طالب خبراء محليون بضرورة إيجاد بديل لوكالات التصنيف الدولية لتي اعتبروها أدوات لفرض الهيمنة وتجميع المعلومات عن اقتصاديات دول العالم لصالح دولة عظمى واحدة. وأشار الخبراء إلى أن الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول الغربية، بدأت توجه سهام الانتقادات للوكالات التي صنعتها بنفسها بعد أن ذاقت من نفس الكأس الذي شربت منه الشركات الإماراتية.

اتهامات متجددة

وقال الدكتور همام الشماع، الخبير الاقتصادي، إننا لم نظلم وكالات التصنيف الائتماني عندما اتهمناها بغير الموضوعية والمسيسة أحياناً. فاليوم تأتي نفس الاتهامات التي كنا تحدثنا عنها قبل نحو السنتين من الاتحاد الأوروبي الذي يواجه مأزق الديون السيادية، والذي تعرضت بعض دوله لتخفيض تصنيفاتها الائتمانية. وأشار الى أن مسؤولة المفوضة الأوروبية لشؤون العدل فيفيان ريدينج وجهت مؤخراً كلمات شديدة اللهجة إلى ثلاث وكالات تصنيف ائتماني تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، قائلة: إن تخفيض هذه الوكالات للجدارة الائتمانية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يعرض منطقة اليورو بأكملها للخطر. وأوضح أن هذه الوكالات أصبحت شراً لا بد منه. فهي في الوقت الذي تتعرض فيه للذم وتتلقى الاتهامات حتى من الكونغرس الأميركي نفسه، تارة بتعارض المصالح وأخرى بعدم الموضوعية وثالثة بمحاباة البعض على حساب آخرين، إلا أنه لا احد يمكنه التخلي عنها ولا إيجاد البديل لها في ظل جهود انفرادية. وأشار إلى أن البديل لهذه المؤسسات يجب أن يتم في إطار مسعى أممي داخل أروقة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجمعية العامة والذي على الرغم من انحسار دوره، إلا أنه يبقى الجهة الأكثر اختصاصاً لبحث هذا الأمر الذي بات يهدد أمن الدول وأمن كياناتها فهذا المجلس يعتبر مسؤولاً عن نشاط الأمم المتحدة الاقتصادي والاجتماعي ويعمل بالتشاور مع المنظمات غير الحكومية التي تعتني بالمسائل التي تهم المجلس.

أخطاء كبيرة

ويقول عبد الله الحوسني، الخبير المالي، إن الأزمة المالية العالمية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن التصنيفات الائتمانية باتت اقل قيمة من ذي قبل، بعدما تم اكتشاف أخطاء الكثير من وكالات التصنيف، وذلك رغم إدراكنا أنه لا يمكن لأي دولة أو شركة التخلي عن هذه الوكالات ولكن ذلك لا يعني التهاون في الرد على تقاريرها وتفنيدها. وأكد الحوسني أن الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها وكالات التصنيف تمثلت في عدم قدرتها أو تمكنها من إصدار تحذيرات قبل الأزمة المالية في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، بل إنها لم تصدر أي بيانات تتعلق بشكوك حول رصانة الموقف المالي للمؤسسات المالية الكبيرة وهناك مؤسسات مالية كبرى حصلت على تصنيفات متقدمة، وعندما انهارت كانت تحتفظ بتلك التصنيفات. واشار الى انه من الملاحظ على المستوى الخليجي زيادة نشاط هذه الوكالات، حيث بدأت منذ 3 سنوات بإعادة التقييم بشكل مكثف شمل التصنيفات الائتمانية السيادية لبعض الدول وعدد كبير من الشركات ولكن الكثير من هذه التصنيفات لم تكن محايدة أو موضوعية في ما خلصت إليه من نتائج.

