تتناقض الآراء في السوق بين قائل بارتفاع الأسعار وآخر يجزم بانخفاضها، فكيف يعلق الخبراء والمراقبون على ذلك وكيف يمكن لهذا المحلل أو ذاك تحديد مستوى سعر القاع لسوق لم يشهد ركوداً من قبل كغيره من الأسواق العالمية؟ كان ذلك سؤالي لـ «آلان روبرتسون»، الرئيس التنفيذي لجونز لانغ لاسال الذي تقلد مهام عمله مؤخراً في الشركة المتخصصة في الاستشارات العقارية فأجاب:

تتحرك قطاعات السوق العقاري المتعددة (من قطاعات مكتبية وسكنية وتجزئة ....الخ) بمعدلات متباينة وتصل في أغلب الأحيان إلى نقاط مختلفة أثناء دورتها الايجارية اعتماداً على بعض العوامل مثل الظروف الاقتصادية المحلية وميزان العرض والطلب. وعلى الرغم أنه ليس من المعتاد بالنسبة لأسعار العقارات أن تنخفض لدى قطاع واحد من السوق في حين تظل مستقرة أو آخذة في الارتفاع لدى قطاعات أخرى، إلا أنه قد ثبت بالدليل في دولة الامارات أن الايجارات وقيم العقارات لا تزال تشهد انخفاضاً لدى بعض قطاعات السوق بينما وصلت لمرحلة من الاستقرار والثبات لدى قطاعات أخرى، ومن ذلك على وجه الخصوص نجد أن الايجارات وقيم العقارات قد استقرت لدى القطاع الفندقي وقطاع التجزئة وليس من المتوقع أن تشهد انخفاضات لاحقة لدى هذين القطاعين.

أما في القطاع السكني، فقد لاحظنا أن الايجارات تستقر لدى مواقع معينة مثل مشروع "بالم آند ارابيان رانشز" السكني في ذات الوقت الذي تواصل فيه انخفاضها لدى مواقع أخرى، ولكنه من المتوقع أن يمتد الاستقرار في الايجارات إلى المواقع الأخرى خلال عام 2012 . وفيما يتعلق بالقطاع المكتبي، فإن هذا القطاع لا يزال يشهد انخفاضاً في متوسط الايجارات حيث اصبح السوق أكثر ملاءمة للمستأجرين.

 

ساعة الإيجارات

قامت شركة جونز لانغ لاسال باستحداث مفهوم ساعة قياس قيمة الاملاك العقارية بهدف ايضاح النقاط التي تصل إليها مختلف قطاعات السوق العقاري أثناء دورتها الايجارية. وتوضح هذه الساعة أن القطاع الفندقي قد مر بأدنى نقطة في دورته الايجارية بينما يقف قطاع التجزئة حاليا عند تلك النقطة في حين لا يزال من المتوقع لكل من القطاع السكني والقطاع المكتبي أن يشهدا انخفاضاً في متوسط الايجارات على مدار المدة المتبقية من عام 2011.

علاوة على ما سبق، يوجد تباين واضح في أسعار العقارات والتوجهات الايجارية بداخل كل قطاع من قطاعات السوق العقاري.

ففي القطاع السكني -على سبيل المثال- نلاحظ أن ايجارات الشقق لا تزال تشهد انخفاضاً في حين بدأت أسعار الفيلات تستقر في بعض المناطق على الأخص بالنسبة للفيلات عالية الجودة الواقعة بالمناطق مكتملة الانشاءات. أما بالنسبة للمناطق غير مكتملة الانشاءات والمناطق التي لا تتوافر بها بنية تحتية جيدة (ومنها مثلا منطقة دبي لاند)، نلاحظ أن متوسط اسعار الفيلات في تلك المناطق في انخفاض مستمر.

 

الأكثر حظاً

سألت آلان روبرتسون عن الأطراف الأكثر حظاً في السوق العقاري الآن؟ فأجاب بوجه عام، يعتبر مستأجرو العقارات السكنية والمكتبية بمثابة الأطرف الأكثر حظاً في السوق العقاري. يقصد بجانب العرض الضخم أن المستأجرين يتوافر لديهم نطاق واسع من الاختيارات العقارية التي تتمتع بخواص ومواصفات على قدر كبير من الجودة وتكون متاحة على أساس شروط جذابة قد لا تتضمن مستوى الايجار فقط ولكن شروط عقد الايجار الأخرى أيضاً؛ ومن ذلك مثلاً أن تتاح لشاغلي العقارات المكتبية في بعض الحالات امكانية التفاوض على ترتيبات ايجارية تمنحهم الحق في انهاء عقد الايجار على أساس سنوي دون الخضوع لشرط جزائي في حين قد يتعين على الملاك الالتزام بمدة ايجارية غير قابلة للفسخ بواقع خمس (5) سنوات.

