باتت شبكة الإنترنت عنصراً رئيساً ثابتاً من عناصر الحياة اليومية للمجتمعات العصرية، فلم يعد تصفح الشبكة قاصراً على الأغراض الترفيهية، بل لا يكاد يخلو جانب من حياتنا اليومية من استخدام الشبكة، وهو ما يجعل من كابلات الإنترنت عصباً حقيقياً للعالم، حيث تشير التوقعات إلى آفاق واعدة لاستثمارات عالمية مرتقبة في إنشاء نُظُم لكابلات اتصال بحرية جديدة.

مع تزايد الطلب على خدمات الإنترنت بفعل التداعيات الناجمة عن تفشي جائحة «كوفيد-19»، منذ ما يزيد عن عامين، فإن فرص الاستثمار العالمية في إنشاء نُظُم لكابلات الاتصال البحرية تشهد تزايداً مضطرداً. ونرصد فيما يلي أبرز الآفاق الاستثمارية المتوقعة على مستوى العالم لهذه النُظُم المُحتملة، مع تعريف بهذه الكابلات وخلفية تاريخية عن نشأتها في العالم.

آفاق واعدة

أفادت دراسة أجرتها شركة «تليجيوغرافي» الأمريكية لأبحاث الاتصالات العام الماضي برعاية «الشركة المصرية للاتصالات» تحت عنوان «خارطة كابلات الاتصال البحرية لعام 2021» بأن العدد الإجمالي لكابلات الاتصال البحري على مستوى العالم حاليا 464 كابلاً تمر عبر 1245 محطة نقطة إنزال. وأوضحت الدراسة نفسها أن الطول الإجمالي لهذه الكابلات يتجاوز 1.3 مليون كيلومتر، ما يعني أنه في حالة مدّها بالطول ستلتف حول الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها 30 مرة.

وأضافت الدراسة أنه من بين هذه الـ 464 كابلاً، يوجد 428 كابل نشط بالفعل، فيما لا يزال الـ 36 كابلاً المتبقي في طور التخطيط. وتوقعت الدراسة بأن تتجاوز القيمة الإجمالية للاستثمار في مشروعات لنظم كابلات بحرية جديدة 8 مليارات دور خلال السنوات الثلاثة المقبلة.

خلفية تاريخية

يقبع كابل الاتصالات البحري في قاع البحر لينقل إشارات الاتصالات من محطات الاتصال الأرضية ويبثها عبر المحيطات والبحار إلى المتلقين ومستخدمي الانترنت في كافة أنحاء العالم. وجرى تشغيل أول كابل اتصال بحري في التاريخ يوم 16 أغسطس 1858 بُغية بث إشارات التليغراف بين سفينتين بخاريتين حربيتين تجوبان المحيط الأطلنطي، إحداهما بريطانية والأخرى أمريكية. وبلغ طول هذا الكابل 4 آلاف كيلومتر، فيما بلغ سمكه 1.5 سنتيمتر.

كان هذا التاريخ بمثابة الإرهاصة لثورة الاتصالات الهائلة التي نعيشها اليوم، ذلك أن الكابل رغم بدائية إمكانياته، ورغم أن تشغيله استمر لأقل من شهر فقط بسبب صعوبات فنية، إلا أنه استطاع لأول مرة أن يحقق اتصالاً فعلياً بين قارتين، هما أوروبا وأمريكا الشمالية. وكان الكابل يبث إشارات التليغراف بين السفينتين في صورة «إشارات مورس» الشهيرة التي كانت قد ظهرت بالفعل بعد أن اخترعها صمويل مورس في عام 1840.

ويبلغ قطر الكابل البحري الحديث المُستخدم في المناطق العميقة من البحار والمحيطات 25 ملليمتراً، فيما يبلغ وزنه حوالي 1.4 طن لكل كيلومتر، بينما تكون أوزان الكابلات المستخدمة في المناطق الضحلة القريبة من الشواطئ أثقل ذلك.

من يمتلك الكابلات؟

تؤول ملكية كابلات الإنترنت البحرية للشركات، والتي غالبا ما تكون شركات تقنية. وتُسدٍد هذه الشركات رسوم إلى الدول التي تمر الكابلات بمياهها الإقليمية. وبحسب دراسة «تيليجيوغرافي»، فإن الشركات التقنية الأمريكية الأربع الكبرى: «جوجل»، «ميتا»، «أمازون»، «مايكروسوفت» تُهيمن على غالبية كابلات الإنترنت على مستوى العالم، وذلك استناداً إلى الأطوال الإجمالية لكابلات الانترنت البحرية التي تمتلكها كل شركة.

وتستأثر «جوجل» بالصدارة، حيث يبلغ الطول الإجمالي لكابلات الانترنت البحرية المملوكة لها 102362 كيلومتراً. واستناداً إلى أطوال الكابلات أيضاً، فإن «جوجل» تمتلك منفردة نسبة 1.4% من إجمالي كابلات الإنترنت البحرية في كافة أنحاء العالم. وإذا احتسبنا أيضا أطوال الكابلات التي تمتلكها «جوجل» بالمُشاركة مع أطراف أخرى، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 8.5%.

وتأتي «ميتا» في المركز الثاني، بطول إجمالي للكابلات المملوكة لها يبلغ 91859 كيلومتراً، فيما حلّت «أمازون» ثالثة بطول إجمالي يبلغ 30557 كيلومتراً.

