شهد الاقتصاد العالمي مصاعب كبيرة في نهاية العام 2011 جراء التأثيرات السالبة التي ألقت بها أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو والولايات المتحدة الأميركية على الأسواق العالمية. ولم تكن الإمارات ودول المنطقة بمنأى عن تلك التأثيرات والتي ظهرت بشكل جلي من خلال انخفاض قيم التداول في أسواق الأسهم بنسبة 17٪ في العام 2011 إلى - مقارنة بـ - في نهاية 2010 أو من خلال الحذر الذي صاحب أنشطة القطاع المصرفي والذي برز في شكل تراجع كبير في حجم التمويلات والودائع. ومع التسليم بأن جزءاً مقدراً من التراجعات في بورصات الدولة والمنطقة كان بسبب التأثير النفسي لما يجري في أوروبا وأميركا، إلا ان عنصر التأثير الفني كان حاضراً بقوة من خلال خروج بعض المستثمرين وتشدد البنوك في عمليات التمويل.
ويدخل الاقتصاد العالمي العام 2012 بمخاوف وشكوك أكبر ويبدو وكأنه يسير على خيط رفيع تتجاذبه وقائع السوق من جهة والمصالح السياسية من الجهة الأخرى. وأجمع عدد من المسؤولين ورجال أعمال ورؤساء مجالس ومجموعات عمل تعمل تحت مظلة غرفة تجارة وصناعة دبي ومصرفيين وخبراء في استطلاع أجرته «البيان» في أواخر العام 2011 على أن أسواق الإمارات والمنطقة لن تكون بمنأى عن تداعيات أزمة الديون الأوروبية لكنها ستعيشها بسيناريوهين مختلفين الأول يتمثل في الاستفادة من التجارب السابقة واقتناص الفرص التي يمكن أن تولدها الأزمة وهو الاحتمال الأرجح لعوامل موضوعية أهمها قوة هذه الاقتصادات المدعومة بالنفط، أما الثاني فهو الامتثال لواقع التطورات المستقبلية إذا ما حصل السيناريو الأسوأ وتعمقت تلك الأزمة كون أن المنطقة الخليجية مرتبطة ارتباطاً طبيعياً باقتصادات العالم الأخرى في ظل نظام العولمة القائم.
ومع وصول حجم الديون السيادية في الدول الصناعية الكبرى إلى نحو 7.6 تريليونات دولار وعدم بروز أية مؤشرات جدية لحل الأزمات المالية سواء في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يحاول الحزبان المتنافسان الجمهوري والديمقراطي اتخاذ الأزمة كورقة لربح المزيد من الشعبية في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو في دول الاتحاد الأوروبي التي تعيش خلافات حقيقية حول آليات العلاج، لا تبدو في الأفق حلول مباشرة، الأمر الذي يلقي على صناع السياسات الاقتصادية والبنوك المركزية أعباء كبيرة تتطلب وضع استراتيجيات فاعلة لتنشيط الأسواق من خلال سياسات مالية تراعي بواقعية تامة ضرورة الأخذ في الاعتبار بكل العوامل الخارجية. ولما كانت الإمارات والعديد من دول المنطقة ترتبط بشكل وثيق بشبكة الاقتصاد العالمي سواء من خلال المؤسسات المصرفية أو عبر الاستثمارات المباشرة في الأسهم والقطاعات الأخرى فإن استراتيجيات السوق في المرحلة المقبلة ستعتمد بشكل كبير على التقدم الذي يمكن ان يحدث في حل الأزمتين الأوروبية والأميركية وعلى تنشيط آليات الأسواق المحلية.
وحدد المشاركون في استطلاع «البيان» العوامل والعناصر التي يمكن أن تشكل عنصر تداخل بين الأسواق المحلية والاقليمية مع الأزمتين الأوروبية والأميركية. ومن بين أهم تلك العناصر ارتباط القطاع المصرفي وهو العنصر الأهم في حركة الأسواق بنظيريه في أوروبا وأميركا مما يشير إلى أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى مزيد من التأثير المشروعات التي تعتمد على التمويل المصرفي، حيث يؤدي القلق من انكماش السيولة العالمية إلى تراجع مستويات الإقراض والتمويل في المنطقة، وهو أمر ستنجم عنه تأثيرات مباشرة على قطاعات المقاولات والإمدادات وعلى أوضاع التوظيف. أما العنصر الثاني فيتمثل في احتمالية تأثر الاستثمارات الخليجية الخارجية خصوصاً في المناطق الواقعة في محور الأزمة. وفي الجانب الآخر ستتأثر الأسواق المحلية أيضاً باستمرار تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة من أوروبا على المنطقة الخليجية. ويرى البعض أن أزمة الديون الأوربية تسببت في معاناة بعض المستثمرين الخليجيين بسبب الخسائر التي مني بها هؤلاء وناتجة عن استثمارهم في البنوك الأوروبية المتعثرة.