 

حوافز

يحفل السوق العقاري من وجهة نظر آلان روبرتسون بحوافز أخرى مثل مدد الايجار المجانية التي أصبحت بمثابة ظاهرة شائعة في القطاعين المكتبي والسكني حيث يطرح عدد من الملاك حالياً للمستأجرين عرضاً يتمثل في استئجار العقارات لمدة (13) أو (14) شهراً مقابل سداد ايجار عن مدة (12) شهراً فقط. وبالتالي، فإنه نظرا لزيادة عدد المستأجرين على عدد الملاك داخل القطاعين المكتبي والسكني، نجد أن عدد المستفيدين يفوق عدد المتضررين في ضوء تحرك السوق لصالح شاغلي العقارات.

وتعتبر إمارة دبي بمثابة الطرف المستفيد من السوق العقاري الأكثر تنافسية حيث تستقطب الأسعار المخفضة للغرف الفندقية المزيد من النزلاء الذين يقومون بصرف الأموال في مراكز التسوق التي تنتشر في أرجاء الامارة وتتوافر بها محلات البيع بالتجزئة.

كما أن الايجارات المخفضة للعقارات المكتبية والسكنية جعلت من دبي مقصداً أشد استقطاباً للأعمال التجارية وصار من شأنها أن تعزز مكانة الإمارة بصفتها المركز التجاري الرائد داخل الاقليم.

 

تصنيفات

يصف آلان روبرتسون السلوك الاستثماري لملاك العقارات بالمتنوع تبعاً للتوقيت الزمني الخاص بمشروعاتها والظروف المالية لكل منها. والكثير من جهات التنمية العقارية التي لديها املاك عقارية مكتملة الانشاء لكن غير مؤجرة شرعت في إبداء قدر أكبر من القبول لظروف السوق ووضع شروط ايجار أكثر مرونة واتاحة مستويات مخفضة من الايجار في اغلب الاحيان ولكن ليس بصفة دائمة. وبمقدور بعض جهات التنمية العقارية التي لديها عقارات تحت الانشاء أن تتبنى منظوراً أكثر سلاسة بشأن شروط التسعير على أمل أن يصير السوق أكثر ملاءمة للملاك بحلول ميعاد الانتهاء من تنفيذ مشروعاتها.

وبالاضافة لما سبق، نلاحظ في هذه الآونة اتجاه عدد متزايد من جهات التنمية العقارية إلى وكالات التأجير المحترفة والشركات الدولية في مجال تسويق الاملاك العقارية بهدف الاستعانة بهم في تسويق مشروعاتها وذلك في ضوء إدراكها لقدرة تلك الوكالات والشركات على الوصول إلى المؤسسات متعددة الجنسيات والتأثير عليها.

وتنتهج جهات التنمية العقارية سلوكاً شائعاً آخر يتمثل في تأخير تنفيذ وتقليص انشطة المشروعات المخططة أو المشروعات تحت الانشاء نظراً لسعي تلك الجهات وراء تحسين موقف تدفقاتها النقدية وتعديل جداولها الزمنية بما يتلاءم مع ظروف السوق المتغيرة.

 

الوسطاء

أما الوسطاء وسلوكهم الاستثماري فهم من وجهة نظر آلان روبرتسون يعتمدون على ممارسة السمسرة بوصفها وسيلة سهلة داخل سوق ملاك العقارات القوي في حين تكون بمثابة وسيلة أكثر صعوبة في حالة ارتفاع جانب العرض وانخفاض جانب الطلب داخل السوق العقاري. لقد أصبح السوق العقاري خلال العامين أو الثلاثة الأخيرة سوقاً صعب التعامل معه كما أنه بات يفرض على شركات السمسرة مبدأ "البقاء للأصلح"، وبالتالي نجد أن الكثير من سماسرة "فترات الازدهار والرواج" قد اختفوا من السوق ليبقى فقط السماسرة الذين تتوافر لديهم القدرة على توفير نطاق واسع من الاستشارات والخدمات المهنية عالية الجودة لعملائهم.

