تعرضت شركات التأمين وبتأثير مباشر للأزمة الاقتصادية العالمية الى خسائر فادحة نتيجة لتركيز استثماراتها في قطاعات محددة خصوصا في اسواق المال والقطاع العقاري الامر الذي دفع هيئة التأمين الى ضبط هذه الاستثمارات وتقنينها وفق تعليمات وأنظمة يتوقع صدورها مع نهاية العام الجاري.
وتهدف هذه التعليمات الجديدة الى حماية حقوق حملة الوثائق وحملة الاسهم على حد سواء اضافة الى حماية الشركات نفسها وفق قواعد وأطر عامة للاستثمار تراعي ادارة المخاطر وتنويع الاستثمارات التي تشكل رافد حيويا لشركات التأمين يساعدها في تطوير اعمالها الفنية وتعويض الخسائر المترتبة عليها مع اشتداد حدة المنافسة في الصناعة.
شركات التأمين بدورها طالبت بتعزيز الرقابة والاشراف على تنفيذ هذه التعليمات ومراعاة اوضاع الكثير من الشركات في السوق خصوصا ان بعضها لايزال وبعضها يعاني من نقص السيولة في ظل تراجع الانشطة الاقتصادية التي كانت الشركات تعتمد عليها بدرجة كبيرة خصوصا القطاع العقاري.
تقنين الاستثمارات نهاية العام
وأكدت فاطمة العوضي نائب المدير العام لهيئة التأمين ان الهيئة تسعى ومن خلال مشروع تعليمات أسس الاستثمار إلى وضع أسس وضوابط قانونية تحكم الاستثمارات في شركات التأمين وذلك من خلال وضع متطلبات عامة للاستثمار والقواعد الأساسية لسياسة الاستثمار مع وضع سقوف توزيع وتخصيص الأصول بالإضافة إلى المخاطر المتعلقة بالاستثمار ومواطن الاستثمار والمشتقات المالية ووضع قواعد لأنشطة الاستثمار من خلال المصادر الخارجية وغيرها من السياسات العامة التي تحكم استثمارات شركات التأمين من اجل حماية شركات التأمين وحقوق حملة الوثائق على حد سواء.
وقالت ان الهيئة ومن خلال هذه التشريعات ستقوم بوضع سقوف توزيع وتخصيص الأصول سواء كانت الحد الأعلى لسقوف الانكشاف في فئة أصول معينة بالإضافة إلى حد السقف الفرعي لتعرض طرف واحد ذو علاقة ومنها الاستثمار في (العقارات و أدوات حقوق الملكية داخل الدولة وخارجها والأوراق المالية الحكومية للدولة و السندات الحكومية التي تصدرها البلدان الأخرى والنقد والودائع لدى البنوك وغيرها.
وحول موعد صدور هذه التشريعات أكدت العوضي إن الهيئة ستقوم بإصدار تعليمات أسس الاستثمار من خلال تعليمات جديدة تتفق مع طبيعة الدولة وقطاع التأمين وفق أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال حيث من المتوقع أن تصدر تلك التعليمات من قبل مجلس إدارة الهيئة في نهاية هذا العام موضحة ان هذه التعليمات ستشمل قطاع التأمين بأكمله سواء كانت شركات محلية أو أجنبية.
لقد قامت هيئة التأمين بإرسال جميع مشروعات التعليمات المالية المنوي إصدارها ومن ضمنها تعليمات أسس الاستثمار إلى كافة الشركات العاملة في الدولة للإطلاع عليها وإبداء الملاحظات والتوصيات بشأنها. حيث سيتم عقد اجتماع مشترك بين هيئة التأمين وجميع شركات التأمين العاملة في الدولة لمناقشة تلك التعليمات في وقت لاحق من هذا العام بعد ورود ملاحظات وتوصيات الشركات إلى هيئة التأمين تمهيداً لإصدارها بصيغتها النهائية.
الشركات وتحديد النسب
لكن شركات التأمين بدورها تؤكد ان الجانب الاهم في هذه التعليمات يتمثل في التطبيق الفاعل والعملي لها بحيث يشعر الجميع ان هناك جهة رقابية تضمن عدم الخروج على هذه القوانين وتفرض عقوبات على الشركات المخالفة.
