بدأت البنوك في الإمارات خلال النصف الأول من العام الحالي نفض غبار آثار الأزمة العالمية ليبرز أمامها واقع جديد تتمثل ملامحه في وجود بيئة إقراض أكثر تعقلاً وتنظيماً ومستويات نمو وربح قد تكون أقل من مستوياتها في فترة ما قبل الأزمة ولكنها أكثر استدامة. وأشارت مؤسسة إيه تي كيرني، المتخصصة في الأبحاث والاستشارات، إلى أن هناك تحديات جديدة وفرص جديدة أيضاً أمام بنوك الإمارات والمنطقة عموماً. وأنه على البنوك اتخاذ إجراءات لتدعيم موقفها في السوق من حيث إدارة النمو بهدف خفض التكاليف وزيادة الانتاجية.
وقال الدكتور ألكسندر فون بوك، مدير الاستشارات المالية في مؤسسة إيه تي كيرني، إلى أن هذا الواقع الجديد يفرض على بنوك المنطقة تغيير سياسات عمل طالما تعودوا عليها، ورسم استراتيجيات جديدة تركز على إدارة النمو في المرحلة المقبلة وخفض النفقات. إلا أن هذا وحده لن يكون كافيا، حيث سيحتاج مديرو البنوك إلى اعادة تحديد مجالات العمل وقطاعات تحقيق الايرادات، بالإضافة إلى تخفيف البيروقراطية وفتح القنوات والتكامل التنظيمي مع كافة الأقسام في البنك، وذلك بهدف رفع مستوى خدمة العملاء وتأهيل الموظفين ونشر المزيد من الشفافية، لأن ذلك سيبقي على وعود الازدهار وزيادة الأرباح خصوصاً في ظل بيئة اقتصاد كلي داعمة تتمتع بها الإمارات، وقطاعها المصرفي الذي يعتبر الأكبر في المنطقة.
جذب الاستثمارات
وقال الدكتور فون بوك: اعتمدت المؤسسة على آراء العديد من قادة الأعمال في العالم في تقريرها الاخير، والخاص بمؤشر الاستثمار الأجنبي، حيث ذكر التقرير إن الإمارات حلت في المرتبة الحادية عشرة عالمياً في جذب الاستثمارات، وهذا نتاج آراء قادة الأعمال حول العالم ورغبتهم المستقبلية في الاستثمار في الدول المختلفة، وعلينا ان نقارن هذا المؤشر مع تدفقات الاستثمار الأجنبي الحقيقية، وهي السيولة التي تم استثمارها فعلياً في اقتصاد دولة ما، وتاريخيا فإن مؤشر إيه تي كيرني له ارتباط وثيق قوي مع التدفقات الحقيقية التي تهم اقتصادات الدول.
ويتضح تأثيرها على المؤشرات الأخرى، مثل نسب التوظيف، والطلب على المدى المتوسط، فمثلاً اذا قام أحدهم بالاستثمار في مصنع كبير فقد يستغرق بناؤه ومباشرة العمل فيه عاما أو أكثر، فالتدفقات تحدث في عام ما ولكن آثارها الحقيقية على التوظيف أو الناتج المحلي الإجمالي تصبح ظاهرة للعيان بعد عامين أو ثلاثة أعوام. وليس لدي الآن أرقام حول حجم التدفقات الحقيقية في الوقت الراهن ولكن كثير من الدراسات تعتبر الإمارات من أفضل وجهات الاستثمار الأجنبي المباشر في الشرق الأوسط.
انخفاض التضخم
وحول بيانات الاحصاء حول انخفاض نسب التضخم من 11.10 % في ديسمبر 2007 إلى 1.39% في مايو الماضي قال فون بوك إن التضخم له تأثير قوي على الاقتصاد، وذلك لأنه يعني تآكل قيمة العملة، ولكن اذا نظرنا إلى نمو الاقتصاد في دولة ما فما يهمنا هو النمو الحقيقي، أي النمو الإسمي ناقص معدل التضخم، مما يعني أن نسبة التضخم الأخيرة مؤشر إيجابي لأنها تعني أنه سيكون هناك نمو حقيقي أكبر في الناتج الاجمالي الحقيقي على الأرجح، فإذا كان لدينا نمو اسمي منخفض فمن الإيجابي للاقتصاد أن يكون لدينا معدل تضخم منخفض كذلك، لذلك فإن انخفاض نسبة التضخم في الإمارات ليس مؤشراً لركود اقتصادي، بل هو مؤشر ايجابي يساعد في استقرار وترسيخ الاقتصاد.