رسوم مرور الكابلات

تجني دول العالم إيرادات لا بأس بها من كابلات الإنترنت البحري التي تمر في مياهها الإقليمية، وذلك كرسوم مرور. ولعل مصر تُعد واحدة من أبرز دول العالم في هذا الشأن كون مياهها الإقليمية تحتضن 24 كابل اتصال بحري، لتنال بذلك المركز الثاني على مستوى العالم في عدد كابلات الإنترنت داخل مياهها الإقليمية بعد الولايات المُتحدة الأمريكية. وتستأثر مصر وحدها بنسبة 17% من إجمالي كابلات الاتصال البحري على مستوى العالم. وتُضيف مصر سنوياً إلى خزينتها 200 مليون دولار كحصيلة من رسوم مرور كابلات الاتصال البحري.

الكابلات على خطوط المواجهات

لأن كابلات الاتصال البحرية هي عصب الحياة اليومية في العصر الحديث، فكان من الطبيعي أن تدخل على خطوط المواجهات السياسية العسكرية بين القوى العالمية والإقليمية، ذلك أن كل قوة قد تعمد إلى تهديد الأخرى بقطع اتصالها بشبكة الانترنت عن طريق التخريب المُتعمد لمنظومة كابلات الانترنت البحرية التابعة لها. ويحدث شيء من هذا القبيل حالياً بين الغرب مُمثلا في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا من جهة أخرى في إطار المواجهة السياسية الراهنة بين الطرفين بشأن أوكرانيا، والتي يتخوف بعض المراقبين من احتمال تحولها إلى مواجهة عسكرية قد تندلع بينهما في أي لحظة. ويحدث الشيء نفسه أيضاً بين الولايات المتحدة من جانب والصين من جانب آخر، وإن كانت حرب الكابلات بين أمريكا والصين كانت قد بدأت منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، والذي شن حملة تجارية وتقنية شرسة ضد الصين، وكانت حرب الكابلات بمثابة إحدى الردود الصينية على تلك الحملة.

حرب الكابلات

بعد أن شن ترامب خلال فترة رئاسته حرب التعريفات الجمركية الشهيرة على واردات بلاده من الصين، ثم أعقبها بفرض حظر على تعامل الشركات الأمريكية مع «هواوي»، الشركة التقنية الصينية العملاقة، بدعوى أن الأخيرة تتجسس من خلال هواتفها الذكية على أميركا، ردت «هواوي» مدعومة بشركات صينية أخرى بشن حرب خفية من نوع آخر، وهي حرب الكابلات. وتسعى الشركة في الخفاء إلى انهاء الهيمنة الأمريكية على البنية التحتية العالمية لشبكة الانترنت. وبحسب بيانات حديثة نشرتها وكالة «بلومبيرغ» للأنباء، فقد بات الصين نقطة إنزال، أو مالك أو مُورٍد لنسبة 11.4% من كابلات الانترنت البحرية حول العالم في عام 2019. ومن المتوقع ارتفاع هذه النسبة بحلول عام 2030 إلى 20%. وأفادت «بلومبيرغ» أيضا بأن الصين تسعى إلى إنشاء طريق حرير رقمي على غرارها طريقها التجاري التي تُطلق عليه اسم «مُبادرة الحزام والطريق».

وأضافت الوكالة أن الصين أطلقت كابلا خاصا بها للإنترنت واختارت له اسم «كابل السلام»، حيث يبدأ من الصين ثم يصل إلى باكستان براً، ثم يمتد بعد ذلك في قاع المحيط الهادي بطول يتجاوز 12000 كيلومتر، ثم يصل إلى منطقة القرن الأفريقي، ثم ينتهي مآله في ميناء مرسيليا الفرنسي على البحر المتوسط. وذكرت «بلومبيرغ» أن «كابل السلام» يبث البيانات بسرعة فائقة تصل إلى 90.000 ساعة من ساعات البث عبر قنوات «نتفليكس» الأمريكية الشهيرة لبث المحتويات الترفيهية في الثانية الواحدة.

الغرب وروسيا

ثمة اتهامات موجهة من جانب الغرب إلى روسيا بالسعي إلى التخريب المُتعمد للألياف الضوئية التي تبث الاتصالات حول العالم. ويتنامى قلق المسؤولين في الولايات المتحدة وأوروبا جرّاء اهتمام موسكو بألياف ضوئية يبلغ عددها 400، تمر خلالها غالبية الاتصالات الدولية والرسائل الإلكترونية والبيانات حول العالم، بالإضافة إلى معاملات مالية تقدر قيمتها بنحو 10 تريليونات دولار.

وبحسب تقديرات من شركة «نت آب» الأمريكية المتخصصة في أجهزة التخزين الشبكي وإدارة البيانات، فإن قيمة الخسائر التي يمكن أن يمنى بها العالم في حال انقطاع الإنترنت ليوم واحد، تُقدّر بنحو ملياري دولار أميركي، لقطاع التجارة الإلكترونية فقط، وتنبأت بسيناريو مأساوي في حال انهيار الشبكة العنكبوتية، إذ سيصبح ما يقارب 1.7 مليار جوال بدون قيمة كون تلك الهواتف تعتمد على الإنترنت بالدرجة الأولى، ولن تصل 182 مليار رسالة إلكترونية إلى مُتلقييها.