قدر تجار وخبراء في مجال تجارة الذهب أن الارتفاع الحالي في الأسعار لن ينال من التوأمة بين سوقي الذهب في الإمارات والهند، رغم التراجع الطفيف المتوقع في حجم تجارة الذهب بين البلدين.

وأظهرت شهادات البعض منهم أن التوأمة بين السوقين ليست قائمة فحسب على اعتبارات ومقومات تستند إلى الروابط التاريخية والمقومات الثقافية المشتركة، بل يحمل المفهوم كذلك الكثير من الجوانب الشخصية التي تجعل توأمة السوقين بمثابة مسيرة حياة يمتزج فيها العام بالخاص، وغدت كذلك تمتلك شخوصا ورموزا تختزل سير حياتهم الكيفية التي بها نضجت وتطورت علاقات المشاركة بين السوقين .

وفي البداية أقر بيجو جوي مدير عام مجموعة دبي للذهب والمجوهرات في تصريحات ل "البيان الاقتصادي" بأن صعود أسعار الذهب يؤثر على تجارة الذهب بين الأسواق مع بعضها البعض بشكل عام، معربا عن اعتقاده بأنه ربما تتأثر سلبا وبشكل طفيف تجارة الذهب بين دبي والهند جراء صعود الأسعار .

وشرح جوي وجهة نظره بقوله إن أسعار الذهب المرتفعة تؤثر بالسلب على طلب مختلف فئات المستهلكين على المجوهرات الذهبية، ومع ذلك، فإن هناك طلبا جيدا على السبائك الذهبية بغرض الاستثمار، ويعود التأثير الأكبر ليس إلى صعود الأسعار بقدر ما يعود إلى التقلب الشديد في مستويات الأسعار .

ومن جانبه تحدث أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة عن التوأمة بين سوقي الذهب في دبي والهند بقوله: نشهد اليوم تطور نوعية العلاقة بين الإمارات والهند من حيث تجارة الذهب، حيث تحولت دبي، والتي كانت تاريخيا تصدر الذهب إلى الهند، لتصبح مستورداً للذهب من القارة الهندية. وذلك لارتفاع الطلب على المعدن الثمين في منطقة الشرق الأوسط.

ويشار إلى أن بن سليّم شارك منذ مطلع شهر أغسطس الماضي في حدثين بارزين يتعلقان بتجارة المجوهرات استضافتهما الهند ، وهو ما يمثل مؤشرا آخر على قوة انصهار السوقين معا، حيث افتتح النسخة الثامنة من معرض الهند الدولي للمجوهرات الذي استضافه مركز بومباي للمعارض. وشارك كذلك في قمة الهند الدولية للذهب والتي عقدت في فندق ليلا كيمبنسكي بمدينة كيرالا الهندية في الفترة الواقعة بين 19 و21 من شهر أغسطس الماضي.

وقد أظهرت دراسة حديثة لغرفة تجارة وصناعة دبي أن قيمة الذهب الذي تم تداوله عبر دبي بلغت 41.3 مليار دولار في عام 2010. وذلك بزيادة قدرها حوالي 18% عن عام 2009. وبحسب قاعدة بيانات عضوية غرفة دبى فإن هناك 1100 شركة تجارية تتعامل في الحلي والمجوهرات، و7 شركات لتصنيع الذهب والمعادن الثمينة، و3 شركات لتنقية الذهب و4 معامل لفحص الذهب والمعادن الثمينة .

وبحسب تقرير الصادرات السنوي للعام 2011 لمؤسسة دبي لتنمية الصادرات، التابعة لدائرة التنمية الاقتصادية بدبي، فإن أهم صادرات دبي في عام 2010 كانت الذهب والمعادن الثمينة والسكر والبلاستيك والمواد الغذائية. وتوجهت هذه الصادرات إلى أسواق متعددة خاصة في جنوب وغرب آسيا.

ولا يعد التراجع الطفيف المتوقع في حجم تجارة الذهب بين الهند والإمارات مؤشرا يمكن التعويل عليه في الحكم على متانة الارتباط بين سوقي الذهب في البلدين، إذ تعد مجموعة دبي للذهب والمجوهرات في حد ذاتها تجسيدا حيا لقوة ومتانة الشراكة بين السوقين.

حيث يمثل التجار الهنود بحسب مديرها العام - ما يزيد على نصف العدد الكلي لأعضاء المجموعة بواقع 340 عضوا منهم 161 عضوا يعمل في مجال تجارة التجزئة و 179 عضوا يعمل في مجال تجارة الذهب بالجملة .

