يتفق المراقبون على أن ثمار التعافي العقاري الذي يشهده السوق متعددة وأبرزها التصحيح السعري في قيم البيع والإيجار فضلاَ عن تزايد كم ونوع الفرص الاستثمارية على خلفية تراجع تكلفة تنفيذ العقار وإدارته.لكن بقاء تلك الثمار مرتبط ببقاء الأسباب التي أدت لها ما يجعل عمرها ليس بالطويل. لذلك يرى المراقبون بأن صور التعافي تتجلى بقوة في ولادة سوق ثانوي للعقار على مدى السنوات الخمس المقبلة حتى عام 2016 بدعم من دائرة أراضي وأملاك دبي ومؤسسة التنظيم العقاري في إطار سعيهما لتطويق آثار الأخطاء التي ارتكبها البعض إبان الطفرة العقارية 2004/2008.
لقد بات من الواضح ظهور تلك السوق العقارية الثانوية يحركها مستثمرون جدد خبروا على نحو محدود لعبة الاستثمار العقاري عقب الأزمة المالية إلى جانب وسطاء حرفيين يحاولون النهوض بمسؤوليات أكثر المهن والأنشطة العقارية تأثيراً في السوق. وربما يمكن تفسير سبب حفاظ العقارات في بعض المناطق على قيمها ما يقود للاعتقاد بأن الأسعار لن تبقى على حالها خلال السنوات الخمس المقبلة بسبب الامتصاص المتوقع للمعروض ولنضج الصفقات العقارية في أوساط المستثمرين الجادين.
ويعتقد الكثير من المراقبين والمهتمين بصناعة العقار ومتابعي أدائه بأن الإشارات على مدى نجاح السوق الجديدة قد تبقى في نطاق ضيق يحرمها من التحول إلى ملامح قوية ما لم يتوفر لها أرضيتان...الأرضية الأولى: التسريع في إصدار وتطبيق بعض التشريعات المتصلة بتنظيم العلاقة ما بين أطراف التعاقد العقاري إلى جانب ما يتصل بتنظيم الرهن العقاري والارتقاء أكثر بأداء جمعيات الملاك وتوسيع نطاقها.
أما الأرضية الثانية فتتلخص بمقترح الإبقاء على التدخل الحكومي أينما تطلب ذلك لضمان عدم تعريض تلك السوق الجديدة لتحديات غير محسوبة قد تدفع إلى تقليص حجم الفرص الاستثمارية وابتلاعها من قبل نفر متمرس على استغلال الفرص في الأزمات. ويقترح المتابعون للسوق صياغة التدخل الحكومي في إطار المحافظة على المصلحة العليا من دون المساس بشخصية السوق المفتوحة ولكن على أوضح وأوسع من الطريقة المرنة التي تعاملت بها الحكومة مع قضايا ارتفاع أسعار بعض السلع ومن بينها مادة الاسمنت وأقرب من الطريقة التي تعاملت معها في ضبط إيقاع الزيادات في القيمة الإيجارية.
تصحيح متوقع
إن تراجع أسعار العقارات والإيجارات في إطار حركة تصحيح كانت متوقعة منذ زمن ويبالغ البعض ومن دون الاستناد إلى وقائع في وصفها «بالخطيرة» بدأت في تشكيل سوق جديدة ينبغي حمايتها من أخطاء الماضي والتعامل معها بما يتلاءم وطبيعة المرحلة الدقيقة التي تمر بها صناعة العقار والأنشطة الاقتصادية العديدة المرتبطة بها.
ويعتقد الكثيرون بأن الإفراط في إطلاق المشاريع على الورق عشية الطفرة وإدخال عدد محدود منها إلى حيز التنفيذ من جانب الشركات والأفراد في القطاع الخاص أدى إلى بروز ظاهرة الـ«أنا» المتضخمة والتي يغذيها الانشغال بالأرباح في السوق العقاري وتوسيعها وزيادتها من دون تخطيط أو دراسة لاحتياجات السوق في المستقبل.ولم يكن غريباً أن يصاب أصحاب أغلب تلك المشروعات بالعمى فلم يعودوا قادرين الإحساس بحاجة السوق إلى تشريعات أو آليات تنفيذها.
