أكد مسؤولو ومديرو قطاع الموارد البشرية أن بناء مهارات المواطنين وتقديم الدورات المهنية والبرامج التدريبية أبرز العوامل المساهمة في القضاء على التوطين الصوري أو ما يعرف بـتوظيف الأشباح إذ تساهم البرامج التدريبية بنسبة 15 إلى 20% في صقل مهارات الكفاءات الوطنية. وذكر هؤلاء أن على المواطنين الباحثين عن العمل التفكير بشكل جدي في الوظائف المتوفرة في القطاع الخاص وتفعيل قدراتهم للدخول في هذه المجالات المتنوعة فيه.
ودعا البعض المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية إلى التعاون مع القطاعات الخاصة بهدف تعريف الطلاب بالمميزات التي يقدمها القطاع الخاص وتشديد الرقابة على المؤسسات التي تسعى إلى توظيف المواطنين دون الاعتماد على إنتاجيتهم. وأشار البعض إلى ضرورة تغيير الأفكار النمطية السائدة في أوساط أرباب العمل في القطاع الخاص الذين يعتقدون أن الإماراتيين يفتقرون إلى المهارات والخبرات اللازمة لشغل العديد من الوظائف وأنهم أكثر تكلفة نسبياً من الوافدين. وتؤكد الدراسات الأخيرة أن ما يزيد على 70% من المعروضة الوظائف تعود للقطاع الخاص وتبلغ الوظائف المعتمدة على الخبرة والتدريب ما نسبته 40% من إجمالي الوظائف المعروضة.
وفي السياق ذاته قال الدكتور جاسم آل علي مدير إدارة الموارد البشرية في دائرة التنمية الاقتصادية بدبي إن عملية تدريب المواطنين تساهم بنسبة 15 إلى 20% في صقل مهاراتهم وبالتالي زيادة الإنتاجية. وأوضح أن الدولة تشهد تخريج 18 ألف طالب سنويا وبالتالي يجب على المواطنين التركيز على القطاعات الخاصة وليست الحكومية فقط والسعي إلى تطوير مهارات في تلك المجالات.
ودعا آل علي إلى طرح مبادرات على مستوى عال بين القطاع الحكومي والخاص والنظر في المعوقات التي تواجه عملية التوطين والبحث عن الكفاءات بالإضافة إلى سد الثغرات من أبرزها التوطين الصوري. ويجب على إدارات الموارد البشرية أن تمتلك خاصية تطوير فن التعامل مع الموظفين خاصاً مع متعددي الجنسيات ومحاولة فهم أساليب العنصر البشري بما يسمح بتعديل الأنظمة الحالية ويساهم في الرضا الوظيفي وبالتالي الإنتاجية.
الدور الرقابي
وأكد سهيل بن طراف مدير عام الموارد البشرية في بنك الإمارات دبي الوطني على أهمية تشديد الدور الرقابي في البحث عن الشركات التي تسعى إلى توطين الشباب دون اللجوء إلى تطوير مهاراتهم والاستفادة من إنتاجيتهم. كما دعا المواطنين إلى رفض مثل تلك الوظائف التي تعمل على التقليل من قدراتهم وبقائهم في السلم الوظيفي ذاته مع مرور السنوات. وقال بن طراف: يقدم البنك مجموعة من البرامج التدريبية لمختلف المستويات العلمية حيث نقوم بتعيينهم وتقديم بعض الدورات قبيل شروعهم في العمل بغية تطوير مهاراتهم وإكسابهم الخبرات, ومن ثم إرسالهم إلى ميادين العمل.
وذكرت خلود المالح مدير موارد بشرية بأحد القطاعات الخاصة أن بعض الشركات تدعم المواطنين عبر الحصول على الشهادات المعتمدة بعد الفترة التدريبية، متجاهلين بذلك العائد المرجو لهم. فعلى الشركات والجهات المسؤولة تقديم البرامج والدورات التدريبية بأعلى قدر ممكن من الاحترافية وذلك لضمان الإنتاجية التي يقدمها وسهولة التأقلم في بيئة العمل. وأشارت خلود إلى أن معالجة المعوقات التي تواجه المواطنين بدءاً من المراحل الدراسية ولغاية التخرج ستساهم في تقليل التوطين الصوري بنسبة تصل إلى 50% خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وقالت أماندا لاين المدير الإقليمي في الشرق الأوسط لهيئة المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز ان تشجيع المواطنين على حيازة مؤهلات مهنية احترافية قد يكون جزءاً من الحل. في نهاية العام الماضي أعلنت وزارة العمل عن تعديلات على بعض بنود قانون العمل المتعلقة بتوظيف الإماراتيين، تقضي بتخصيص 15% على الأقل من الوظائف في الشركات الخاصة للمواطنين. فالتوطين إستراتيجية ذات أولوية قصوى بالنسبة للحكومة، وهو أيضاً عنصر حاسم للنمو الاقتصادي. وقد أظهر تقرير في مايو 2011 أن ارتفاع العائدات النفطية يسهم في التعتيم على حقيقة أن الإمارات تتخلف عن الاقتصاديات الناشئة في جنوب شرق آسيا من حيث الإنتاجية.