 

المشترون

أما المشترون فمازالوا من وجهة نظر آلان روبرتسون يحتفظون بسمتهم الانتقائية ولكن بالتأكيد هناك المزيد من الأنشطة الشرائية داخل أفضل المناطق السكنية نظراً للشعور المتزايد بانخفاض أسعار العقارات إلى أدنى مستوى لها. كما أن أوضاع المنطقة والمخاوف الاقتصادية العالمية قد أدت إلى اقبال متنام من جانب المشترين الذين يعتبرون إمارة دبي بمثابة ملاذ آمن نسبياً يمكنهم حيازة أصول عقارية فيه.

وما زلنا نرى أن المشترين يركزون اهتمامهم على المشروعات مكتملة الانشاء التي يتم اتاحتها للاشغال الفوري (إما من جانبهم أو من جانب المستأجرين) في حين تضاءل اهتمامهم بشراء العقارات قبل اتمام انشائها، وبالتالي يكون التفوق الذي أحرزته الوحدات المشتراه قبل اتمام انشائها على الوحدات مكتملة الانشاء خلال فترة الازدهار والرواج في عام 2008/2009 قد انقلب إلى النقيض حالياً.

 

المستأجرون

يعتقد آلان روبرتسون أن ما يحدث القطاع المكتبي بالسوق العقاري دليل على استفادة بعض المستأجرين من الظروف المواتية في تقليل التكاليف عن طريق الانتقال من العقارات التي يشغلونها أو التفاوض مجدداً على شروط استئجارها، وكذلك على انتهاز البعض الآخر الفرصة لرفع مستوى جودة ما يشغلونه من عقارات دون تكلفة إضافية.

كما نشهد توجهات مماثلة في قطاع التجزئة والقطاع السكني حيث أصبح لمستأجري محلات البيع بالتجزئة اليد العليا فيما يجرونه من مفاوضات مع الملاك مما يمكنهم من وضع شروط أكثر ملاءمة لهم في معظم مراكز التسوق.

وقد اصبحت الايجارات المشتملة على نسبة من رقم أعمال المستأجرين أكثر شيوعاً لدى قطاع التجزئة حيث يستفاد منها في توحيد مصالح المستأجرين والملاك الذين سيستفيدون جميعاً من إيرادات المبيعات العقارية المتزايدة.

علاوة على ما سبق، شهد القطاع السكني قيام الكثير من المستأجرين بالانتقال إلى وحدات أكثر اتساعاً أو مشروعات سكنية اكثر تمركزاً في إمارة دبي. ويتفاوت استعداد الملاك للتفاوض على ايجارات مخفضة بشكل واضح فيما بين المشروعات السكنية وهو ما يعد عاملاً رئيسياً في تفسير التباين في اعداد الوحدات الشاغرة بالمشروعات المختلفة التي يتم تنفيذها ضمن نفس مرحلة التنمية العقارية، حيث يلاقي الملاك المهيئون للتأقلم مع ظروف السوق طلباً مستمراً من المستأجرين وكثير من الأسر التي تقرر الانتقال إلى إمارة دبي من إمارة الشارقة والامارات الشمالية لتقليل الوقت المستغرق في التنقل بين مكان الاقامة ومكان العمل.

 

توجهات السوق

سألت آلان روبرتسون عن توجهات السوق العقاري خلال الأعوام القادمة حتى عام 2015؟ فأجاب من المتوقع أن تتجه مستويات التنمية العقارية إلى الانخفاض على مدار السنوات القليلة القادمة بعد أن وصلت دبي في هذه الآونة إلى قمة الازدهار في مجال البناء والتشييد. كما نلاحظ أن السوق يستعيد وضعه الطبيعي مع مرور الوقت.

وسيتم اختيار افضل المشروعات العقارية لتأجير أو بيع وحداتها بشكل تدريجي في حين سيتم استكمال عدد من المشروعات مؤجلة التنفيذ. ولكن ليس لدينا سوى احتمالات ضئيلة بشأن طرح مشروعات جديدة كليا خلال العامين أو الثلاثة القادمة. فمن المثير للاهتمام في هذا الصدد أنه قد تم طرح مشروع جديد واحد لدى إمارة دبي في المعرض الذي نظمته مؤسسة سيتي سكيب جلوبال؛ وهو المشروع الذي يتمثل في بناء سلسلة فلل متصلة تتألف من مائة وعشرين فيلا من جانب شركة نخيل في مدينة نخلة الجميرا السكنية. ويعد هذا المشروع بمثابة مثال على نوعية التنمية العقارية التي نتوقع أن يتسم بها السوق على مدار الأعوام القليلة القادمة والمتمثلة في مشروعات تكميلية صغيرة بداخل المدن السكنية المتكاملة تستهدف مواضع نوعية ومتخصصة للغاية في السوق العقاري.

