يتناقل الكثيرون بلغة متشائمة أنباء وإحصاءات وأرقام تتحدث عن حجم الفائض العقاري السكني والمكتبي في السوق المحلي بشقيه (الإيجارات والتملك الحر). ويرى هؤلاء بأن المشهد العقاري قاتم في ظل وجود 25% من المـــشروعات العقارية الشاغرة فضلاً عن توقعات رسمية بدخول نحو 100 ألف وحدة في دبي وحدها خـــلال الفترة ما بين 2011 و2016. لكن المراقبين ينتقدون تلك الآراء ويصفونها بالعاطفية التي لا تستند إلى قراءة المشهد العقاري كاملاً لاسيما وأن صناعة العقارات ليست بمعزل عن الكثير من المتغيرات التي تؤهلها إلى النهوض للعب دور مؤثر في الإقتصاد كما أهلتها قبل أعوام لقيادة قاطرة النمو.

وحددوا تلك المتغيرات بخمسة عوامل يتوقع لها أن تقف بقوة وراء تفعيل دور نشاط العقارات وزيادة وتائر ومعدلات أدائه إزاء باقي الأنشطة الإقتصادية خلال السنوات الخمس المقبلة. ورسم هؤلاء معالم تلك العوامل الخمسة على أنها قد لا تظهر بشكل واضح أمام من يعتقد بالمستقبل المقلق للسوق العقاري لاسيما عند إجراء نقاشات سطحية لا تأخذ بنظر الإعتبار كل من المحركات التي من شأنها قلب المعادلة في السوق العقاري خلال الفترة المقبلة وهي (زيادة السكان، ونمو معدلات التوظيف، وتزايد أعداد الشركات التي تنقل أو تفتح مقارها الإقليمية والعالمية في الإمارات، والجدوى الإستثمارية لتملك العقارات في الدولة بالنسبة للأجانب، وتحلي السوق العقاري مجدداً بصفتي الجاذبية والتنافسية مقارنة بمثيلاتها العالمية)... والى التفاصيل.

 النمو السكاني

يقول المراقبون بأن من بين أبرز العوامل التي يؤمل لها أن تلعب دوراً مهماً في إمتصاص المعروض من السوق العقاري الزيادة السكانية في الدولة. فالأموال الطائلة التي تنفقها الإمارات على البنية التحتية تهدف إلى تلبية الطلب الكبير الذي تشهده نتيجة النمو السكاني فيها بالدرجة الأولى. ويعتقد المراقبون بأن حظوظ سوق التملك العقاري تزداد تناغماً مع الحقيقة القائلة بأن المستثمر قد لا يشتري عقاراً أو يحتفظ به - في بلد لا يشهد نمواً وزيادة في عدد سكانه ذلك ان زيادة عدد السكان تعني من ضمن معطياتها واستحقاقاتها المزيد من الطلب على العقارات وذلك يعني في كثير من الأحيان زيادة في القيــمة الرأسمالية للعقار على المدى البعيد.

ونبه المراقبون من مغبة المبالغة في تصوير حجم المعروض في السوق العقاري والتي تؤدي إلى تعميم ساذج لحالة ذعر غير مبررة لأن من الطبيعي أن تمنع تلك العملية المضللة بروز مشاعر الحذر والبحث عن الطرق المثلى في كيفية التعامل مع هذا الواقع ... لينطلق معها غبار أسئلة مفادها... ماذا عن استثماراتنا؟... قيمة بيوتنا؟...ومدخراتنا المالية المستقبلية؟... هذه الانعكاسات النفسية إذا لم نحسن التعامل معها قد تدفع في نهاية المطاف إلى تأثير أكبر من حجم الأزمة الحقيقي. لا شك أن استقرار النظام المالي العالمي مر بتهديد حقيقي، في المقابل رأينا ورأى العالم كله اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة سليماً قوياً متيناً، حيث يعود ذلك إلى الحنكة السياسية وعوامل النمو والتنويع في الاقتصاد الوطني لا سيما خلال العقد الماضي.

وقد رسخت الدولة مكانتها بشكل قوي لمواجهة أي اضطرابات مالية تهدد المنطقة أو العالم والخروج من تلك الأزمات بشكل أقوى من ذي قبل. ويؤكد المراقبون بأن تضاعف عدد السكان في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى 4.6 ملايين نسمة يعد عالماً مهماً زيادة حظوظ إطفاء الشاغر في السوق حتى عام 2016 فضلاً عن تزايد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 100 % ليصل إلى 37 ألف دولار طيلة الاعوام الماضية ويتوقع تزايده خلال السنوات الخمس المقبلة.