ويرى فريد لطفي الامين العام لجمعية الامارات للتأمين وهو ايضا الامين العام لهيئة التنسيق لشركات التأمين وإعادة التأمين الخليجية ان تحديد نسب الاستثمار والمتوقع صدوره نهاية العام الجاري سيشمل رأس مال الشركة واحتياطاتها وملاءتها المالية مشيرا الى ان التحديد السابق كان يقتصر على احتياطات الشركة المالية ومع ذلك فان غياب الرقابة والاشراف في السابق شجع الشركات على الاندفاع في الاستثمار وتركيز محافظ بعضها في قطاعات معينة الامر الذي سبب لها خسائر كبيرة مع ظهور الأزمة العالمية.
وقال لطفي إن تقنين الاستثمار في شركات التأمين ليس امرا جديدا بل هو مطبق في مختلف الاسواق الاقليمية والعالمية ومن بينها الاسواق الخليجية داعيا الى تفعيل معايير الرقابة والاشراف عند بدء تطبيق التعليمات الجديدة.
واضاف ان الهدف من التعليمات الجديدة الخاصة بتقنين الاستثمار في القطاع والتي تعكف عليها هيئة التأمين بالتعاون والتشاور مع جمعية الامارات للتأمين هو حماية اموال حملة الوثائق والمؤسسين بحيث يتم تحديد نسب الاستثمار في كل قطاع من القطاعات سواء كان الاستثمار في الاكتتابات او الاسواق المالية او العقار وغيرها.
وأشار الى ان تنظيم قطاع التأمين سيؤدي حتما إلى ما يسمى بـ «اليسر المالي» وهي العلاقة بين الأموال والمخاطر وعندما نتحدث عن الأموال فإننا لا نعني الأموال الواردة في الميزانية العمومية والحسابات الختامية الموجودة تحت بند حقوق المساهمين بل أن هناك أنواعا أخرى من الأموال التي تدخل إلى الشركة وهي ما يعرف بـ «حقوق حملة الوثائق» وحقوق أصحاب التعويضات سواء حملة الوثائق أو غير المتضرر تحت هذه الوثائق وهناك حقوق الموظفين من تعويضات مكافأة نهاية الخدمة أو صناديق خاصة أو اشتراكات التأمين الاجتماعية وحقوق الدائنين مثل حقوق إعادة التأمين التي تتعامل معها الشركة مباشرة.
تفعيل الرقابة والإشراف
ويؤكد عبدالزهرة عبدالله مدير عام الوطنية للتأمينات العامة ان القوانين الحالية لقطاع التأمين تشير بوضح الى ان هناك نسبا محددة للاستثمار في كل مجال او قطاع والمطلوب تفعيل الرقابة والتأكد من تطبيق هذه التعليمات بحيث يتم الزام الشركات بجوهر هذه القوانين رغم ان قوانين التأمين تحتاج الى المزيد من التعديلات عليها وبعضها يعود الى عام 1984 رغم الكم الهائل من التغيرات والتطورات التي حدثت في الصناعة.
وقال عبدالزهرة ان التعليمات المقبلة مرحب بها لكن المطلوب تفعيل الرقابة والتأكد من التطبيق وليس ترك الحبل على الغارب كما حدث خلال الفترة التي سبقت الأزمة العالمية وتسببت في آثار سلبية على القطاع عامة موضحا ان القوانين الحالية تتضمن تعليمات ملزمة للشركات بنسب محددة لكل نوع من الاستثمار والمطلوب الالتزام بهذه القوانين والتعليمات وتفعيل الرقابة عليها.
واشار الى ان الاستثمار يعد احد الانشطة الحيوية التي تقوم بها شركات التأمين في مختلف الاسواق العالمية وهي تشكل رافدا حيويا للشركات تقوم من خلاله بتعزيز وتطوير اعمالها او تعويض و تغطية خسائرها في الاعمال الفنية لكن المطلوب عدم تجاوز الحد في هذه الاستثمارات مشيرا الى ان بعض الشركات وقبل الازمة كان لديها محافظ تصل الى المليار درهم جميعها مستثمرة في سوق الاسهم او العقار رغم ان القانون يمنع ذلك وهذا يعود الى ضعف الرقابة في ذلك الوقت.