ووقفت تلك الـ«أنا» بالأمس القريب صفاً واحداً مع تداعيات الأزمة العالمية بفاتورة كبيرة مستحقة الدفع. وتتنوع فقرات الفاتورة بين ثمن عدم وضوح العلاقة التعاقدية سواء بين المطور الرئيس والثانوي أو بينهما كل على حدة أو مع كليهما مع المشتري أو كلهم جميعاً مع السلطات المختصة والمعنية بالسوق العقاري. يرى المراقبون بأن ثمن غياب التنسيق المسبق بين كبار المطورين تحت عنوان التنافس لا التكامل وتملصهم من الالتزام بقوانين التنظيم العقاري طمعاً بتحقيق المزيد من المكاسب أدى إلى الضغط على الدوائر الحكومية الساندة للقطاع العقاري وتعريض مواردها للهدر.
ويكفي لإثبات ذلك حالة التشظي التي أصابت هيئة الطرق والمواصلات قسراً في هرولتها بجميع الاتجاهات لدعم المشاريع العقارية بالبنى التحتية ومع أنها تميزت ونجحت في الامتحان إلا أنها دفعت ثمناً باهظاً بسبب ظهور بعض المشاريع خارج أبسط مفاهيم العمران والتخطيط الحضري القائم على بديهية التوسع الأفقي لا العشوائي الذي تتفاخر به تلك الشركات العقارية وتصفه زوراً بالتنافسي.
دعوات
ويدعو المراقبون اليوم إلى بذل المزيد من الاهتمام ورعاية السوق الثانوية بوصفها دعامة رئيسية في بناء سوق عقاري ناضج وشفاف في تعاملاته، فضلاً عن إبراز النتائج التي تحققها مبيعات الأراضي والعقارات في الوقت الراهن والتي تعكس تطوراً مهماً بوصول متوسط مبيعاتها نحو 60 عملية بيع نقدي يومياً في دبي وحدها. وتتعدد مقترحات المتابعين للسوق العقاري بضرورة قطع الطريق أمام عودة المضاربين والتفريق بينهم وبين المستثمرين الجدد لضمان عدم جر السوق إلى عمليات تراجع في مبيعات العقار ما يعني ضمناً وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة إلغاء بدل تأجيل بعض المشاريع أو مراحل محددة منها.
لقد أدت التراجعات الديناميكية في أسعار الأراضي ومواد البناء والمحروقات نوعاً ما وتكاليف التنفيذ وأجور الأيدي العاملة وبمعدلات ليست بالهينة إلى دعم ظهور السوق الثانوي لكن بعض الشركات العقارية لا تريد الشركات إشهار حماستها وشعورها بالارتياح لهذا التطور. فتلك الشركات تخشى على حصتها في السوق كما يتسبب لها بالصداع ظهور صيادي فرص محترفين قد يسارعوا إلى رفع الأسعار مجدداً بمجرد عودة تلك الشركات إلى معاودة إطلاق البناء في المشاريع التي أعلنوا عنها وأجلوها لاحقاً بسبب الأزمة.
سوق الإيجارات
وإذا كان سوق التملك الحر يشهد ولادة لسوق ثانوي أكثر نضجاً وشفافية فإن سوق الإيجارات يشهد تطورات مهمة لم تكن لتتحقق في مخيلة أي مراقب ومتابع لأوضاعه. إذ يتابع المراقبون باهتمام بالغ التحرك اللافت والفاعل من المؤجرين للاحتفاظ بالمستأجرين في إطار عملية تصحيح تتصاعد على محورين، الأول يتعلق بتراجع طبيعي للأسعار والثاني يرسم علاقة صحية وموضوعية بين المستأجر والمؤجر الذي كان حتى وقت قريب الطرف الأقوى الذي يملي القيمة الايجارية بعيدا عن معطيات العرض والطلب في سوق الإيجارات في الإمارات عموما ودبي على نحو خاص.
ويلقى قيام ملاك العقارات بتقديم سلة مبادرات للمستأجرين ترحيباً في السوق وتولد قناعة بأنها ستساعد المستأجرين على ترتيب أوضاعهم بطريقة أكثر استقرارا من ذي قبل. فيما يؤكد الخبراء بأن توجه المؤجرين لتحصيل إيجاراتهم عبر 12 دفعة بدلاً من 4 دفعات أو التعاقد على الإجارة المنتهية بالتملك ستمنح سوق الإيجارات وعقارات التملك الحر المزيد من الجاذبية وتحقق المزيد من الاستقرار في سوق العمل. لقد عدل العديد من الملاك عن مطالبة المستأجرين بما يعرف بإيجار المثل بسبب تراجع القيمة الايجارية في مناطقهم في إطار عملية تصحيح على خلفية رجحان كفة العرض على الطلب ما يجعل الإبقاء على قيمة العقود الحالية أو زيادتها بنسب قليلة في متناول المستأجر أفضل بكثير من بقاء الوحدة السكنية شاغرة.
