فاجأ رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ الاقتصاديين عندما أعلن في دافوس أن اقتصاد بلاده نما بنحو 5.2% في عام 2023 رغم أن كثيرين كانوا قد توقعوا رقماً قريباً من هدف النمو في بكين بنسبة 5%، لكن الأسواق لم تتوقع صدور هذه البيانات، وفقاً لجدول الإصدار الرسمي.

يمكن القول إن هذا ليس المثال الوحيد للنهج الذي تتبعه الصين في إعلان الإحصاءات الوطنية. تخصص الصين موارد كبيرة للجهاز الوطني للإحصاء، إلا أن عدد المؤشرات الاقتصادية التي يتيحها الجهاز بشكل كبير منذ تولي شي جين بينغ رئاسة البلاد في عام 2013.

وأدّى تباطؤ نمو البلاد على مدى العقد الماضي إلى تسليط الضوء على سياسة الصين في تحديد أهداف الناتج المحلي الإجمالي، من الممكن بالطبع أن يكون الاقتصاد الصيني قد اتخذ خطوات دقيقة باستمرار في تحقيق هذه الأهداف، لكن هناك غياباً للشفافية.

وفي الوقت نفسه، طوّر الاقتصاديون تقديراتهم الخاصة للناتج المحلي الإجمالي باستخدام إحصاءات يمكن رصدها مباشرة مثل وحدة كثافة الإضاءة الليلية، أو البيانات التي تم جمعها عن طريق الدراسات الاستقصائية والوكالات الدولية. ومن المثير للدهشة أن مجموعة روديوم تعتقد أن نمو الصين في العام الماضي ربما كان منخفضاً عند نسبة 1.5% فقط.

كما يشير «مؤشر النشاط في الصين» الصادر عن شركة كابيتال إيكونوميكس إلى أن بكين كانت تبالغ في تقدير ناتجها بشكل ملحوظ منذ بداية عام 2022. وتشير بياناتها أيضاً إلى نمو أسرع في عام 2023، إذ ربما تكون البيانات الرسمية قد قلّصت من حجم تأثير جائحة (كوفيد- 19) في العام السابق.

وبالمناسبة، فإن الصين ليست البلد الوحيد التي تعاني من هذه المشكلة، إذ تعاني الهند أيضاً منها وهي واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً وأكثرها اكتظاظاً بالسكان. ومع ذلك، فإن منظمة الاقتصاد العالمي تصنف جودة بيانات الناتج المحلي الإجمالي والسكان في البلاد في المرتبة التسعين على مستوى العالم.

ويعتمد الكثير من البيانات الاقتصادية في الهند على عمليات مسح ومعلومات قديمة، كما يتم تعديل الأرقام الحالية بشكل متكرر للغاية. وفي حين تشير التقديرات الرسمية إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بين الأعوام 2011-2012 و2016-2017 بلغ نحو 7%، فإن دراسة أجرتها جامعة هارفارد أشارت إلى أنه قد يكون أقرب إلى 4.5%.

في الواقع، يبدو هذا الأمر شائعاً في ما يطلق عليه العالم النامي، لذا، يشكو الباحثون أيضاً من نقص البيانات الاقتصادية الموثوقة في جميع أنحاء أفريقيا. تعمق زيادة عدد القطاعات غير الرسمية ومحدودية الموارد من صعوبة قياس البيانات؛ وحتى الاقتصادات المتقدمة تواجه مشاكل تتعلق برصد البيانات؛ على سبيل المثال يعاني سوق العمل في بريطانيا من معدل استجابة منخفض قد يصيب البيانات بتشويه محتمل.

لكن مع تحول مركز الجاذبية الاقتصادي والديموغرافي بعيداً عن الغرب، يصبح من المهم بدرجة متزايدة أن تكون بيانات العالم النامي أقل غموضاً. إذ سيواجه صانعو السياسات المحليون صعوبة في تحديد ومواجهة العوائق التي تعترض النمو الاقتصادي في غياب أرقام دقيقة.

وتزيد الإحصائيات الضبابية المخاطر بالنسبة للمستثمرين، ويمكن أن ترفع تكلفة رأس المال بالنسبة للدول النامية. وبالنسبة للصين والهند تحديداً، تشكل الثقة ببياناتهما أمراً مهماً؛ لجذب الشركات متعددة الجنسيات وأسواق رأس المال، والحفاظ على اهتمامها. إذن، الغموض لا يصب في صالح الشركات.

وبعد أن أعرب في خطابه في دافوس عن شعوره بالأسف تجاه «نقص الثقة» عالمياً، ينبغي لرئيس الوزراء الصيني أن يضمن أن تضع بلاده صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تحسين شفافية إحصاءاتها ومنهجياتها الاقتصادية على رأس أولوياتها.

بدورها، تحتاج الهند إلى الاستثمار في تحديث نظمها البيانية، وينبغي أيضاً للوكالات الدولية والقطاع الخاص أن يكثفا دعمهما في هذا المجال، إذ يمكن أن يساعد تحسين التكنولوجيا والتدريب وتبادل المعلومات على رفع جودة البيانات.

في نهاية المطاف، ونظراً لمدى أهمية البيانات الجيدة لزيادة فعالية الحكومة وجذب الاستثمار وتسهيل الأعمال التجارية، يجب أن تتزايد الموثوقية بالإحصائيات مع الصعود المتواصل للاقتصادات الناشئة.