في ختام الألعاب الأولمبية التي جرت في البرازيل عام 2016، ظهر رئيس الوزراء الياباني آنذاك، على نحو مفاجئ، مرتدياً زي «سوبر ماريو». لا أعرف إذا ما كان شينزو آبي لاعباً أم لا، وقد يكون هذا الأمر غير ذي صلة، لكن ذلك التصرف عكس إدراكه للقوة الثقافية والاقتصادية لشخصية تُعد واحدة من أكثر الصادرات اليابانية نجاحاً.
يتصادف ذلك مع وجود أحد محبي شخصية «ماريو» في قلب الحكومة البريطانية، فقد اعتاد ريشي سوناك لعب «ماريو كارت» على جهازه الـ«سوبر نينتندو»، ووصفها بأنها واحدة من أفضل الألعاب على الإطلاق.
ورغم أن رئيس الوزراء لديه النذر اليسير من وقته الثمين للعب، فيبدو أنه ما زال مهتماً. فقد انتهى سوناك للتو من قراءة «غداً وغداً وغداً»، وهي رواية ممتعة، تدور حول علاقة معقدة بين اثنين من مطوري الألعاب.
وسوناك ليس السياسي الوحيد الذي يمارس هذه الألعاب في المملكة المتحدة، لكن الغريب هو عدم وجود عضو واحد في الغرفة الثانية غير المُنتخبة (مجلس اللوردات) مصدر دخله الرئيس من ألعاب الفيديو أو صناعة الرياضات الإلكترونية. وهذا تجاهل عجيب، بالنظر إلى أن عدد الاستوديوهات المحترفة لتطوير الألعاب في المملكة المتحدة أكبر من أي دولة أخرى في أوروبا قاطبة، وتبلغ قيمة الصناعة 7 مليارات جنيه إسترليني سنوياً، ويستمتع بها أكثر من نصف عدد السكان.
ويُعدّ جزء من هذا الغياب الغريب تأثيراً مفاجئاً لـ«بريكست». وقد اعترف ديفيد كاميرون، عندما شغل منصب رئيس الوزراء، ومعه جورج أوزبورن، وزير الخزانة آنذاك، بجانب إد فايزي، وزير الثقافة الذي خدم البلاد لمدة طويلة، وحليف لكليهما، بالإسهام الاقتصادي لصناعة الألعاب في المملكة المتحدة. وقدموا، حينها، إعفاءات ضريبية، كانت تُعد وقتها رائدة، فقد سارعت بلدان أخرى بعدها إلى تقديم حوافز سخية للصناعة.
لكن ما بين خروج كاميرون ووصول سوناك إلى مقر الحكومة البريطانية، في داونينغ ستريت، كان اهتمام الحكومة بالصناعة، باعتبارها وسيلة لجني المال وليس ببساطة لقضاء الوقت، ضئيلاً إلى حد ما. ولو كان كاميرون قد بقي في منصبه حتى 2020، كما كان يعتزم، لكان قد ترقى شخص على الأقل إلى مجلس اللوردات، من بين الأعضاء في مجال صناعة ألعاب الفيديو.
ويبدو غياب أقران اللعب أمراً ذا أهمية ثانوية لكنه يعكس عيوباً عدة مهمة، تشيع بين الطبقة السياسية الأوسع في المملكة المتحدة. والميل نحو الخلط بين ازدراء ما هو جديد والثقافة العالية، يعني أن اهتمام سوناك بألعاب الفيديو غالباً ما يُشار إليه باعتباره مثالاً على عاداته «المهووسة»، أو يُصوَّر على أنه اهتمام مميز، أو انشغال غريب.
ولا يتحرج سوناك من كونه مهووساً، لكنها أيضاً هواية يستمتع بها أكثر من نصف سكان بريطانيا ويشاركون فيها، وهي على أية حال جزء من هواية أوسع تضرب بجذورها في عصور قديمة قِدَم الأرقام، فلعبة الطاولة تعود إلى 5,000 عام على الأقل.
إن عدم افتخار المملكة المتحدة أو اهتمامها بصناعة ألعاب الفيديو يمثل عنصراً أساسياً من اتجاه كثيراً ما شكا منه سوناك، وهو أن البلاد ليست ضعيفة في الرياضيات فحسب، بل تفتخر بذلك أيضاً. كما أن الأمر يعكس مشكلة يمثل حزبه جزءاً منها، وهي طبقة سياسية يبدو أنها تنفر من أي شيء تُبلي البلاد فيه حسناً، لسبب أو لآخر.
هناك شكاوى كثيرة: ألعاب الفيديو هوس كبير، والمصرفيون يخوضون الكثير من المخاطر، والجامعات تسمح بدخول الكثير من المهاجرين، والمحامون مشاكسون للغاية، أما الموسيقيون والممثلون، فهم شديدو التحرر.
الكثير من المؤسسات تضم الكثير من الذين يشتكون، سراً، من أن الـ«بريكست» جعل حياتهم أكثر صعوبة. لكن ما يربط هذه القطاعات ببعضها حقاً هو أنها مجالات تتفوق فيها المملكة المتحدة، وبإمكانها، بل حري بها، أن تواصل السير على هذا المنوال، إذا ما كان لهذه البلاد أن تتخذ القرارات الصائبة.
لكن هذ الازدراء ليس دائماً متجانساً. ففي مجال الخدمات المالية، عيّن سوناك وزراء لا يبذلون الجهد الكافي لدعم الحي المالي الكائن في العاصمة لندن. وعلى صعيد حزب العمال، فإن إصلاحات إدنبرة، وهي مجموعة صغيرة من التغييرات للصيرفة البريطانية، كانت محل معارضة. كما شن سوناك هجوماً على الجامعات، لإخفاء حقيقة فشله في الوفاء بوعوده التي قطعها في ما يتعلق بالهجرة.
لكن حزب العمال، غريزياً، أقل عداءً للجامعات، بيد أن كلا الحزبين يفضلان على ما يبدو مملكة متحدة تعلوها مداخن المصانع ومليئة بالصناعات الثقيلة، وهي مملكة متحدة عفا عليها الزمن ولم تعد موجودة إلى حد كبير، بدلاً من دعم الأشياء التي تُبلي فيها المملكة جيداً في أيامنا هذه.
ستشهد الانتخابات المقبلة حديث كلا الحزبين عن أهمية النمو، لكن الأحاديث غالباً ما ستكون مصحوبة بتحذيرات كبيرة. يحتاج النمو لأن يكون نابعاً من الأشخاص المناسبين، ومن صناعات ليست غير رائعة، أو شديدة التحررية، أو شديدة الرغبة في البقاء بالاتحاد الأوروبي، أو أن تكون شديدة التركز في الأماكن الخاطئة.
إن ما تحتاجه المملكة المتحدة حقاً هو النمو، فحسب. ويتعلق جزء من كيفية وصول المملكة المتحدة إلى مبتغاها بطبقة سياسية تتعلم أن تحب الأشياء التي تفعلها البلاد جيداً، وليس أشياء تشعر «بوجوب» فعلها جيداً، أو تتمنى الأشياء التي فعلتها جيداً في فترات أقدم، وأكثر ذكورية، أو تنطوي على المزيد من الماكينات الثقيلة.
