يعمل مجلس مستقبل العالم على تعزيز تواجده في منطقة الشرق الأوسط عبر تأسيس مكتب له في دبي يكون بمثابة قناة اتصال بينه وبين شعوب وحكومات ونخب تلك المنطقة التي زادت أهميتها بالنسبة له في تأسيس عالم يستجيب لتطلعات واحتياجات الأجيال المقبلة، ولهذا، يخطط المجلس لعقد اجتماع موسع في خريف العام المقبل بدبي لإعادة انتخاب أعضائه، كما يتطلع إلى تعزيز تمثيل تواجد المنطقة في أنشطته ومبادراته وأعماله من خلال زيادة حصة المنطقة في عضويته التي ما زالت حتى الآن هامشية ومحدودة لا تتجاوز 3 شخصيات فقط من إجمالي 50 عضواً. وفي هذا السياق جاء اقتراح المجلس أخيراً بعرض العضوية الفخرية على خلف الحبتور، رئيس مجموعة شركات الحبتور.

وتحدث جاكوب فون اويكسكول رئيس مجلس مستقبل العالم لـ "البيان الاقتصادي" عن الأهمية البالغة التي باتت منطقة الشرق الأوسط تشغلها في أجندة أعمال المجلس بقوله: نحن نتطلع إلى تعزيز تواجدنا في العالم العربي من خلال تأسيس مكتب دائم للمجلس في دبي، إلى جانب ضم شخصيات عربية مؤثرة إلى عضوية المجلس الذي يضم شخصيات عربية بارزة مثل الدكتور إبراهيم أبو العيش رائد الزراعة الحيوية في مصر، والدكتورة رفيعة عبيد غباش رئيسة جامعة الخليج العربي وأستاذة الطب النفسي.

دبي قاعدة انطلاق

ولم يكن اختيار مجلس مستقبل العالم دبي كقاعدة انطلاق له في تعزيز مشاركة المنطقة في أعماله ومبادراته اختياراً عشوائياً، بل جاء نتيجة لنجاح الإمارة في إرساء نموذج تنموي جسد المفاهيم والتصورات التي كانت سائدة منذ عشرين عاماً بشأن النموذج التنموي المستقبلي، ويظل الأمر الحيوي بالنسبة لجاكوب فون أن هذه المفاهيم قد تغيرت في الآونة الأخيرة، وهو ما يستدعي إعادة إنتاج نموذج دبي التنموي ليكون معبراً عن مفاهيم المستقبل خلال العشرين عاماً المقبلة.

ويشرح فون هذه النقطة بقوله: تمثل دبي نموذجاً للمستقبل بحسب المعايير التي جرى تطويرها على مدى العشرين عاماً الماضية، ولكننا الآن على قناعة بأن متطلبات ومستلزمات المستقبل صارت مختلفة، فما أنجزته دبي مثير للإعجاب، ولكن يجب تطعيم هذا النموذج بأسس التنمية المستدامة، بحيث يكون النموذج قابل للاستدامة بما يصب في صالح الأجيال المقبلة.

وأضاف: نحن نعلم أن هناك معدلات عالية لاستهلاك الطاقة في دبي، كما نعلم بوجود مستويات عالية من الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن التلوث، وبالتالي، هناك أوضاع تفتقر إلى الاستدامة، وهي أمور قابلة للمعالجة لكي تحافظ دبي على نموذجها التنموي المتميز على أسس مستدامة.

وبسؤاله عما إذا كان المجلس على استعداد لتقديم خبراته إلى دبي لكي تبقى على مكانتها كنموذج للمستقبل، أجاب: بالقطع نحن مستعدون لتقديم خدماتنا إذا ما طلب منا ذلك، حيث إننا نعمل مع الدول التي تؤمن بالمستقبل كما هو حال تعاوننا مع أستراليا، وتمتلك دبي إمكانيات ضخمة بالإمكان توظيفها واستخدامها، وتتميز دبي في هذا المجال بسرعة تنفيذها للخطط والمبادرات بشكل يفوق الكثير من دول العالم.