وقال ان الاموال التي تضخها الشركات في الاستثمار تأتي عادة من الاعمال الفنية ولا حرج في الاستثمار فيها بشرط التقيد بالقوانين خصوصا ان هذا الامر يؤثر على اسعار التأمين بدرجة ما ويمكن الشركات من استيعاب درجة معينة من المخاطر بسبب العوائد المتأتية من الاستثمار خصوصا عند التعرض الى الخسائر من الاعمال الفنية.
واضاف ان الازمة العالمية التي ضربت العديد من القطاعات الاقتصادية ومنها شركات التأمين كشفت عيوب الرقابة وأصبح الاستثمار يشكل عبئا على الشركات وعليه باتت الشركات مطالبة بتحقيق نتائج فنية جيدة للمحافظة على توازنها داعيا الى المزيد من الرقابة على اعمال الشركات وليس فقط مجرد قوانين نظرية حيث شكلت الازمة درسا قاسيا للجميع خصوصا تلك التي بالغت في الاستثمار سواء في العقار او الاسواق المالية. واشار الى انه ورغم هذه الدروس القاسية الا ان الازمة كان لها منافع عدة اهمها تنبيه الشركات الى مخاطر الاستثمار وتخفيض محافظ الاسهم والعقار وتجنيب مخصصات لهذه الغاية.
لا غنى عن الاستثمار
ومن جهته اكد غسان مروش المدير العام لشركة تكافل الامارات انه لاغنى عن الاستثمار بالنسبة لشركات التأمين حيث يشكل الاستثمار رافدا حيويا لشركات القطاع لا تستطيع التخلي عنه خصوصا في ظل تراجع اسعار التأمين وانخفاض الارباح وسط المنافسة الحادة في السوق.
وقال إن تحديد نسبة محددة للاستثمار في كل قطاع يبقى الحل الناجع في هذا الشأن وهو امر معمول به في العديد من الاسواق العالمية ومنها الاسواق القريبة حيث تخصص ما نسبته 30 الى 35 بالمائة من محفظة شركة التأمين لكل قطاع وان لا تزيد استثمارات الشركة عن 5 بالمائة خارج الدولة موضحا ان هذه امثلة ويمكن استخلاص التجارب منها.
وأضاف ان تنويع مجالات الاستثمار وعدم تركيزها في قطاع واحد يشكل ضمانة للشركات في حال تراجع هذا القطاع مشيرا الى ان الأزمة العالمية ابرزت اهمية هذا التوجه وعدم حصر الاستثمارات في قطاعات محددة.
سياسات استثمارية واعية
ستضمن التعليمات الجديدة وضع سياسات استثمارية سليمة واعية وتحديد الاستراتيجيات الملائمة للعملية الاستثمارية بما فيها تحديد الحصص المستثمرة في الأوعية الاستثمارية ومراقبة تنفيذها وتعديلها بما يتناسب مع ظروف السوق واحتياجات المستثمر الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى تحقيق أهداف العملية الاستثمارية لشركات التأمين وتحديد المخاطر المتوقعة من هذه العملية.
كما ان هذه التعليمات ستمكن شركات التأمين من الحفاظ على تقديم خدمات تأمينية عالية المستوى والمحافظة على قدرتها التنافسية في سوق التأمين كما أن استخدام أساليب التحليل المالي والاقتصادي المتطورة وتحديد الحصص المستثمرة في المحافظ والأوعية الاستثمارية ومراقبة تنفيذ هذه الخطة سنويا من قبل الشركات وإعداد قوائم بالاستثمارات المسموح التعامل معها وتحديد نسبتها كفيل بتأسيس استثمارات قوية وسليمة للشركات. وستراعي تطبيق القواعد والمعايير المحاسبية السليمة ودراسة الجدوى الاقتصادية المتأنية إلى تحكم الأموال المستثمرة بين مدة الاستثمار والطبيعة الزمنية للأموال المستثمرة ووضع أسس علمية لهيكل رقابي سليم.
