واجه أندرياس وولف، منذ خمسة أعوام فقط، صعوبة في إقناع المستثمرين بخطته المتمثلة في تحويل شركة «فيتسكو» البافارية الموردة لقطاع صناعة السيارات إلى شركة متخصصة في قطع غيار وأنظمة المركبات الكهربائية.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«فيتسكو»: «لم يؤمن بها أحد»، مسلّطاً الضوء على مدى تأخر صناعة السيارات الحالية في إدراك أن السيارات المزودة بمحرك الاحتراق الداخلي ستكون تكنولوجيا من الماضي عما قريب.
وتابع: «كانت هناك آلاف الحجج التي تدافع عن وجهة نظر بأن عصر المركبات الكهربائية لن يأتي أبداً»، وأردف: «لم يتغير الحال إلا منذ عامين تقريباً». لقد عاشت صناعة السيارات الألمانية، وهي الأكبر في أوروبا وتوظف نحو 800,000 شخص، بضع أعوام قاسية. وتسعى شركات مثل «بي إم دبليو» و«مرسيدس - بنز» و«فولكسفاغن» جاهدة إلى زيادة مبيعاتها من المركبات الكهربائية، فيما يعلن عدد متزايد من الشركات الصينية الناشئة إطلاق طرازات كهربائية مختلفة في أوروبا.
وعزز التحوّل نحو استخدام السيارات التي تعمل بالبطاريات، التحديات التي تواجه الشبكة الألمانية، مترامية الأطراف، من الموردين لصناعة السيارات، التي تتعرض بالفعل لضغوط جراء الركود الاقتصادي والتضخم وأسعار الفائدة المرتفعة.
وفي الأعوام الثلاثة حتى 2023، انخفض عدد الموردين الألمان من الدرجة الأولى الذين يشغّلون عدداً أكثر من 20 موظفاً، من نحو 700 مورد إلى قرابة 615، وتشير التقديرات الرسمية إلى فقدان أكثر من 30,000 وظيفة خلال الفترة ذاتها. وفي الوقت ذاته، أفضى رهان «فيتسكو» المبكر على المركبات الكهربائية إلى أن تكون الشركة متفردة بين أقرانها من الموردين لقطاع السيارات، وجعلها أيضاً هدفاً جذاباً للمنافسين.
ويستعد وولف إلى مغادرة الشركة هذا العام، قبل إتمام عملية استحواذ بقيمة 3.8 مليارات يورو من جانب شركة «شايفلر» الموردة لقطاع صناعة السيارات. وحذرت بعض من أكبر الشركات الألمانية في المجال، مثل «شايفلر» و«كونتيننتال»، خلال الأعوام الماضية، من خفض ما يزيد عن عشرات الآلاف من الوظائف، في خضم المسعى لتسريع الاستثمارات في التكنولوجيات المستقبلية.
وأعلنت شركة «بوش» الأسبوع الماضي خفض 1,200 وظيفة، أما «زد إف فريدريشهافن»، التي تهيمن عليها البلدة الألمانية الجنوبية التي تحمل الشركة اسمها، فقد أفصحت عن إجراء مراجعة لعملياتها، واحتمالية خفضها ما يصل إلى 12,000 وظيفة على مدى الأعوام الستة المقبلة حال حدوث أسوأ السيناريوهات.
وتنبع غالبية ضغوط التكاليف التي تجابه الموردين حالياً من الحاجة للاستثمار في المركبات الكهربائية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على حصتهم من سوق محركات الاحتراق الداخلي. وقد أنفق الموردون الألمان 16 مليار يورو على البحوث والتطوير في 2022، وهو مبلغ قياسي، بحسب تقرير صادر عن «استراتيجي&» للاستشارات المملوكة لشركة «بي دبليو سي».
وأوضح كريستيان كيمس، الرئيس المشارك لأعمال الاستشارات المالية لألمانيا وسويسرا والنمسا لدى «لازارد»، أن الموردين «ينفقون الضعف على منصات مزدوجة، وكل شيء مضاعف، باستثناء النمو أو الأرباح».