وتظهر شهادات بعض التجار أن التوأمة بين السوقين شكلت مسيره حياة العديد منهم، وجعلت منهم رموزا تجسد متانة المشاركة بين السوقين.

 

صاحب الأصابع الذهبية

وتعد السيرة الذاتية لفيروز ميرشانت نموذجا يختزل في طياته مراحل تطور علاقات المشاركة بين سوقي الذهب في الإمارات والهند، فعندما أطلق البعض عليه لقب «صاحب الأصابع الذهبية» انطلق هذا التوصيف من نجاحه في تأسيس مكانة متميزة له على خريطة اللاعبين الرئيسيين في سوق المجوهرات بأشكالها المتنوعة.

وارتياده مجالا كان له أثر السحر في تغيير مسار حياته العملية والمهنية، فبعدما كان يؤهل نفسه لإدارة أعمال والده في مجال العقارات في بومباي، وجد نفسه خلال قضائه شهر العسل في دبي مفتونا بالمعدن الأصفر في سوق الذهب بديره، وحمله هذا الافتتان إلى اقتحام هذا المجال من الأعمال، وبعدما أمضى في تجارة المجوهرات ما يزيد على عقدين، أضحت شركته واحدة من أكبر ثلاث شركات للمجوهرات، وتمتلك فروعا في عدد من دول المنطقة.

وبعدما كان مجرد زائر ساقته قدماه ذات مرة إلى سوق الذهب، أصبح علامة بارزة في تجارة المجوهرات، وبعدما كان في بداياته يتحسس الطريق بحذر وببطء، صار الآن يتبنى استراتيجية توسعية تتسم بالجرأة وترنو إلى تحقيق أهداف تلامس عنان السماء، وبعدما كان أفراد أسرته بمن فيهم والده يتندرون عليه عند مفاتحته لهم بعزمه على العمل في دبي في تجارة الذهب، صار بعدما كبرت أعماله آخر الضاحكين والمتندرين، ويروق له ترديد احدى المأثورات الإيرانية القديمة والتي تقول إن « الذهب يلد ذهبا ».

 

مرحلة البدايات

وتعود بدايات افتتان ميرشانت بمدينة الذهب إلى عام 1981، عندما جاء إلى دبي لقضاء شهر العسل، ويبدو أن الأقدار حملت له ما قلب مسيرة حياته العملية والمهنية، إذ لم يجل بخاطره في ذلك الوقت ارتياد مجال تجارة المجوهرات، وكانت غائبة عن ذهنه كليا نية البقاء في دبي، بل اتجهت نيته إلى العودة إلى مسقط رأسه في بومباي للتأهب لتولي أعمال والده في مجال العقارات، بيد أن الأقدار ساقته إلى سوق الذهب في دبي، وهناك وقع في شراك حب المعدن الأصفر الذي فتنه وأسر عقله.

. ويرجع ميرشانت شريط ذكرياته إلى الوراء عندما كان في العقد الثاني من عمره، مسلطا الضوء على هذه المرحلة المهمة من حياته، والتي كانت بمثابة منعطف مهم قاده إلى مسار غير المسار الذي خطه لحياته، ويتحدث عن هذه المحطة في حياته قائلا: خلال قضائي شهر العسل في دبي، صرت شغوفا بسوق الذهب، وهناك أدركت أسباب عدم استساغتي العمل في مجال العقارات، وبلغ حبي حد قضاء معظم وقتي هناك، وهو ما جعل زوجتي تشعر بالقلق، وسألتني ذات يوم عما إذا كان السبب وراء قدومي إلى دبي هو قضاء شهر العسل أم للعمل.

وعندما عاد إلى بومباي، أبلغ ميرشانت والديه اعتزامه التخلي عن العمل في إدارة شركة والده العائلية، وأنه اختار عوضا عن ذلك اقتحام سوق الذهب في دبي، التي تبعد كثيرا عن مسقط رأسه، ويحكي ميرشانت تفاصيل هذا المقطع من حياته قائلا: لقد اجتاح جميع أفراد أسرتي بمن فيهم والدي نوبة من الضحك.

ولم يكن لدي أي سبب وجيه ومنطقي لإقناعهم بقراري سوى لفت انتباه والدي بأنني لست على دراية وفهم بسوق العقارات، وأني أفضل الذهاب إلى دبي لكي أعمل في سوق الذهب هناك، ولكن الجميع اعتقدوا أنني قد أصبت بلوثة من الجنون، بيد أنني كنت على اقتناع كامل بضرورة العودة إلى دبي للعمل في سوق الذهب.