ترشيد الإقراض
وبالنسبة إلى سياسة الترشيد في الإقراض، التي تجاوبت معها البنوك مؤخراً، قال: الترشيد في الإقراض ليس سبباً في خفض النشاط العقاري في الدولة، ومن الطبيعي أن تكون البنوك حذرة ومتعقلة عند الإقراض ورسم سياساتها الائتمانية، ومنذ بضع سنوات، عندما كان النشاط العقاري في أوج حرارته، كانت سياسة الاقراض متهاونة أكثر من اللازم، واذا نظرت إلى الأزمة المالية العالمية وارتباطها بسوق الإقراض العقاري عالي المخاطر يمكنك رؤية تأثيرات ذلك السلبية على الاقتصاد.
وبعبارة أخرى لم يكن للبنوك تأثير في تباطؤ النشاط العقاري، ويجب أن يكون هناك توازن عند الإقراض بين أخذ المخاطر ووجود سياسة وإدارة فعالة للتعامل مع المخاطر تواكب السياسات الائتمانية، وأعتقد أن النشاط المصرفي بشكل عام في الامارات مربح، ولكنه ليس على نفس المستوى من الربحية كما كان الحال منذ عدة سنوات. وأعتقد أن التنظيمات الأخيرة إيجابية وتصب في صالح العميل والبنك على حد سواء.
تحديات وفرص
وأكد فون بوك أن أكبر التحديات التي تواجه البنوك في المنطقة هو استمرار انخفاض النمو الاقتصادي، وهذا بسبب آثار الازمة العالمية بشكل خاص، وفي نفس الوقت هناك في بعض الدول، مثل البحرين، تحديات من حيث المناخ الاجتماعي - السياسي. أما في الامارات فالوضع مختلف، إلا من ناحية وجود بعض القلق في بعض الأوساط من ديون دبي، التي يستحق بعضها خلال سنوات قليلة، ولكني أعتقد أن حكومة دبي في وضع جيد جداً لتتعامل مع التحديات.
أما بالنسبة للفرص فقال فون بوك: أعتقد أن البنوك في المنطقة عموماً على الطريق إلى الانتعاش مجدداً، ولكنها بحاجة إلى إدارة النمو، فمنذ عدة سنوات كان التحدي بالنسبة للبنوك هو مواكبة النمو القوي للاقتصاد. أما اليوم فلا يتوقع معظم المحللون أن تعود وتيرة النمو إلى سابق عهدها، لذلك من الضروري أن تقوم البنوك بإيجاد استراتيجيات جديدة تركز على إدارة النمو بواقعه الجديد، وذلك بهدف تحسين الانتاجية ومستوى الخدمات، مما سيفسح المجال أمام بنوك المنطقة للتنافس حتى على المستوى العالمي.
وأضاف: حالياً البنوك ليست على قدم المساواة بالمقارنة مع البنوك العالمية الأخرى من حيث أفضل الممارسات، وذلك بناء على دراسات وأبحاث حديثة، ففي مجال خدمة العملاء مثلاً نجد أن 10% فقط من عملاء البنوك في الإمارات من الوافدين عبروا عن رضاهم حول خدمة العـــــملاء، وهي نسبة منخــــفضة مــــقارنة بدول أخرى، فمثلاُ دورة تفعيل القروض، أي المدة الفاصلة بين تقديم الطلب على قرض ما والحصول فعلاً على ذلك القرض هي طويلة نسبياً.
وهناك فرص كذلك من حيث تحسين شـــفـــــافية الرسوم وإطلاع الزبون بشكل واف وكامل على التكلفة والرسوم المرتبطة بالمـــــنتج البنكي، وحالياً لا يتم ذلك بشكل جيد بسبب عدم تدريب الموظفين بشكل عملي، أو انفكاك موظفي الخطوط الأولى للمبيعات بنسب مرتفعة، أي أن على البنوك اتخاذ إجراءات لتدعيم موقفها في السوق من حيث إدارة النمو بهدف خفض التكاليف وزيادة الانتاجية.