وفي الوقت نفسه، فإن اقتصاد منطقة الخليج المقدر بـ تريليون دولار تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية وحدها، ومن المتوقع أن يصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2020.وبحلول ذلك الوقت، سيتم إنجاز بعض المشاريع القيد الإنشاء حالياً أو المخطط لها، والتي تصل قيمتها إلى 205 تريليونات دولار، حيث ستساهم هذه المشاريع في تطوير البنية التحتية لدول مجلس التعاون الخليجي بما فيها الطرق، المدارس، المستشفيات، وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية.

التوظيف والأجور

يقود إرتفاع معدلات التوظيف والأجور الطلب في السوق العقاري لذلك فإن السنوات الخمس المقبلة تمثل نقطة إنطلاق جديدة لآلاف الوظائف التي تعني من جهة أخرى مقدرتها في التحول إلى عامل مهم في إمتصاص المعروض العقاري الحالي والمستقبلي. وكانت دراسة، أجرتها مؤسسة جلف تالنت دوت كوم لأبحاث التوظيف والمهن، توقعت ارتفاع معدلات الأجور في دولة الإمارات بنسبة 6,3% بنهاية العام الجاري، بارتفاع قدره 1,1% مقارنة بعام 2010، حين بلغ معدل زيادة الأجور نسبة 5,2%.

وأوضحت الدراسة أن عام 2010 كان عاماً سلمياً نسبياً، حيث شهد قطاع الأعمال وسوق التوظيف عدداً من التحولات المهمة، ولكن لم يكن هناك تسونامي في القطاع الخاص مثل ما حدث خلال عامي الازمة حيث اضطر عدد كبير من الشركات إلى اتخاذ قرارات مؤلمة في التخلي عن موظفيها، لا سيما بعد أن قررت بعض الشركات، التي قاومت الضغوط لتقليص حجم عمالتها في ضوء تفاؤلها بحدوث التعافي المنتظر، أنها لن تستطيع التحمل أكثر مما تحملته واضطرت إلى التخلي عن بعض موظفيها لكي تتمكن من البقاء. وواصلت شركات أخرى استغلال الفرصة لتطوير قدرات موظفيها، وغالباً برواتب أدنى، خاصة في قطاعات مثل قطاع الإنشاءات، الذي شهد عرضاً كبيراً من الكوادر المتميزة التي أطلقت في الأسواق.

وأشارت الدراسة إلى أن إمارة أبوظبي شهدت نمواً في مجال التوظيف العام الماضي على الرغم من أنه كان أقل من العام الذي سبقه، وذكرت الدراسة أن سكان الإمارات من المواطنين والمقيمين يتمتعون بأحد أعلى معدلات الزيادة في الرواتب بالمعنى الحقيقي، أي الزيادة في الرواتب مقارنة بمعدل التضخم، وبالمقارنة. وتوصلت الدراسة إلى توقعات بأن يستمر استقرار سوق التوظيف في الخليج خلال عام 2011 مع تواصل خلق الوظائف بمعدل معتدل، كما يتوقع نمو الرواتب بمعدل 7 في المائة تقريباً، وأنه من المتوقع أن يسهم التعافي الاقتصادي حول العالم وارتفاع أسعار النفط في تسريع الطلب على الأعمال والتوظيف في الامارات. 

مركز عالمي

لاشك أن تحول الإمارات خلال السنوات الماضية إلى مركز عالمي للشركات التجارية جاء بمئات العلامات التجارية فضلاً عن الأيدي العاملة على مختلف مستوياتها المهنية وتنوع خبراتها وثقافاتها وساهمت تلك الشركات في زيادة النمو في السوق العقاري على صعيدين الأول تأجير المكاتب والوحدات السكنية. ومع تزايد الثقة الدولية بتحول الإمارات إلى أكثر الدول أماناً وتمتعها بأفضل البيئات الإقتصادية لجهتي البنية التحتية والخدمات فإن العديد من الشركات العالمية والإقليمية وفي ظل التوترات التي تشهدها المنطقة لم تجد بدا من إتخاذ قرار الإنتقال لمواصلة نشاطها إنطلاقا من الإمارات وهذه بحد ذاتها تمثل محركاً جديداً لنمو السوق العقاري ومساهمة فاعلة في عملية إمتصاص المعروض. وطبقاً لوزيرة التجارة الخارجية،معالي الشيخة لبنى القاسمي، فإن الإمارات تُعد مركزاً اقليمياً لأكثر من 25٪ من أكبر الشركات العالمية، كما تحتل مركزاً متقدماً بين أكبر البلدان التجارية بحسب تصنيف منظمة التجارة العالمية.