وتميزت استراتيجية الأعمال التي انتهجها في البداية بالحذر والتدرج، حيث استهل نشاطه في عام 1989 بالدخول في مجال تجارة الذهب بالجملة، وتخصصت الشركة في تجارة الجملة للذهب عيار 24 قيراطا، الذي يعد أنقى أنواع الذهب، ومن ثم، نشطت في توفير إمدادات الذهب للمصنعين، وهو ما دعم مكانة الشركة في أوساط المصنعين، وأرجع ميرشانت أسباب اختياره لهذه البداية بإشارته إلى أن تجارة الجملة أسهل من تجارة التجزئة.

بيد أن الشركة عملت على تنويع نشاطها باتجاهها إلى تجارة التجزئة، حيث قامت في عام 1998 بافتتاح أول متجر لها في سوق الذهب بديرة، وأعطى النجاح الذي حققه هذا المتجرـ والكلام على لسان ميرشانت ـ المزيد من الثقة للمضي قدما في تجارة المجوهرات بأسلوب التجزئة، والأن، غدت الشركة تمتلك شبكة من المحلات تتركز أساسا في الهند والإمارات، حيث تمتلك في الهند نحو 30 متجرا ومصنعين لصناعة المجوهرات الذهبية .

صداقة تتحول إلى شراكة

وتقدم السيرة المهنية والذاتية للمواطن الإماراتي رائد باقر رئيس مجوهرات ليالي نموذجا آخر لعلاقات المشاركة بين سوقي الذهب في الإمارات والهند، حيث تعد "ليالي للمجوهرات" ثمرة تطور علاقة صداقة جمعت بين باقر وصديقه الهندي إلى مشاركة.

وعندما أنهى باقر دراسته الجامعية في كندا، اعتزم ممارسة النشاط التجاري أسوة بأقرانه في العائلة، التي اشتهرت بمباشرة أعمال المقاولات والإنشاءات . وفي البداية، لم يخطر على تفكير باقر دخول تجارة المجوهرات، ولكن صديقه الهندي اقترح عليه في عام 1998 ارتياد هذا المجال.

وبعدما اقتنع بالفكرة، بدأ الصديقان تحويل حلمهما إلى واقع معاش على الأرض، واتفقا على أن يقوما باختبار السوق من خلال إقامة متجر واحد، فإذا ما نجحا، سيكون بمقدورهما المضي قدما، وإذا لم يحالفهما الحظ فلن يكونا قد منيا بخسارة كبيرة .

لقد درس باقر التجارة العالمية، وهو ما أعطى له الخلفية النظرية والعلمية التي تعينه على إدارة أعمال المجوهرات، ورغم أن الحافز التجاري كان الغالب على تفكيره في بداية اقتحامه تجارة المجوهرات، إلا أنه مع مرور الوقت تحول هذا الحافز إلى عشق وافتنان بالمعدن الأصفر .

وهكذا، تطورت أعمال باقر، وبعدما كان له متجر واحد في مركز الجميرا، صارت الشركة التي تجمعه مع صديقه الهندي تمتلك 18 متجرا في أرقى مراكز التسوق في الإمارات، والسبب في رأيه يعود إلى أن بدايته في صناعة المجوهرات تزامنت مع مرحلة التطور الضخم للاقتصاد الإماراتي، وبالتالي، ساعدته هذه الطفرة الاقتصادية في تعزيز وتدعيم أعماله .

وعندما يتحدث باقر عن مستقبل شركة ليالي للمجوهرات، فهو لا يحبذ أن يراها شركة عائلية، بل يفضل أن تكون شركة خاصة أو مساهمة عامة، قائلا: لن أفرض على أولادي العمل في الشركة ولكنني أريد الإبقاء على استمرارية العلامة التجارية للشركة، وهو أمر لن يتحقق إلا من خلال الاحتفاظ بالوضعية الحالية للشركة كشركة خاصة أو تحويلها إلى مساهمة عامة .

وتؤكد هذه الشهادات أن التوأمة بين سوقي الذهب في الهند والإمارات تستند إلى حيثيات ومقومات تتجاوز برودة الأرقام والإحصائيات عن تدفق تجارة الذهب فيما بين البلدين، وتتجذر بقوة في عملية الصهر والاندماج التي جرت عبر مراحل تاريخية مختلفة بين رموز وشخصيات وكيانات السوقين، وهو ما جعلها علاقة بين توأمين غير ممكن الفصل فيما بينهما.