إذا كان ثمة شيء واحد يبدو أن معظم الناس يكرهونه أكثر من السياسة، فهو سياسات المكتب والعمل؛ وما تشهده هذه الساحة من مناورات خفية. فأحياناً بذل الجهود لتحسين الحياة المهنية يعرض الناس للسخرية بين الزملاء، ويمكن أن يكون ذلك مصحوباً بالغيرة إذا كانت هذه الجهود والمساعي تؤتي ثمارها.
وقد عبرت فرقة «ديفاين كوميدي» عن ذلك في أغنيتها «سياسات العمل» التي أصدرتها في 2019: «صافح الكثير من الناس بحرارة.. أبرم الصفقة.. أعمل بلا كلل من أجل تحقيق نتائج ملموسة».
لكنني في الأسابيع الأخيرة، أعدت التفكير في الأمر، بعد خوض نقاشات طويلة خلال العطلة مع أصدقاء وزملاء من المرحلة العمرية نفسها حول العمل؛ يشعر الكثيرون بالإحباط، أو التجاهل، أو الملل، والبؤس، حيال الوظائف التي كبروا عليها.
وكما هي الحال في كثير من الأمور في الحياة، فعندما تصل إلى نهاية ما يطلق عليه الأمريكيون بشكل دقيق ورائع «حفلة رثاء الذات»، فإنك تحتاج إلى بعض النصائح البناءة.
في بعض الأحيان يكون التعاطف جيداً، لكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل أن يكون لديك وجهة نظر أكثر صلابة. وقد جاءت بعض الحلول الصادمة (التي أشاركها بغرض تمرير الفائدة) من خلال الرجوع إلى أحدث كتاب من تأليف جيفري فيفر، أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة ستانفورد.
ففي كتابه «قواعد القوة السبعة»، يحذر من أن «الناس يتجنبون السعي إلى السلطة» في كثير من الأحيان لأنهم يرون أشخاصاً سيئين يسعون للحصول عليها أو استخدامها بشكل سيئ، لكنهم يصبحون ضحايا لهذا القرار، ويضيعون بالتالي فوائد امتلاك السلطة.
وقد أظهر تحليل إحصائي لآثار مهارة سياسات العمل أنها مرتبطة على الصعيد الإيجابي بالرضا الوظيفي، وإنتاجية العمل، والنجاح المهني والسمعة الشخصية، فيما تتعلق على الجانب السلبي بالضغط النفسي. بمعنى آخر، يمكن أن تكون عواقب تجنب دخول ساحة المنافسة هي الشعور بعدم التقدير وعدم السعادة، وتدهور كل من إنتاجيتك وصحتك، وهو أمر مزعج.
وللعلم فإن البروفيسور فيفر ليس من الأشخاص الذين يجملون رسائلهم، لقد أمضى حياته كلها في إقناع تلاميذه، في جامعة ستانفورد وغيرها بقبول ما يسميه الحقائق القاسية: ممارسة سياسات المكتب والعمل أمر أساسي للترقي إلى أي منصب وظيفي. ومن المثير للاهتمام أن كثيرين يرفضون هذه الفكرة، فالناس يفضلون ما يعتبرها فكرة سلمية مريحة؛ مفادها أن «النور الهائل للعمل سوف يسطع، حتى ولو تحت جرة».
وربما تكون طريقة فيفر ملائمة للحياة الوظيفية، ولكن ثمة نصائح لكل من يريد التقدم، أو اجتياز مأزق لا يرضيه، وهي أن تبقى أنت وإنجازاتك مرئيين قدر الإمكان، مع إبراز الثقة والتأكد من أنك تبني علاقات كثيرة؛ كما يجب أن تصبح وسيلة لا غنى عنها.
إن نصيحته الأولى هي التصالح مع حقيقة أن هذه الأمور والسياسات ضرورية: فأنت تحتاج، على حد تعبيره إلى «الخروج من طريقك الخاص». كذلك لا تستنكر على الأشخاص الذين تراهم مشغولين في الترويج الذاتي، وحاول أن تستفيد منهم.
وإذا كانت هويتك تعتمد كلياً على الإيمان بـ «عالم عادل وانتصار من يستحق في النهاية»، فأنت في خطر التضحية بما تريده من حياتك المهنية. ويجب ألا يفهم ذلك بشكل خاطئ.
ولا تتوقع قصة بعنوان: «كيف توقفت عن القلق وتعلمت أن أحب سياسة العمل». فعلى الرغم من أن فيفر يجادل بأنه لا يمكن مقاومة الواقع السلوكي للقوة، إلا أن الابتعاد كثيراً عن قيمك الأساسية سيجعلك تشعر بالبؤس والتعاسة.
ولكنني مقتنعة بشيء واحد: إن الهروب من المساومات سيرسلك مباشرة إلى «حفلة رثاء الذات» مرة أخرى. قد يفضل البعض شق طريقهم الخاص، ويبدو بالتأكيد أن هذا استغلال أفضل للطاقة والجهود مقارنة بالانشغال بألعاب المناصب.
لكن فيفر، على الأرجح، سيعتبر ذلك سذاجة مفرطة: فيفترض أنه خطأك تماماً إن لم تتعلم كيف تلعب اللعبة على الأقل حتى تترك وحدك تشق طريقك الخاص. وعموماً، أنت بحاجة إلى التقدير والمكافأة المناسبة؛ فالقليلون جداً يستطيعون العيش أو تأمين المأوى؛ اعتماداً على مُثلهم العليا فقط.
وإليك تحذيره لفئة منتصف العمر: «القدرة على ممارسة القوة تصبح أكثر أهمية مع تقدم مسيرتك المهنية»، إذا كان «الجميع أذكياء عند مستوى معين»، فأنت بحاجة إلى طرق أخرى لترك بصمتك. كما أن الاضطرار إلى التفاوض بين أجنداتك وأجندات الآخرين هو مجرد جزء من حياة البالغين.
إن الوقت قد حان للعمل بشكل استراتيجي لمحاولة تأمين مكانك؛ وإن لم يكن للتقدم المهني، فعلى الأقل حتى لا ينتهي بك الأمر إلى الشكوى.