واستدرك قائلاً: أشعر بالتفاؤل حيال قدرة الإمارات عموماً ودبي خصوصاً على تغيير المسار نحو المستقبل المستدام، وذلك في ضوء ما شهدته من تغييرات سريعة خلال العقود الماضية، حيث ان قيادة دبي الحكيمة نسجت رؤاها بشأن الحداثة والمستقبل بشكل متناغم مع المتغيرات الحاصلة في عالمنا اليوم، فالولايات المتحدة قبلت بشكل عام نموذج المستقبل جنباً إلى جنب مع النمور الاقتصادية الآسيوية على غرار هونغ كونغ، ولكننا في الوقت نفسه نواجه عالماً ومستقبلًا مختلفين، والفائزون هم هؤلاء الذين يحققون السبق في إدراك أهمية التكيف والتأقلم السريع مع المستجدات، وذلك على غرار الحال بالنسبة لسنغافورة، فما نحتاجه اليوم هو إعادة بناء أنظمة الإنتاج والاستهلاك وفقاً لنموذج اقتصادي يسمح بإعادة تدوير واستخدام أكبر قدر ممكن من المنتجات أو بإعادة هذه المنتجات إلى هيئتها الطبيعية.

قيم وأهداف

ويركز مجلس مستقبل العالم في أجندة أعماله على فعل ما في وسعه للحفاظ على الحياة على الأرض لصالح الأجيال المقبلة، والسعي نحو إرساء السلام الشامل والعدالة الحقيقية بين شعوب وبلدان العالم، وأن يكون الصوت الأخلاقي هو المعبر عن احتياجات وحقوق الحياة في المستقبل.

ويشرح فون أبرز معالم القيم والأهداف التي يصبو المجلس إلى تحقيقها بقوله: يعمل المجلس على تحقيق تطلعات الأجيال المقبلة، وهو ينشط في مجال الحفاظ على حقوق ومصالح هذه الأجيال، من دون أن يكون الصوت الوحيد المعبر عنها، إذ أنه من المتعين على كل المؤسسات في العالم بما في ذلك الحكومات والبرلمانات أن تعمل على حماية مصالح تلك الأجيال، ويعتبر المجلس طرفاً في النقاش الدائر حول ما ينبغي أن يكون عليه وضع الأجيال المقبلة، وتحديد نوعية العالم الذي تحتاجه هذه الأجيال.

وأضاف: يقدم المجلس كذلك الدعم للسياسات الجيدة والكفؤة، فعلى سبيل المثال، ينشط المجلس في مجال تحديد القوانين الأنسب التي يجب عرضها على المجالس البرلمانية والتشريعية، ومن ثم، فإن هناك ما يضفي على المجلس صفة التفرد والتميز، إذ يعمل المجلس بمثابة مؤسسة مناط بها مهمة تقديم خدمات لصناع السياسات تساعدهم في تحديد وبلورة أفضل الخيارات في صناعة السياسات وصياغة القوانين.

ويرى فون أن مجلس مستقبل العالم ليس تكراراً لبعض المؤسسات والمنظمات ذات الصبغة العالمية كالمنتدى الاقتصادي العالمي، فهو ينشط في مجال تنفيذ السياسات التي يرى أنها الأمثل والأفضل، فعلى سبيل المثال، يقدم المجلس العون والمساعدة لأعضاء الهيئات البرلمانية في العالم بغرض تحسين جودة القوانين التي يقومون بوضعها.

وتابع بقوله: بحسب اعتقادي لا توجد جهة تقوم بنفس مهام مجلس مستقبل العالم، وإن وجدت، فنحن نرحب بذلك، حيث يحتاج العالم إلى الكثير من المؤسسات المماثلة لنا، فالأمر يتعلق هنا بتغيير الأوضاع إلى الأفضل، كتغيير القوانين والسياسات، ولن يتحقق ذلك بين ليلة وضحاها، بل هناك حاجة لإقناع الناس بأهمية التغيير، وهناك حاجة لمشاركة مجتمعات الأعمال والأكاديميين والعلماء في صياغة مستقبل العالم، حيث تصبح السياسات غير ذات جدوى إذا لم يتم تنفيذها بشكل كفؤ وفعال، نحن نريد أنم نترجم تصوراتنا إلى سياسات، وهنا يكمن التحدي الكبير، فالكثير من الناس يتوقون إلى تطبيق منظومة للقيم والأخلاقيات ولكن من المهم ترجمة هذه المنظومة إلى سياسات، ولأجل ذلك، نحن نحتفظ بعلاقات جيدة مع الأمم المتحدة والمنتدى الاقتصادي العالمي، كما توجد روابط مع البرلمانيين، وأنا شخصياً عضو في البرلمان الأوروبي. ولدي ارتباطات وعلاقات مع أعضائه.