حزمة من الإجراءات
وأشارت اماندا إلى أن لجأت الحكومة إلى حزمة من الإجراءات الجديدة مثل التشدد في أنظمة ورسوم بطاقات العمل وغيرها، تتضمن تقديم حوافز لشركات القطاع الخاص التي تنجح في تحقيق شروط وأهداف التوطين، وفرض عقوبات أو رسوم مرتفعة على تلك المقصرة في ذلك. لكن الصعوبات التي قد تواجهها المؤسسات في توظيف المواطنين تدفع البعض منها إلى استحداث أساليب ملتوية للالتفاف على القوانين والالتزام بنصها دون التقيد بروحها وجوهرها. وغالباً ما يأخذ ذلك شكل "التوطين الصوري" أو "توظيف الأشباح" بدلاً من محاولة إيجاد مواطنين إماراتيين مؤهلين للقيام بالعمل، تصبح الجنسية هي المعيار الرئيسي للتوظيف بدلاً من مجموعة المهارات والخبرات.
واضافت: من أجل تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الإماراتي فمن الضروري العمل على تنويع أوجه الاقتصاد بحيث يتخطى الاعتماد على العائدات النفطية وحدها وهذا يتطلب توفير قاعدة قوية من المهارات الوطنية، تدعم النمو المحلي للبلاد وتعزز قدراتها في ساحة التجارة العالمية. وذلك ما لا يتوافر كفاية في الوقت الراهن. وإذا كانت معدلات البطالة بين الإماراتيين عموماً تبلغ نحو 14%، فإنها تقدر في أوساط الشريحة الشبابية بضعف ذلك الرقم. والغالبية الساحقة حوالي 90% من المواطنين العاملين حالياً يشغلون وظائف حكومية ولكن القطاع العام يقترب حثيثاً من نقطة الإشباع ما يعني عجزه عن مواصلة استيعاب القوى العاملة الإماراتية المتنامية، ويرجح بالتالي تفاقم المشكلة بمرور الوقت. ومن أجل التخفيف من حدة البطالة في أوساط الشباب الإماراتي سيتحتم عليهم البحث عن فرص عمل في القطاع الخاص، بشكل أكبر مما سبق.
إستراتيجية جيدة
طريقة التوظيف الصوري ليست إستراتيجية جيدة ولا يمكن لها أن تدوم، فهي تقوض الأسس الأخلاقية العامة للتوظيف من خلال إيجاد عمال يتقاضون أجوراً مرتفعة لا تتناسب مع الجهد الضئيل المبذول. وهي تفاقم أيضاً التحديات التي تواجهها إستراتيجية الدولة في التوطين حيث لا يتم إدماج المواطنين في القوى العاملة فعلياً وبالتالي لا يكتسبون مهارات وخبرات حقيقية. كما أن للتوظيف الصوري آثاراً مدمرة على أخلاقيات العمل بالنسبة للأفراد الموظفين أنفسهم.
ومنذ نهاية العام الماضي، أصبح أيضاً إستراتيجية محفوفة بالمخاطر. فقد أعلنت وزارة العمل في ديسمبر 2010 أنها لن تكتفي بفرض غرامات باهظة على الشركات التي يثبت تورطها في التوطين الصوري، بل ستصنفها أيضاً في أدنى قوائم تصنيف الشركات، ما يحتم عليها دفع رسوم عقابية عالية لاستخراج بطاقات العمل وتجديدها.
وقالت أماندا: هناك الكثير من الفرص المتاحة أمام المواطنين للعمل في القطاع الخاص. فقد كشفت دراسة أجرتها دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي سنة 2009 أن الإماراتيين يشكلون نسبة لا تتعدى 0.3% فقط من القوى العاملة في القطاع الخاص. وعلاوة على ذلك، فإن الطلب على العمالة في تزايد مستمر، ولا سيما في القطاعات المهنية الماهرة. ويبرز ذلك بشكل أوضح في الدراسة التي أجريت العام الماضي والتي أظهرت أن خطط النمو للشركات العاملة في دولة الإمارات تتخطى كثيراً مستوى المعدل العالمي، مع بروز قطاع الخدمات المالية كواحد من أهم قطاعات النمو.