 القيمة الرأسمالية للعقار

يجزم الخبراء وشواهد التاريخ الإقتصادي بأن العقارات قناة إستثمارية طويلة الأمد بوصفه من الحاجات الإنسانية الأساسية لذا فإن بقاء المعروض العقاري في الإمارات عموماً ودبي على وجه الخصوص يناقض دلالات الواقع المستقبلي فضلاً عن تقاطعه مع تلك الشواهد التاريخية. ولأن العقار قادر بحكم كونه سلعة إستثمارية طويلة الأمد على التكيف وزيادة قيمته الرأسمالية فإن السنوات الخمس المقبلة لن تبقي الأسعار على حالها اليوم بعد تصحيح شهدته ويشهد السوق.

وقد يعتقد البعض بأن هذا الكلام مجرد تحريض على امتلاك المنزل لاسيما وأن القيمة الرأسمالية للعقار قد تتراجع لهذا السبب او ذاك! والجواب المنطقي على ذلك هو ان المنزل لا يفقد سعره أو قد يتراجع مع مرور الزمن، وقد رأينا كيف إن صندوق النقد الدولي يقول ان معدل تراجع اسعار المنازل في الأسواق الناشئة كان بحدود 30% في السنوات الأربع الماضية، (هذا يبرز التفاوت مع التراجع الحاد الذي سجلته أسواق الأسهم في الأسواق الناشئة).

وحتى تكون المعادلة مترابطة فعلينا أولا الإشارة إلى أن سوق عقارات دبي مستقر حالياً على نحو أفضل من السابق بعد أن حافظت اسعار المنازل والايجارات فيه على المنحى المستقر بعدم تعريض القيمة الى المزيد من التصحيح وبطريقة اذهلت الجميع.وبما ان وقت التصحيح السعري قد حان تصبح عملية شراء منزل الآن او الاحتفاظ به بمثابة حماية من اعباء مالية قد تترتب على مدى سنتين مقبلتين من الزيادات المحتملة سواء في سعر البيع او في الايجار.

وبلغة الارقام اذا ما افترضنا بأن العائد العقاري في دبي يبلغ 8% لذا فإن من يشتري منزلاً يكون قد حقق خلال 5 سنوات وفراً قدره 40% من سعر المنزل كان سيدفعه في حال الايجار. واذا ما تكرر سؤال مهم آخر هو: ماذا بالنسبة للقيمة الرأسمالية للمنزل نفسه؟ سنجد أن معدل الربح السنوي بحدود 10% على مدى سنتين، تليه فترة تراجع لمدة 3 سنوات اذن ستكون الخسارة 10% من القيمة الرأسمالية للمنزل على مدى 5 سنوات. إن البعض يفهم الاستثمار العقاري في الإمارات على نحو ضيق عبر شراء او بيع العقار او تأجيره في حين يوفر هذا النوع من الاستثمار تنوعا غنياً اكتشفه العديد من محبي جني الثروات.

ويقوم المستثمرون في دبي غالباً بالشراء تجنباً لدفع الإيجارات المرتفعة، وفي كثير من الأسواق الناشئة يعتبر دفع رهونات عقارية على مدى يتراوح بين 15 الى 25 سنة بديلاً عن دفع الإيجارات، اذ انك ستملك منزلاً قيماً عند انتهاء فترة الرهن بدلاً من عدم امتلاك أي شيء عن فترة الإيجار. لكنه اضاف : حتى لو كانت قيمة الرهن العقاري تتجاوز قيمة الإيجارات في أول فترة، فان الأمر سيتغير بمرور الوقت لأن التضخم يؤثر على الإيجارات وأسعار المنازل، ولذلك يعتبر الرهن العقاري بمثابة أداة ادخارية، ولذلك لا احد يجادل في أن العقار يبقى الأداة الاستثمارية الأكثر شعبية في العالم.