الكاتب هو نائب محافظ بنك اليابان السابق ويعمل حالياً أستاذاً للاقتصاد في جامعة واسيدا

 

يدعو التباطؤ الاقتصادي الذي حل بالصين، أخيراً، إلى استحضار مقارنة مع ما شهدته اليابان خلال حقبة التسعينيات من القرن العشرين، وما تلا ذلك من ركود طويل، كان مصحوباً بالانكماش. ولكن هل يوجد تشابه بالفعل بين البلدين؟.

نعم، أوجه التشابه كثيرة. الصين لديها مشاكل في قطاع العقارات. كما أن أسعار الأصول تتهاوى، ومعدلات البطالة تتصاعد، خاصة بين الشباب، وتبدو البلاد قريبة عموماً من حافة الانكماش. بالطبع، بعض المخاوف مبالغ فيها، إذ لا يزال مؤشر أسعار المستهلك الصيني الأساسي في ارتفاع. وبالتالي، فإنه من السابق لأوانه الإعلان عن انكماش كالذي عاشته باليابان.

إن ما تشهده الصين الآن لا يقتصر على انهيار أسعار الأصول المبالغ في تقدير قيمتها، بل هو نهاية لنموذج النمو الذي ظل بمثابة محرك لاقتصادها على مدى السنوات الثلاثين الماضية. وفي ضوء ذلك، ربما من الأفضل أن نقارن الصين اليوم باليابان في سبعينيات القرن العشرين، عندما انخفض معدل نموها الحقيقي إلى النصف، مع انتهاء عصر الهجرة الداخلية إلى مدنها. ولا يزال بوسع الصين أن تحقق نمواً بنسبة 4 أو 5 في المئة، وهو ما يذكرنا باليابان في السبعينيات، وليس بالتسعينيات الكارثية، ومع ذلك، فمن الواضح أن معدل النمو الحالي في الصين، أقل كثيراً من إمكاناتها، وهو أيضاً ما يذكرنا باليابان في التسعينيات.

دعونا نستبعد دور التركيبة السكانية في هذا الأمر. فعندما تتزايد البطالة بين الشباب، فلا يمكن أن نعزو المشكلة إلى نقص الأيدي العاملة الشابة. وهنا، من المهم أن نتذكر أن اليابان في تسعينيات القرن الماضي، كانت تعاني من نقص العمالة، مع تركيبة سكانية متقدمة في السن. إذن، ما الذي يجب على السلطات الصينية أن تفعله لإنعاش النمو الاقتصادي؟.

هناك خمس خطوات أساسية، أولاً: ينبغي أن تمنح الصين الأولوية القصوى لإعادة هيكلة الديون، فقد كانت اللحظة المحورية بالنسبة لليابان، بعد انفجار الفقاعة، هي المبادرة لتحديد ومعالجة القروض المتعثرة، والتي أطلقها وزير الشؤون المالية آنذاك، هيزو تاكيناكا. والسلطات الصينية مطالبة بحساب صافي الدين الفعلي، عبر قطاعات الشركات والمؤسسات المالية، والحكومات المحلية. وهذه مهمة شاقة، نظراً للافتقار إلى معلومات شفافة حول الميزانيات العمومية للشركات، واعتماد الحكومات المحلية الكبير على عائدات العقارات. ومن ثم، تحتاج الصين إلى «تاكيناكا» صيني، ليقوم بهذه المهمة.

ثانياً، تحتاج الصين إلى محفزات اقتصادية، حيث تزداد صعوبة تحديد مبلغ صافي الدين، مع استمرار التدهور في الاقتصاد الكلي، وانخفاض أسعار الأصول. ولمواجهة التباطؤ، يجب أن يتم التنسيق بين الأطراف المعنية بشأن هذه المحفزات، وأن تتاح على نطاق واسع، وأن تكون مستدامة، مع العلم أنه كلما طال التأخير، زاد حجم المخصصات المطلوبة لمثل هذه المحفزات. كذلك، فإن تنسيق السياسة النقدية والمالية مطلوب، في ضوء حالة عدم اليقين المتزايدة، وضعف ثقة المستهلك، والإفراط في الادخار. وبالتالي، فأفضل سياسة يمكن أن تتبعها الصين، هي التحويلات الممولة نقداً، أو ما يسمى «أموال المروحيات». ويمكن للحكومة إما أن تخفض الضرائب، أو تدعم الأسر، في حين يستطيع بنك الشعب الصيني، تقديم المزيد من التيسيرات النقدية.

ثالثًا، يجب على الصين أن تعود إلى التركيز في سياستها الاقتصادية الكلية على النمو. والواقع أن التحول الاقتصادي نحو تكنولوجيا المعلومات والتعليم والخدمات، كان جارياً بالفعل، قبل أن تشدد الحكومة الصينية القيود التنظيمية المفروضة على هذه القطاعات، والتي من المفترض أن تكون قاطرات للنمو. وقد حان الوقت لتصحيح المسار وتخفيف القيود.

رابعاً، توخي الحذر من أفكار السياسات المقلقة، حيث تثير الأزمة الاقتصادية بطبيعتها الكثير من الجدل. وقد شهدت اليابان الكثير من الجدل الاقتصادي، ولكن بعض الأفكار والسياسات كانت هدّامة وخطيرة للغاية. وخلال فترة الركود الطويلة، مرت اليابان بموجة صعود الفكر المروج لسياسة التقشف، والتقليل من شأن سياسة الاقتصاد الكلي الأساسية أو إهمالها. والدرس المهم هنا، ألا تقلل أبداً من أهمية المخاطر المرتبطة بانكماش الأصول والأسعار العامة، ولا تنتظر حتى يتفشى الانكماش. إن إعادة هيكلة الديون والإصلاحات الموجهة نحو السوق ضرورية، ولكنها لن تتحقق دون دعم سياسات الاقتصاد الكلي.

وأخيراً، وهو العامل الأهم، فإن الإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية، حيث تباطأ صناع القرار السياسي اليابانيون في معالجة مشاكلهم، وتسببوا هم أنفسهم بانفجار فقاعة أسعار الأصول في الفترة من 1989 إلى 1990، بل ورحبوا بانخفاض أسعار الأصول والانكماش العام، حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ثم تعافى الاقتصاد إلى حد ما في الفترة من عام 2004 إلى عام 2007، خلال رئاسة جونيشيرو كويزومي للوزارة، وإدارة شينزو آبي الأولى، عندما توصلوا أخيراً لحل مشكلة القروض المتعثرة في اليابان، بفضل تحسن ظروف الاقتصاد الكلي. ولكن الأمر تطلب تصميم آبي في عام 2012، أي بعد ما يقرب من عقدين من بداية الركود الياباني، على تقديم حزمة من سياسات التحفيز المنسقة والمستدامة. وبناء على ذلك، فإن الصين لا تحتاج إلى تاكيناكا خاص بها فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى كويزومي وآبي.