الكثير... إنها إعادة عرض، على حد التعبيرات التلفزيونية».

وقال مسؤول تنفيذي سابق لشبكة كابل إخبارية إن هناك «درجة عالية من السأم» بين المشاهدين، معتبراً أن «موسم الانتخابات انتهى من الأساس»، بما أن ترشح ترامب وبايدن يبدو حتمياً على نحو متزايد.

وقد يؤثر هذا على مقدار المال الذي يمكن لشبكات الأخبار أن تجنيه هذا العام. فلطالما عززت الانتخابات تقييمات وإيرادات الإعلانات كل أربعة أعوام. وعبر لاكلان ميردوخ، الرئيس التنفيذي لـ«فوكس»، للمستثمرين في نوفمبر، عن تطلعه إلى «زخم متجدد في فوكس نيوز ومحطاتنا المحلية مع احتدام الدورة الانتخابية».

وأوضح قائلاً: «تمثلت الطريقة التي جنت بها هذه الشبكات المال خلال أعوام الانتخابات، في تقييمات أعلى في الليالي الكبرى للانتخابات، ومزيد من ليالي الانتخابات». وفي ظل سباق أقل تنافسية «فستحصل على تجمعات أقل في مجالس البلدية وكل هذه الأشياء... ولن يحصل مالكو وسائل الإعلام على الأرباح الكبيرة».

لكن لم يكن الجميع على القدر ذاته من التأثر مع ذلك. فقد كان أداء قناة «فوكس نيوز» التابعة لميردوخ، والتي تتمتع بالجمهور الأكثر محافظة بين شبكات الكابل الثلاث، أفضل من منافساتها، في حين عانت «سي إن إن» خسائر أكبر بكثير.

وتابع أكثر من 2.8 مليون شخص تغطية مجمعات أيوا الانتخابية عبر شاشة «فوكس نيوز»، بتراجع من 4.4 ملايين في 2020 وحوالي 4.5 ملايين في 2016. وشاهد أقل من 700.000 شخص التغطية التي قدمتها «سي إن إن» للحدث ذاته، بانخفاض حاد من 3.7 ملايين شخص في 2016، إذ تنافست برامج هذا العام مع مباراة لكرة القدم الأمريكية وتوزيع جوائز «إيمي» بهوليوود.

كما استفاد ناشرو الصحف، مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» على نحو كبير من الدورات الإخبارية المبكرة لترامب، فشهد كلاهما إقبال مشتركين جدد في ضوء تغطيتهما لانتخابات 2016، وآخر تطورات إدارة ترامب، وكذلك السعي لإعادة انتخابه في انتخابات 2020.

ومع ذلك، قلل ويل لويس، الرئيس التنفيذي لـ«واشنطن بوست»، أخيراً، من احتمالية تمتع الصحيفة بـ «طفرة ترامب» أخرى، فصرح لـ «فايننشال تايمز» هذا الشهر على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بأنه «ليس مقتنعاً» بحدوث ذلك من جديد.

وأطلعت الصحيفة موظفيها على أن توقعاتها للاشتراكات والإعلان كانت «مفرطة التفاؤل»، مع خفضها لعدد الوظائف في أكتوبر، لكن ناطقاً بلسانها قال إن الصحيفة ما زالت «تتوقع اهتماماً بالغاً بتغطيتنا للانتخابات من المشتركين الحاليين وجماهير جديدة هذا العام».

وزار نحو 116 مليون شخص موقع «واشنطن بوست» في ديسمبر، مقارنة مع 161 مليوناً في الشهر ذاته من 2019، بحسب مجموعة سيميلار ويب للبيانات، فيما تضاعفت زيارات المشاهدين لموقع «نيويورك تايمز» خلال تلك الفترة، من 229 مليوناً في 2019 إلى 464 مليوناً في 2023. ورفضت «نيويورك تايمز» التعليق. لكن أسهمها ارتفعت بأكثر من 40 % في العام الماضي، وتقترب من مستوياتها المرتفعة القياسية التي حققتها في 2021.

ومع تقلص جمهور التلفزيون، اتجه بعض المشاهدين إلى منصات الإنترنت، وليس الابتعاد كلياً عن المشاهدة. وأشار شخص على صلة بـ «سي إن إن» إلى تمتع الشبكة بـ 2.6 مليون مشاهد للـ «بث الحي بالفيديو» لتغطيتها لانتخابات أيوا على منصتي «ماكس» للبث الحي و«سي إن إن دوت كوم».

وتأتي الصعوبات التي تواجه شاشة «سي إن إن» بعد أشهر فقط من تعيين مارك تومبسون، الرئيس السابق لكل من «بي بي سي» و«نيويورك تايمز»، رئيساً تنفيذياً، بعد فترة انخفضت فيها التقييمات وشهدت مشكلات داخلية.

لفت كلاين إلى تمتع «سي إن إن» بفرصة تقديم «تقارير إخبارية حقيقية وأكثر عمقاً» هذه المرة. وأوضح: «إذا كنت تدير قناة كابل، فهناك هذا الدافع لتغطية سباق الخيل، وتغطية ما تخبر به آخر استطلاعات الرأي، وماهية آخر الأخطاء.

ويأتي هذا على حساب سماعك حقاً لما يقوله المرشحون». وذكر: «إنها الآن معركة من أجل المشاهدين والقراء المستقلين... ندرك أهمية سباق الخيل والإهانات التي يتلفظ بها ترامب اليوم»، مضيفاً: «المشاهدون يضيقون ذرعاً بهذه الأشياء على نحو أسرع مما تفعل وسائل الإعلام».