التمثيل العربي

ورغم محدودية وهامشية حصة التمثيل العربي في مجلس مستقبل العالم، إلا أن هذه المشاركة العربية تمثل تطوراً مهماً في مسيرة أعمال المجلس منذ تأسيسه في عام 2007، حيث كانت المنطقة العربية على حد قول الدكتورة رفيعة عبيد غباش غائبة كلياً من حساباته، فبعض أعضاء المجلس تقدموا بأنفسهم بطلب الحصول على عضويته، إلا أن نسبة كبيرة من الأعضاء اختارهم فون شخصياً في بداية قيامه بتأسيس المجلس.

وتناول فون هذه النقطة بقوله: لقد تقدم بعض أعضاء المجلس بطلب الحصول على العضوية، ولكننا نبحث عن الشخصيات التي تتمتع بميزات تؤهلها للانضمام إلى عضوية المجلس، ففي بداية تأسيس المجلس، قمت باختيار 18 عضواً من واقع قائمة مرشحين ضمت 500 شخص، وجرى تجميع هذه القائمة من خلال شبكة الروابط التي تكونت على مدار سنوات من التخاطب مع آلاف المنظمات، وبعد ذلك اختار الأعضاء الثمانية عشر الذين وقع الاختيار عليهم بقية الأعضاء البالغ عددهم 32 عضواً، وقام أعضاء المجلس باختيار أعضاء اللجنة التوجيهية التي تتولى ترشيح الأعضاء الجدد، ويتولى المجلس مسؤولية البت في هذه الترشيحات.

وخلص فون إلى القول إنه بحلول العام المقبل سيكون قد انقضى خمس سنوات على عضوية أعضاء المجلس، وبالتالي، سيجري تنظيم انتخابات لأعضائه في سبتمبر 2012 لفترة السنوات الخمس التالية.

وحول الشخصيات التي يتطلع المجلس إلى ضمها في عضويته، قال فون: نحن نتطلع إلى ضم شخصيات تعتبر نفسها جزءاً من عملية التوصل إلى حلول للمشكلات، حيث إننا قمنا بنشاط في التوصل إلى حلول لمختلف القضايا ذات الصلة بمستقبل العالم، كما نستهدف الشخصيات الفائزة بجوائز عالمية، ونتطلع كذلك إلى ضم أصحاب الأعمال، فنحن لدينا روابط جيدة للغاية، والكثير من الشخصيات التي انضمت إلى عضوية المجلس كنا نعرفها حق المعرفة، وقد عملنا معها، وبالتالي، قمنا بالبناء على هذه العلاقات والارتباطات.

واعتبر فون تنوع اهتمامات ومجالات عمل الأعضاء أحد مصادر قوة المجلس، شارحاً المنطق الكامن وراء ذلك بقوله: تتمركز مهام المجلس على قضايا المستقبل، وهو ما يضعه في وضع الباحث عن حلول متكاملة لمختلف التحديات والمشكلات في مختلف المجالات، ويجب كذلك أن تمثل قارات العالم في أنشطة عمل المجلس، وبالتالي، يمثل تنوع اهتمامات أعضاء المجلس أحد مصادر قوته في بلورة وجهات نظر متكاملة حيال مشكلات المستقبل، حيث إننا نعمل في مجالات تتعلق بمستقبل التمويل والعدالة، فضلًا عن معرفة الأمراض التي سوف تواجه أجيال المستقبل، ونحن نتطلع كذلك إلى وضع أفضل قوانين للغابات وتدعيم إنتاجية الزراعة العضوية، وهناك أيضاً الكثير مما ينبغي فعله في الكثير من المجالات كالكهرباء والمياه وغيرها.