ويغتنم العديد من المستأجرين فرصة التصحيح ألسعري لتغيير عقاراتهم المؤجرة إلى مساحات أكبر بقيمة أقل أو شراء عقارات بأسعار منافسة دون الحاجة إلى قروض عقارية أو تمويل مصرفي. وسيتوجب على مؤسسات التمويل عدم هدر الوقت في مراقبة السوق والتعجيل في التحرك لمواكبة متطلبات المستأجرين والمشترين بمرونة أكبر لاسيما وان البنوك تقر بوجود صفقات عقارية يجري إبرامها من دون تمويل مصرفي ما يفوت على تلك المؤسسات فرصة تعظيم أرباحها. وبينما تتفاوت مؤشرات العرض والطلب في أسواق إيجارات عموم مدن الدولة إلا أن أسواق دبي وابوظبي والشارقة وعجمان تحديداً تشهد حالياً دخول عشرات المباني إلى السوق.
عوائد أعلى
يقر معظم الوافدين الجدد لدبي بأن مستويات الإيجار في هذه المدينة باتت تشبه إلى حد بعيد مثيلاتها في لندن، ولكن الواقع يبقى أن أسعار المنازل في دبي ما زالت أقل من مثيلاتها في لندن بحوالي 25% إلى 30% مع فارق الجودة والخدمات لصالح عقارات دبي. بينما يرى مراقبون بأن عقارات دبي أقل سعراً من عقارات لندن بنحو 50% ولا توجد بيانات تؤكد صحة هذا الرقم لكن الأكيد بحسب المراقبين هو أن تبدأ هذه الفجوة بالتزايد مع انخفاض أسعار المنازل في لندن في الوقت الحالي على خلفية تداعيات الأزمة العالمية من جهة وتفعيل قانون الضرائب البريطاني من جهة أخرى.
يقول الخبراء بأن : من غير المنطقي تصور بيع العقارات بأسعار مخفضة حول معدل الأسعار العالمية في العاصمة التجارية للشرق الأوسط خلال فترة الازدهار النفطي. وما زال هذا الأمر يحدث إلى الآن، حيث المعيار هو ثمن العقارات المكتملة. وعلى سبيل المثال قم بقياس سعر فيلا ضمن أي مشروع عقاري في دبي وستكون المفاجأة بأن سعر القدم المربع فيها أقل بنحو 300 دولار مقارنة بأي عقار مماثل في أي ضاحية من ضواحي لندن مع ملاحظة أن المبلغ سيتضاعف في مركز المدينة.
أسعار فائدة
يؤدي ارتباط الدرهم بالدولار إلى انخفاض أسعار الفائدة في دبي نتيجة لانخفاضها في الولايات المتحدة الأمريكية في حين نرى معدلات الفائدة مرتفعة في منطقة اليورو على خلفية ارتفاع الأخير مقابل الدولار. وقد أدى ذلك لزيادة أسعار العقارات في دبي والإمارات عموماً في الفترة السابقة. وعلى الرغم أن أسعار العقارات في لندن بدت مرتفعة لبعض المراقبين في عام 1998 إلا أنها ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف في العقد التالي. لكن دبي مختلفة كما يرى الخبراء. فالفارق يكمن في كون دبي سوقاً ناشئة مع كثير من الإمدادات العقارية الجديدة على وشك الانجاز خلال السنوات الثلاث المقبلة رغم تأجيل العديد منها. بينما لم تمتلك لندن هذه الإمدادات الجديدة الأمر الذي أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار بسبب النمو الاقتصادي واقتراض الناس أموالاً تبدو الآن سخيفة للاستثمار في قطاع الإسكان.
بين دبي ولندن
من المؤكد أن تؤثر زيادة المعروض بصورة رئيسية على الإيجارات وتعمل على استقرارها حيث سيضطر المشترون لقبول عوائد أقل من استثماراتهم في عقارات دبي. ولكن لا يزال هذا القطاع جاذباً للمشترين بسبب وصول نسبة الفائدة على الودائع بالدرهم مابين 3 إلى 3.5%. وبالمقارنة فإن عوائد الإيجار في دبي مرتفعة مقارنة بلندن في الوقت الحاضر حيث تتراوح بين 8% و10% في مناطق معينة في دبي في حين تصل إلى مابين 9% و11% عائد على الاستثمار في دبي مقارنة بمثيلاتها في لندن، وهذا هو القطاع الذي يمكن فيه رؤية الضغط النزولي ولكن ليس على الأسعار التي لا يزال أمامها طريق طويل لتصل لمستوى الأسعار العالمية التي في طريقها إلى أسفل.
