صبت وكالات التصنيف الدولية الزيت على حطام الاقتصاد العالمي الهش، الأمر الذي دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى اتهام ثلاث وكالات أميركية هي موديز واستاندرد آند بورز وفيتش، بإشعال فتيل الأزمة المالية الملتهب أصلاً. وفي أحدث تقرير لها خفضت موديز التصنيف الائتماني لديون الأيرلندية إلى ما دون المستوى الاستثماري لتصبح بذلك ثالث دولة في منطقة اليورو يتم تخفيض تصنيفها بعد كل من البرتغال واليونان.
ولم تسلم الولايات المتحدة نفسها التي تؤوي الوكالات الثلاث من سطوة تلك الوكالات، حيث وضعت موديز في وقت سابق الاقتصاد الأميركي تحت المراقبة وهددت بخفض تصنيفه في حال التخلف عن سداد الديون. كما تتعرض الصين أيضاً لضغوط كبيرة من تلك الوكالات، حيث أشار تقرير صاد عن موديز إلى أن الديون الحكومية المحلية في الصين والمقدرة بنحو 1.7 تريليون دولار أكبر بكثير مما تقوله بكين. ووجهت مفوضية العدل الأوروبية كلمات شديدة اللهجة للوكالات الثلاثة قائلة إن تخفيض هذه الوكالات للجدارة الائتمانية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يعرض منطقة اليورو بأكملها للخطر.
وأضافت أنه يجب على أوروبا ألا تترك نفسها فريسة لاتحاد من ثلاث شركات أميركية كي يدفعها إلى اليأس. وتهيمن الوكالات الثلاث على سوق التصنيف الائتماني للشركات الكبرى والعملات والديون السيادية. وعلى المستوى المحلي فقد تخلت العديد من الشركات عن شركات التصنيف بعدما أصدرت تقارير غير موضوعية ومن ضمنها شركة ابوظبي للطاقة وبنك الإمارات دبي الوطني وشركة دبي للاستثمار وغيرها من الشركات الأخرى، حيث اتضح أن المعلومات التي بنيت على أساسها التقارير لم تؤخذ من الشركات وإنما من تقارير خارجية.
دفاع الوكالات
وفي تصريح لـ«البيان» دافع متحدث باسم وكالة ستاندرد آند بورز عن الوكالة قائلاً إن وكالته ستستمر في إعطاء «رأيها» حول القدرات الائتمانية بالاعتماد على معايير الشركة «المعلنة»، وبأن تصنيفات الشركة كانت أكثر ثباتاً من أسعار السندات الحكومية وسندات مقايضة العجز التي تمنحها شركات التأمين على حد تعبيره، وعزا ما حصل في أوروبا خلال 2010 إلى «حدوث تغير عكسي في مشاعر المستثمرين»، ومع ذلك استمرت ستاندرد آند بورز في إعطاء رأي أكثر توازناً من الأسواق حول الجدارة الائتمانية لبعض أعضاء دول اليورو، وأشار بأن موقف الشركة لم يتغير اليوم، مشيراً إلى أن التصنيفات المنخفضة التي منحتها لبعض الدول الأوروبية - دون تحديد الاسم- يبقى أكثر توازناً من تقييمات الأسواق.
وأضاف المتحدث :»نحن ندرك أن تقييماتنا لا تلقى الترحيب أحياناً من قبل المستثمرين أو المسؤولين، ولكن إذا تغيرت الجدارة الائتمانية بحسب رأينا، فمن واجبنا تجاه المستثمرين أن نعبر عن ذلك كما نراه، من دون خوف أو تفضُل ودون الالتفات إلى الذرائع السياسية. فدورنا هو توفير رأي مستقل حول الجدارة الائتمانية بغض النظر عن أي تبعات قد تحدث أو لا تحدث في الأسواق، أو أن نقدم الاقتراحات حول ما يمكن عمله بشأن إعادة هيكلة الديون للدول.» في حين رفضت موديز إعطاء أي تعليق على تصريحات مفوضة العدل في الاتحاد الأوروبي فيفيان ريدنغ.
حيادية الجغرافيا
وعلى إثر خفض موديز تصنيف الديون السيادية للبرتغال الأسبوع الماضي إلى عالية المخاطر وإعلان فيتش بأنها تعتزم خفض تصنيف الديون اليونانية إلى مستوى العجز عن السداد طالبت أوروبا مجموعة العشرين بالاتفاق على تفتيت اتحاد الشركات الثلاث إلى ست شركات. وقالت إن البديل عن ذلك هو تأسيس وكالات تصنيف أوروبية وآسيوية. لكن الوكالات نفسها كانت سبباً وفقاً لمحللين في الأزمة المالية التي ضربت الأسواق العالمية في 2008.
تسييس التقارير
ويتهم العديد من المتابعين التقارير التي تصدر وكالات التصنيف بأنها مسيسة لخدمة مصالح بعض الأطراف من جهة، ومحاولة منها لابتزاز الدول والشركات لتحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى. ومن هنا فقد ارتفعت الأصوات المنادية بوضع حد لعمل هذه الوكالات وإيجاد تشريع دولي يضمن حيادية ما تصدره من تصنيفات بعدما باتت تقاريرها تعمق من جراح الأزمة الاقتصادية التي شاركت في إطلاقها قبل 3 سنوات. وبناء على الأخطاء التي ارتكبتها الوكالات خلال الفترة الماضية فقد تراجعت مصداقيتها بعدما ثبت عدم صحة التصنيفات التي منحتها لبعض الشركات من جهة، ونظراً لعدم حياديتها وموضوعيتها في ما تتوصل إليه من تصنيفات خاصة على المستوى السيادي للدول.
