الاستثمار السلبي عملية بسيطة نسبياً تثير الكثير من الشكوى، لكن المستخدمين يفضلونها كثيراً بدلاً من التعمق في جداول البيانات لمحاولة تحقيق عوائد أفضل من السوق. ويمكن للمستثمرين بدءاً من المقامرين الهواة إلى المؤسسات الكبيرة، شراء وسائل تتبع الأسهم المدرجة في البورصة بتكلفة منخفضة للغاية ويوفرون بذلك على أنفسهم الكثير من العناء.
وعادة لا يكون مديرو صناديق الاستثمار شديدي الحرص، ويلقون باللوم في حرب الرسوم التي تطارد صناعة إدارة الأصول، على زيادة الاستثمار السلبي، المستمر في الصعود طوال السنوات الأربعين الماضية. ولكن هذا ليس هو السبب الوحيد الذي يثير استياءهم بشدة. وبدلاً من ذلك، يقولون إنه يجبر سوق الأسهم على التحرك بطرق غامضة تعقد «الفن النبيل للاستثمار الناجح». وقد يبدو هذا بمثابة عذر واه، لكن أهمية هذه القضية تزداد بالفعل.
لقد أصبحت هذه القضية ملحة بالفعل. فقد كشفت بيانات حديثة أصدرتها «مورنينج ستار»، وهي شركة مختصة بمراقبة الصناديق، أن الأصول الصافية في الصناديق السلبية تجاوزت نظيرتها في الصناديق النشطة للمرة الأولى على الإطلاق خلال شهر ديسمبر الماضي.
وكان الطلب على صناديق الاستثمار المشتركة وصناديق تداول الأسهم في الولايات المتحدة في عام 2023 ضعيفاً إلى حد ما، رغم تدفق صافي 79 مليار دولار، وهو ما يزيد بدرجة كبيرة بعد عام 2022 الكئيب، لكنه يظل ثاني أدنى معدل نمو طبيعي بمجموعة البيانات التي تعود إلى عام 1993. واتجهت الأموال في تدفقات كبيرة إلى الصناديق السلبية، لـ «تسيطر بذلك على الأرضية الخاصة بالصناديق النشطة لسنوات»، على حد وصف «مورنينج ستار».
ويبلغ إجمالي الأصول السلبية 13.3 تريليون دولار منها 8 تريليونات دولار في الأسهم الأمريكية. وأضافت «مورنينج ستار»: «لقد كانت حركة المرور في اتجاه واحد خلال العقد الماضي»، مشيرة إلى أن تدفقات صناديق الأسهم الأمريكية تحولت لصالح الاستثمار السلبي منذ العام 2005.
وأولئك الذين يخشون أن يكون لهذا تأثير مهدئ على أكبر سوق للأوراق المالية في العالم هم بالفعل محقون. فقد أشارت دراسة أجريت الشهر الماضي ونشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة إلى أن زيادة استخدام وسائل التتبع أضعف تأثير الأخبار التي كانت عادة ما يفترض أنها تحرك الأسهم.
وقد فحص راندال مورك من جامعة ألبرتا وإم دينيز يافوز من جامعة بوردو تأثير صدمات العملات على الشركات الحساسة لها، وما إذا كانت تلك الصدمات انعكست بوضوح على أسهمها على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، الذي تستهدفه الأموال السلبية بشكل رئيسي، كما درسا الشركات التي ليس لديها تلك الحساسية. وكشفت الاختبارات الرئيسية للدراسة نتيجة قوية وواضحة للغاية، وهو وجود فرق أقل اقتصادياً وإحصائياً بنسبة 60% في حساسية الأسهم للتقلبات عند تواجدها على مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وأعلى بالنسبة نفسها للأسهم التي تقع خارج المؤشر.
وأحد العيوب هنا هو أن الشركات الناجحة بما يكفي للظهور في مؤشر الأسهم الأكثر شهرة في العالم قد تكون قوية وعالمية بما يكفي لتخفيف تأثير صدمات العملات على أرباحها النهائية. لكن النتائج الأساسية تظل ثابتة حتى بعد أن أخضع الباحثون تحوط الشركات من مخاطر العملات للدراسة. ومن الأهمية بمكان أن حساسية العملة أيضاً آخذة في الانخفاض بمرور الوقت، وذلك بالتوازي مع ارتفاع الاستثمار السلبي.
ويبدو أن الأسهم المرتبطة بمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تظهر حساسية أقل تجاه الصدمات الأخرى خارج عالم العملات المتقلب. ويشير الباحثون إلى أن الاستثمار السلبي له فوائده، مع الإشارة إلى الكتب التي تنصح المستثمرين بالجلوس ومشاهدة أموالهم تنمو. «على أية حال، تظهر اختباراتنا أنه إذا اتبع عدد كاف من المستثمرين هذه النصيحة، فإن أفعالهم الجماعية يمكن أن تتضافر لتقويض الأسس الاقتصادية التي تبرر هذه النصيحة».
وعلى وجه التحديد، يشكل ذلك تحدياً لفرضية الأسواق الفعالة -البوصلة التوجيهية للاستثمار- التي تقول إن أسعار الأصول تعكس جميع المعلومات المتاحة. ويقوض الاستخدام المتزايد لوسائل التتبع على ما يبدو فرضية «فاعلية الأسواق» التي تدعم جدواها، وفقاً للورقة البحثية.
يشير ذلك كله إلى أنه إذا استمر الاستثمار السلبي في النمو (ومن الصعب أن نرى مانعاً لذلك)، فإن العملية الاستثمارية بأكملها ستتحول، مع مرور الوقت، إلى شيء مختلف عن البحث عن الشركات الناجحة ومكافأتها والربح منها؛ بدلاً من ذلك سيصبح الأمر كله رهاناً دائرياً على تدفق المزيد من الأموال إلى فئة الأصول.
إنه أمر بلا جدوى، ومن قبيل الغرور إلى حد ما، أن ننتقد بشكل حاد الاستثمار السلبي، الذي فتح أبواب الثروة لملايين الأشخاص الذين ربما لم يكونوا لولا ذلك نشطين في الأسواق المالية على الإطلاق. وتشير الأدلة المتزايدة إلى أن الأسهم أصبحت محصنة ضد المفاجآت وأقل قدرة على عكس تغيرات العوامل الأساسية، ببساطة بسبب تدفقات الاستثمار السلبية. وهذا يسلط الضوء على مخاطر التخصيص الخاطئ لرأس المال، ويغير قواعد اللعبة بشكلٍ جوهري بالنسبة للمستثمرين السلبيين والنشطين على حد سواء.