تجارياً رأى العديد من المستطلعين أن حركة الصادرات والواردات ستتأثر بشكل كبير بتذبذب أسعار الصرف والتحركات المتضادة بين الدولار واليورو وبروز نزعة الحمائية التي تظهر بشكل جلي من خلال الصراع الحالي بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وبين الأخيرة ودول الاتحاد الأوروبي والدعوات اليابانية لإعادة صياغة أسعار الصرف في ظل تراجع حجم وعائدات صادراتها على إثر ارتفاع عملتها المحلية الين. وكنتيجة مباشرة لتلك التأثيرات وتراجع النمط الاستهلاكي وتقليص تمويلات التجارة تراجعت توقعات نمو التجارة العالمية إلى أقل من 4% في العام الحالي 2012. ويشدد الخبراء هنا على ضرورة أن تضع الشركات خطط طوارئ لمواجهة مختلف الاحتمالات، إذ سيصبح الوضع أكثر سوءاً بالنسبة للتجار والعاملين في قطاع التجزئة.
وفي الجانب الآخر أفرزت الأزمة بعض الإيجابيات المهمة التي يمكن أن تشكل عنصراً مهماً في الخطط المستقبلية ومن أهمها عودة الهيبة إلى الاقتصاد الحقيقي والمضي بشكل أكبر في سياسة التنويع الاقتصادي وترويض السلوك الاستهلاكي. كما أن المعالجات الناجعة التي قامت بها الإمارات والتي أدت إلى تجنب جزء كبير من التأثيرات الخارجية للأزمة ستنعكس إيجاباً على الأوضاع النفسية للمؤسسات الاستثمارية خصوصاً البنوك التي ترى في اقتصاد الإمارات المحصن ببنية تحتية قوية فرصاً مستقبلية كبيرة خصوصاً ان تلك البنوك ستعمل بشكل أوسع على إعادة توزيع أدوارها في مناطق النمو الواعدة ومن بينها الإمارات. آراء متباينة
استبعد بعض الخبراء الذين استطلعتهم البيان تأثر النظام المصرفي في منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر بأزمة الديون الأوروبية كون أن البنوك المحلية في المنطقة ليست منكشفة بشكل كبير على الأزمة الأوروبية فيما رأى مصرفيون آخرون أن تضرر البنوك الأوروبية الكبرى بشدة قاد إلى تناقص الأنشطة المصرفية لتلك البنوك في العالم بما فيها المنطقة مما قد ينذر المشاريع الكبيرة بمواجهة صعوبة في تدبير التمويل من هذه البنوك. وتصدر الخوف من انكماش السيولة العالمية مؤشر القلق لدى البعض وتداعيات هذا الانكماش على البنوك الأوروبية الرئيسية التي وصفوها بكونها من تحرك الاقتصاد العالمي، فالعدد الأكبر منها يتركز في أوروبا فيما تمتد أذرعها في المنطقة مما يثير مخاوف إمكانية تراجع مستويات الإقراض فيما توقع البعض أن تنعكس الأزمة الأوروبية على التسهيلات المصرفية والقلق من امتداد تلك الانعكاسات للمنطقة. كما تصدر القلق من تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة من أوروبا على المنطقة الخليجية المرتبة الثانية في مؤشر هذا القلق إذا ما تحقق السيناريو الأسوأ وتعمقت أزمة الديون الأوروبية فتلك الاستثمارات قد تنخفض وتتسبب في انخفاض استثمار رأسمال المتجه للمنطقة.
وبرز أيضاً القلق من أن تضطر الشركات الأوروبية الكبرى لإغلاق فروع لها في أسواق المنطقة إذا ما تعثرت تلك الشركات الأم جراء تداعيات الأزمة على أعمالها. ويرى آخرون أن الاستثمارات الخليجية في المنطقة الأوروبية هي من سيتأثر بأزمة الديون الأوروبية على المدى القصير وليس البعيد كون أن استراتيجية الاستثمار الخليجي في أوروبا طويلة الأمد.