مخاطر أميركا
وتلوح وكالات التصنيف بعصا خفض التصنيف الائتماني للسندات الأميركية في ظل التعثر الحالي في المحادثات الجارية حالياً لرفع سقف الدين الأميركي البالغ 14.3 تريليون دولار وارتفاع معدلات عجز الميزانية الأميركية. وقالت وكالات التصنيف إن عدم رفع سقف الاقتراض سيؤثر سلباً في تصنيف سندات الحكومة الأميركية ويزيد سعر الفائدة على ديونها وربما بشكل كارثي.
مخاوف أوروبا
وتتخوف الدول الأوروبية من أن خفض التصنيف الائتماني لبعض دول منطقة اليورو يعصف بثقة الأسواق في تلك الدول ويجعل سنداتها وأوراقها المالية عرضة للخطر. وخفضت وكالات التصنيف من قبل تصنيف كل من اليونان والبرتغال مع اتساع مشكلة ديونهما ووصولها إلى مستويات مرتفعة. وبالنسبة لايرلندا قالت موديز في بيان إنه تم تخفيض مستوى أيرلندا من فئة «بي إيه إيه 3» إلى فئة «بي إيه 1» وهي فئة عالية المخاطر.
وكانت البرتغال قد تم تخفيض مستواها بمقدار أربعة مستويات إلى الفئة «بي إيه 2» في الخامس من يوليو من جانب موديز أيضاً. وكان المفوض الأوروبي لأسواق المال ميشيل بارنييه قد طالب بإجازة ملاحقة وكالات التصنيف الدولية بعد أن تلقت أوروبا صفعة قوية من فترة قريبة عندما خفضت وكالة موديز العالمية تصنيف البرتغال بشكل كبير جداً. وندد عدد من المسؤولين الأوروبيين باحتكار ثلاث وكالات تصنيف عالمية فقط السيطرة على الأسواق.
ديون الصين
وقالت موديز إنها وجدت قروضاً إضافية محتملة بقيمة تصل إلى نحو 700 مليار دولار. وأوضحت موديز إن ما يصل إلى 12% من قروض البنوك الصينية يمكن أن تكون قروضاً عديمة الأداء. وسيعني خفض تصنيف الصين وضع عقبة أمام تقدم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والذي تشير العديد من التقارير إلى أنه كان المحرك الرئيسي للنمو العالمي خلال الفترة الأخيرة التي شهدت ركوداً كبيراً بسبب استمرار تداعيات الأزمة المالية.
التهديد يتعدى المدى الاقتصادي
يقول خبراء إن التخفيض الائتماني لديون سيادية لدول مثل اليونان والبرتغال يهدد الوحدة الأوروبية والاتحاد النقدي ويتحول من قضية مالية واقتصادية الى مسألة تخص الأمن والسلم الدوليين في حالة ما إذا انعكس تفكيك الاتحاد الأوروبي على الأوضاع السياسية في العالم. مشيرين إلى أن دعوة المفوضة الأوروبية لشؤون العدل للتخلص من وكالات التصنيف الائتماني الأميركية الجنسية واستبدالها بأخرى تؤسس في أوروبا، هي دعوة غير واقعية. فالشركات الثلاث التي تهيمن على سوق التصنيف الائتماني متجذرة في عقول المستثمرين من شركات وأفراد وأي تأسيس يقوم على ردة الفعل لشركات بديلة لن يجعلها تزيح الأخوات الثلاث الأكثر هيمنة على اقتصاد العالم. وما لم يتم ذلك في إطار مسعى دولي تتبناه الأمم المتحدة، فإن الشركات البديلة، سوف لن تحظى بثقة أحد من المستثمرين الذين هم عماد أهمية أي تصنيف ائتماني.
الازمة المالية وتضارب المصالح
نسبت المجلة الأسبوعية - ويك آند ماغازين - التابعة لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، إلى العديد من المراقبين الماليين في الولايات المتحدة اتهامهم وكالة موديز، الأميركية، بأنها كانت سببا رئيسيا لأزمة الرهونات العقارية الأميركية التي أدت في ما بعد إلى الأزمة المالية العالمية. ولعل التفسير الممكن لهذه الاتهامات هو تضارب المصالح المتمثل بحصول هذه المؤسسات على إتعابها من البنوك أو جهات الإصدار التي تصنف منتجاتها كما يتمثل بعدم الالتزام بالاستقلال المهني والذي قد ينجم عن أخذ هدايا من قبل الموظفين أو أي نوع من المزايا المالية.
وكالات التصنيف خدعت المستثمرين
أكد أحدث التقارير الصادرة عن أرنست أند يونغ، أن وكالات التصنيف الائتماني تأتي في المرتبة العاشرة في سلم الأسباب التي كانت مسؤولة عن الأزمة المالية العالمية. فقد قامت هذه المؤسسات بمنح تصنيفات عالية، لاستثمارات غير مستقرة، ما أدى إلى خداع الكثير من المستثمرين، وتورّطهم فيها، وهو ما ظهر جلياً بعد أن بدأت ملامح الأزمة تتضح للعيان. هذا الأمر أدى ليس فقط إلى اعتراضات استوجبت قيام المفوضية الأوروبية إلى تقييم مجموعة من الاقتراحات، التي تفرض شروطاً صارمة على مؤسسات بل أيضا إلى قيام مجلس النواب الأميركي باتهام هذه الشركات بأنها تجاهلت كل إشارات الخطر لأسباب غير موضوعية. فقد استخدمت المؤسسات المالية المصدرة للمنتجات المالية وخاصة الرهونات العقارية والسندات التصنيف الصادر عن مؤسسات التصنيف الائتماني لترويج منتجاتها وبيعها على أنها منتجات منخفضة المخاطرة ومأمونة.