وأبقت «فيتسكو» على قدر كبير من أعمالها المتعلقة بمحركات الاحتراق الداخلي التي تعزز الربحية، مع استمرار تحقيق قسم تكنولوجيات الكهرباء للخسائر. ومع ذلك، توقع أندرياس وولف تحقيق هوامش أرباح تتراوح بين 7 % و9 % خلال الأعوام القليلة المقبلة.
وأردف: «في غضون 18 شهراً، سنطلق 75 منتجاً جديداً، وعلينا تطوير كل هذه الأشياء»، مضيفاً أنه على الرغم من أن 11 % فقط من مبيعات الشركة البالغة 9 مليارات يورو في 2022 كانت قطع غيار مركبات كهربائية، لكن الرقم المعادل كان قريباً من ثلاثة أرباع ذلك فيما يتعلق بالطلبيات الجديدة.
وأفاد تقرير صادر عن «لازارد» و«رولاند بيرغر» للاستشارات بانكماش هوامش قدامى موردي السيارات على مستوى العالم، وهو قطاع تهيمن عليه الشركات الألمانية، بنسبة 3 % في المتوسط في الخمسة أعوام حتى 2022. وما زال الموردون الألمان يستحوذون على نسبة 25 % من الحصة السوقية العالمية، لكن تراجعت هذه النسبة بواقع ثلاث نقاط مئوية منذ 2019، بحسب تقرير نشرته «استراتيجي&»، أشارت فيه إلى أن غالبية الخسارة كانت لصالح منافسين آسيويين.
ولم يعد تسويق النماذج الجديدة للسيارات قائماً على سعة المحرك، وإنما على القدرات البرمجية، وهو تحوّل تكنولوجي مميز، ابتعد عن التخصص الألماني، واتجه إلى مجال كانت صناعة السيارات بالبلاد بطيئة فيه على نحو كبير.
وفي حين ازداد عدد موردي السيارات على مستوى العالم، بفضل النمو في الصين والولايات المتحدة، فإن شبكة الموردين في ألمانيا واصلت خسارة حصتها من السوق لصالح منافسين صينيين.
وقال كيمس: «يتغير مشهد الرابحين والخاسرين»، مسلّطاً الضوء على أن موردي البطاريات وأشباه الموصلات وبرمجيات السيارات الأحدث يتمتعون بهوامش أعلى كثيراً مقارنة بالشركات القديمة، مع وجود عدد متزايد منهم في آسيا.
وفي حين يحظى السواد الأعظم من الموردين الألمان بأعمال كبيرة في الصين، لكنهم يعملون في الأساس على التوريد لأعمال «فولكسفاغن» و«مرسيدس - بنز» و«بي إم دبليو».
ولم تنمُ قاعدة عملاء هؤلاء الموردين بحيث تشمل ما هو أبعد من مصنعي السيارات الألمان، مع نمو علامات تجارية صينية، مثل «بي واي دي»، بجانب مورديهم المحليين المتخصصين في البطاريات والبرمجيات.
وبالنسبة لـ«شايفلر»، فسيتيح اندماجها مع «فيتسكو» أوجه تآزر بقيمة 600 مليون يورو سنوياً، ما سيسمح لها بالاستثمار في مجالي السيارات التي تعمل بالبطاريات ومحركات الاحتراق الداخلي. وستكون المجموعة المندمجة الجديدة قادرة على تلبية احتياجات سوق المركبات الكهربائية سريعة النمو، مع توفير قطع غيار مئات الملايين من السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي التي ستظل تجوب الطرقات لعقود مقبلة، بحسب كلاوس روزنفيلد، الرئيس التنفيذي.
وقال وولف إنه في حين تنهي «فيتسكو» عملية التحول التي بدأتها منذ خمسة أعوام بعدما «رأينا احتمالية كبيرة بنهاية محرك الاحتراق الداخلي»، فإن كثيراً من منافسيها في ألمانيا يشرعون لتوهم في رحلة صعبة عبر أمواج متلاطمة.
وأضاف: «الأمر مروع، وهو مخيف لعملائنا أيضاً»، وتابع: «هل يتحولون بسرعة كافية نحو السيارات الكهربائية، أم ما زالوا مرتبطين عاطفياً بهذه الأصوات المميزة التي تصدر عن محركات الاحتراق الداخلي عند تسريع دورانها؟».