وأضافت: هناك قضيتان رئيسيتان يتوجب التصدي لهما من أجل إنجاح مشروع التوطين. تتمثل الأولى في الأفكار النمطية السائدة في أوساط أرباب العمل في القطاع الخاص. فقد أعلنت "مؤسسة الإمارات للنفع الاجتماعي" سنة 2010 أن الصور النمطية السلبية عن المواطنين مسألة شائعة لدى أرباب العمل، الذين يعتقدون أن الإماراتيين يفتقرون إلى المهارات والخبرات اللازمة لشغل العديد من الوظائف، وأنهم أكثر تكلفة نسبياً من الوافدين.
وفي مارس 2011 نشرت كلية دبي للإدارة الحكومية نتائج دراسة تشير إلى أن أصحاب العمل ينظرون في غالب الأحيان إلى المواطنين على أنهم موظفين يفتقرون إلى الكفاءة والفاعلية. ولا تقتصر هذه التصورات السلبية على أرباب العمل الأجانب فقط، بل لعلها شائعة أكثر لدى المديرين الإماراتيين الذين أعربوا عن حذرهم إزاء توظيف مواطنيهم. وما لم يتم تصحيح هذه التصورات النمطية السلبية الشائعة، فلن يكون لدى أرباب العمل حوافز كافية تدفعهم لاحتضان جوهر ومضمون قوانين التوطين، لا نصها فقط.
الإخفاق في تلبية الآمال والتوقعات
يتمثل التحدي الثاني في تلبية آمال وتوقعات المواطنين الشباب الذين يلجون سوق العمل. فليست كل الوظائف في القطاع الخاص قادرة على توفير ذات الرواتب والمزايا كما في الوظائف الحكومية، ما يجعل القطاع الخاص أقل جاذبية من القطاع العام. وفي حين أن ذلك ليس صحيحاً دائماً، إلا أنه يشكل تحدياً جدياً بالنسبة للموظفين غير المهرة الباحثين عن عمل في القطاع الخاص. فهؤلاء غالباً ما يجدون أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع العمالة الوافدة الرخيصة، فلا يبقى أمامهم سوى فرص عمل متواضعة بأجور متدنية لا ترقى أبداً إلى مستويات المعيشة المعتادة في البلاد. ولسوء الحظ، فإن أعداد الشبان الإماراتيين الذين يتوجهون نحو التعليم العالي وكسب المؤهلات المهنية الاحترافية قد يكون في تراجع.
وذكرت أماندا أن دراسة أعدتها شركة ماكينزي الاستشارية الشهر الماضي كشفت أن ستة من كل عشرة براميل نفط مباعة تذهب عائداتها لتمويل الإنفاق الحكومي اليومي (في الإمارات)، والمخصص بغالبيته لرواتب القطاع العام والدعم والإعانات الحكومية". وإذا ما طرأ أي هبوط مفاجئ على أسعار النفط، فلن تقتصر آثاره السلبية على الاقتصاد الإماراتي وحده، بل إن أشد التبعات إيلاماً ستلحق بالمواطنين الإماراتيين أنفسهم الذين يعتمدون في نهاية المطاف- بشكل كبير وغير متوازن على العائدات النفطية.
ويكمن الحل الجذري في إعداد قاعدة متينة من المواطنين أصحاب المهارات رفيعة المستوى في البلاد من خلال تشجيع المزيد من الإماراتيين على حيازة مؤهلات مهنية احترافية، وخصوصاً في مجال الخدمات المالية. فهذا الحل يحقق أولاً الهدف المنشود في تنويع الاقتصاد، إذ إن توافر قاعدة وطنية صلبة من المتخصصين الماليين ذوي المؤهلات العالمية الرفيعة يتيح لدولة الإمارات مواصلة دورها الريادي كنقطة جذب للتجارة العالمية ويعزز كثيراً من جاذبيتها للاستثمارات الخارجية.
كما أنه يعالج في المقام الثاني العديد من التحديات التي يواجهها برنامج التوطين، حيث يحظى المهنيون المؤهلون بوظائف متخصصة ذات رواتب مجزية لا تزاحمهم عليها العمالة الوافدة الرخيصة غير المؤهلة. وهو ما يجعل العمل في القطاع الخاص قادراً على منافسة الوظائف الحكومية من حيث جزالة المردود المادي، ويضمن للمرشحين في الوقت ذاته فرص التنافس الحر المتكافئ.