تقدير البلاء

ويقول محمد علي ياسين، رئيس الاستثمار في شركة كاب إم للاستثمار، إن هنالك اختلافاً حول شركات التصنيف وما تعنيه تقييماتها، فالتصنيفات تختلف بحسب المعاملات المختلفة في البنوك والمؤسسات الاستثمارية فمثلاً قد يحصل بنك أو مؤسسة ما على تقييم A مثلاً، ولكن لا يعني ذلك بالضرورة أنه ذو ملاءة عالية أو قوي من حيث العملات الأجنبية فقد يحصل البنك على تقييم مرتفع لأنه يعمل ضمن دولة ذات تقييم مرتفع في الأساس. وأعتقد أنه من المهم حصول المؤسسات المالية والبنوك على تقييم ائتماني من قبل شركات التصنيف الائتماني العالمية للقيام عن اطلاع ودراية بعملياتها الاستثمارية كالإقراض والاقتراض وإدارة المخاطر أو المشاركة في تحالفات اقراض أو الاستثمار في أسهم شركة ما أو التوسع في دول أخرى ووضع التسعير المناسب لتكاليف القروض الذي يختلف باختلاف التقييم، فقبل الدخول في تلك المعاملات تحتاج البنوك لمعرفة الموقف الائتماني للأطراف التي ستتعامل معها وبناء على التصنيفات الائتمانية يستطيع المستثمرون المقارنة بينها وبين شركات أخرى ووضعها ضمن الفئة المناسبة، خصوصاً وأن كل درجة لها تأثير على كلفة الاقراض أو الاقتراض، كما يمكن للتقييم أن يتغير بعد عملية «المراجعة المستمرة» التي تقوم بها شركات التصنيف للبنوك والمؤسسات. فالتقييم إذاً أمر ضروري لعمل ونمو تلك المؤسسات. ولكن هذا لا يمنع أن لتلك الشركات أخطاء، فأحياناً تعطي نظرة مستقبلية وتقييم خاطئ عن الاقتراض أو الاستثمار في شركة ما كما حدث مع مصرف «ليمان براذرز» الاستثماري الأميركي في خريف 2008، أو أن تبالغ في تقييمها حول المخاطر وبشكل استباقي كمن يتحدث عن «البلاء قبل وقوعه» مثلما يحدث اليوم مع اليونان التي يقول الخبراء إنها تواجه شبح الإفلاس بسبب شركات التقييم.

مرجعية معيارية

من جانبه قال سوريش كومار، الرئيس التنفيذي في الإمارات للخدمات المالية التابعة لبنك الامارات دبي الوطني، إن التقييم الائتماني مهم بالنسبة للبنوك للحصول على مرجعية معيارية من قبل جهة مستقلة ليستند إليها البنك في تقييم موقفه من حيث المنافسة مع بنوك أخرى من ناحية، والوقوف على جدارته الائتمانية من ناحية أخرى. وأكد أهمية التقييم عند طرح أحد الأدوات الاستثمارية كالصكوك والسندات لكي يتمكن المستثمرون من أخذ قرارات مطلعة من دون الحاجة إلى جمع المعلومات بأنفسهم لتعذر الوصول إلى تلك المعلومات بأنفسهم في معظم الحالات في حين أن شركات التقييم قادرة على الوصول والاطلاع على بيانات الشركة بالتفصيل. كما أن الكثير من المستثمرين لا يقوم بالاستثمار في شركة ما، إلا إذا كانت تلك الشركة حاصلة على تقييم من إحدى شركات التقييم العالمية.

فقدان المصداقية

وأشار جورج الحداري، رئيس الأسواق العالمية في بنك «إتش إس بي سي» لمنطقة الشرق الأوسط، إلى أن حصول الشركات على تقييم قوي هو أمر مهم، لأن ذلك يسمح للشركات بجمع الأموال في الأسواق العالمية بمستويات فائدة مجدية. كما أن الشركات التي لا تحصل على تقييم يتم النظر إليها على أنها قد تكون ضعيفة ومعرضة للمخاطر الائتمانية، ولذلك تكون كلفة إقراضها مرتفعة بالمقارنة مع الشركات التي لها تقييم. ويضيف الحداري: «وعلى سبيل المثال فإن أحد أسباب نجاح بنك «إتش إس بي سي» في بيع الصكوك التي أصدرها مؤخراً، يعود إلى أن البنك يتمتع بتقييم قوي تاريخياً. وأما مؤخراً وبعدما بدأت أسباب الأزمة العالمية تطفو على السطح، فقد بدأت شركات التقييم تفقد بعضاً من مصداقيتها، ولذلك فإن المستثمرين اليوم لا يعتمدون حصرياً على تقييم الشركات قبل الاستثمار فيها، واليوم لا يزال الكثير من المستثمرين ينظر إلى الشركات ذات التقييم على أنها أكثر أماناً وبالتالي أكثر جاذبية في الأسواق العالمية».