 

البنية التشريعية

سألت رئيس جونز لانغ لاسال عما إذا كانت البنية التشريعية العقارية بحاجة إلى المزيد من القوانين واللوائح؟ وإن كانت تحتاج إلى ذلك فعلاً، فما هو السبب وراء تلك الحاجة؟ فأجاب تعد إمارة دبي بمثابة السوق العقاري الاكثر شفافية وتنظيماً في اقليم الشرق الاوسط وشمال افريقيا وذلك في ضوء الدور القيادي الذي اضطلعت به هيئة التنظيم العقاري في تنفيذ عدد من المبادرات الرئيسية الجديدة على مدار السنوات القليلة الماضية. ولايزال هناك المزيد من الخطوات التي يتعين اتخاذها في هذا الصدد حيث لم يتم استكمال تنفيذ الكثير من المبادرات المعلنة حتى الآن.

ومن بين أمثلة المبادرات التنظيمية التي يتوقع لها ان تكون مبادرات نافعة ولكنها لم تنفذ بالكامل بعد تطالعنا تحركات مؤسسة التنظيم العقاري التي تهدف إلى تقييد مستويات العرض المستقبلية عن طريق الغاء بعض المشروعات المخططة كما يطالعنا اعلان منح المستثمرين العقاريين تأشيرة إقامة بإمارة دبي مدتها ثلاث سنوات. ويترقب السوق تفاصيل عن كيفية تنفيذ المبادرات سالفة الذكر وغيرها من المبادرات التنظيمية النافعة وذلك قبل أن يتسنى له تقييم آثارها.

 

القطاعات الأقوى

سألت روبرتسون عن تقييمه لمؤشرات السوق العقاري خاصة بعد طرح الشركات للعديد من المشروعات العقارية التي يستهدف معظمها كلا من قطاع تجارة التجزئة وقطاع السياحة؟ فأجاب توضح ساعة قياس قيمة الاملاك العقارية المستحدثة من جانب شركة جونز لانج لاسال أن القطاع الفندقي وقطاع التجزئة بالسوق العقاري هما القطاعان الأقوى أداء في الوقت الحالي لدى إمارة دبي، لذلك فإنه من المتوقع أن يتم طرح عدد من المشروعات في هذه الآونة تستهدف هذين القطاعين. وغالبية هذه المشروعات ليست مشروعات جديدة بل مشروعات تم الاعلان عنها منذ عدة سنوات وبالتالي تم وضعها على قائمة الانتظار.

وقال روبرتسون كلما أخذ السوق العقاري في النضج كلما اتضحت الأهمية المرتبطة بجودة إدارة الاملاك العقارية بشكل أكبر حيث ستصير المباني التي يتم إدارتها بشكل سيئ أشد لفتاً للأنظار ليس فقط بسبب مظهرها ولكن ايضاً نتيجة لرسوم الخدمة المرتفعة على نحو غير طبيعي.

 

جودة إدارة الإملاك العقارية

 

يقول آلان روبرتسون الرئيس التنفيذي لجونز لانغ لاسال كلما أخذ السوق العقاري في النضج كلما اتضحت الأهمية المرتبطة بجودة إدارة الإملاك العقارية بشكل أكبر، حيث ستصير المباني التي يتم إدارتها بشكل سيئ أشد لفتاً للأنظار ليس فقط بسبب مظهرها، ولكن أيضاً نتيجة لرسوم الخدمة المرتفعة على نحو غير طبيعي، كما سيمكننا ملاحظة التباين الذي سيحدث عندما تحتفظ الأملاك العقارية المدارة بشكل جيد بقيمتها بقدر يفوق بكثير الأملاك العقارية المدارة بشكل سيئ. ونتوقع أن تقوم جهات التنمية العقارية بإسناد جزء من الإدارة إلى أطراف ثالثة محترفة في مجال الإدارة وذلك في ضوء تحرك السوق من نشاط إنشاء الأصول إلى نشاط إدارة الأصول.