ينهض الاقتصاد الوطني من تداعيات الازمة المالية العالمية بثبات واستدامة أكبر نحو تحقيق خطط التنمية والتطور، مسجلا معدلات نمو تفوقت على التوقعات، ومؤشرات على نمو متدرج في السنوات المقبلة بدفع من استثمارات البنى التحتية وخطط تنويع الاستثمارات ووضع التشريعات التي تواكب تلك الخطط. وما يلاحظه المراقب اليوم خروجا آمنا من تبعات الازمة العالمية نحو انتعاشة مستدامة يؤكدها حجم التدفق الاستثماري الاجنبي على البلاد من أقاصها إلى اقصاها وزيادة فرص التوظيف والسيولة النقدية لدى المصارف، وتحسن مستويات الاقراض والانفاق وانتعاش المؤشرات الاحصائية لكل القطاعات الاقتصادية.

في الاستطلاع التالي الذي ينشر على ثلاث حلقات تلتقي البيان بعدد من رجال السياسة والاقتصاد، للوقوف على رؤيتهم للمشهد الاقتصادي في الإمارات في السنوت الخمس المقبلة، وتوقعاتهم لاتجاهاته وفرص نموه ومعرفة التسهيلات والتحديات التي يواجهونها ونظرتهم للمستقبل من واقع أعمالهم. أكد مسئولون ورجال أعمال وخبراء ومحللون شاركوا في استطلاع البيان حول مستقبل الأوضاع الاقتصادية في الدولة أن جميع المعطيات والمؤشرات العلمية للمشهد الاقتصادي تؤكد استمرار الاتجاه التصاعدي للمؤشرات الكلية والجزئية للاقتصاد الوطني نتيجة امتلاك الدولةِ لقاعدة عريضة من التنوعِ لمكوناتِ الاقتصاد الوطني ونجاحها في بناء منظومة متطورة من القوانين والتشريعات التي تجعل من الإمارات سوقا جاذبة للاستثمارات العالمية وتميزها بموقع جغرافي ساهم في التواصل والاتصالِ بين شبكةٍ واسعة من أسواق العالم.

لكن معظم الذين شملهم الاستطلاع شددوا على أهمية التوجه لتنويع الاستثمارات خلال الفترة المقبلة وقالوا إن الاعتماد على قطاعات محددة ومقتصرة على العقار والأسهم ليس بالأمر الصائب. ورأوا أن الاستقرار الذي تشهده الإمارات يعد واحدا من العوامل المهمة للثقة الدولية بالإضافة إلى القوة المالية للإمارات والتنوع الاقتصادي بمعنى عدم الاعتماد على العوائد النفطية بصورة مطلقة وبالإضافة إلى ذلك فان الإيرادات النفطية وأسعار البترول كانت جيدة بالفترة الأخيرة مما أعطى المؤسسات المالية الدولية حافزا لإعادة النظر في التصنيف الائتماني للعديد من مؤسسات الدولة بصورة أكثر ايجابية.

 تحليل المشهد

وقال عبد الله أحمد آل صالح وكيل وزارة التجارة الخارجية إنه وإذا ما تم تحليل المشهد الاقتصادي الحالي للدولة نجد أن هذا الاقتصاد يتمتع بدرجة عالية من التميز والتنافسية، والتي كانت المحرك والمخزون الأساسي الذي عزز قدرته على تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية و الانتقال إلى مرحلة النمو الإيجابي. كما تعد الإمارات دولة ذات انفتاح اقتصادي كبير على الأسواق الدولية إذ وصلت نسبة التجارة الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 173 في المائة خلال عام 2009، مما يشير على مدى الترابط مع الاقتصاد العالمي.

وأضاف: أدى الالتزام الواسع للإمارات باستراتيجية الاقتصاد الحر والانفتاح التجاري و تسهيل حركة التجارة والاستثمار، وجهود الجهات المعنية بالدولة ومنها وزارة التجارة الخارجية، إلى زيادة معدلات التجارة الخارجية للسلع غير النفطية من 132 مليار درهم في عام 2000 إلى أكثر من 754 مليار درهم عام 2010 بمعدل نمو أكثر 471 بالمئة، فيما نمت التجارة غير النفطية عام 2010 بنسبة 14 بالمئة عن عام 2009، وذلك نتيجة الزيادة في كافة مكونات التجارة الخارجية من إعادة التصدير والتصدير كمؤشر على تحسن العوامل الاقتصادية الخارجية للشركاء التجاريين بالدرجة الأولى، والواردات كمؤشر على زيادة حجم الطلب المحلي، والذي ينتج عن عوامل من أهمها تلبية متطلبات النمو في مكونات الناتج المحلي الإجمالي.

 مقومات التنافسية

كما أدى ذلك الالتزام إلى تعزيز مكانة الدولة التجارية على مستوى العالم وساهم في تطوير موقعها في مؤشرات التنافسية والتصنيفات المختلفة للمؤسسات الدولية والعالمية خلال عام 2010 كونها بوابة التجارة الأولى لدول المنطقة ومركزاً متقدماً في خريطة التجارة العالمية. وأضاف آل صالح: بناء على هذه الإنجازات والمقومات التنافسية للدولة فإننا نتوقع استمرار نمو اقتصاد الإمارات عموما بنسبة إيجابية ونمو مؤشر التجارة الخارجية للدولة ونمو حجم التجارة الخارجية لدولة الإمارات بنسبة تصاعدية قد يصل هذا العام إلى أكثر من 20 بالمئة ، بشكل يعكس الجهود المبذولة من الحكومة لتعزيز التنويع الاقتصادي وتحفيز مختلف المكونات الاقتصادية و زيادة الصادرات الإماراتية من خلال تعزيز الأسواق الحالية خاصة الشركاء التجاريين وفتح أسواق جديدة في دول أمريكا اللاتينية والأسواق الإفريقية وآسيا الوسطى. كما توقع أن تحقق الإمارات خلال هذا العام مزيدا من الاستثمارات الأجنبية نتيجة ثقة المستثمرين العالميين باقتصاد الإمارات وتطلع مزيد من الشركات الأجنبية لسوق الإمارات الآمن وخاصة في ظل الاضطرابات التي يعيشها عدد من بلدان المنطقة العربية.

 مؤشرات قوية

ومن جانبه قال الدكتور جوعان سالم الظاهري الخبير المالي والاقتصادي إن المؤشرات الاقتصادية تتحدث عن نفسها وتؤكد عودة التعافي إلى الاقتصاد الإماراتي وتوافر إمكانات لتحقيق زيادة ملحوظة في نسب النمو خلال السنوات المقبلة. وأضاف أن اجتياز دولة الإمارات بنجاح لامتحان الأزمة المالية التي عصفت بدول العالم كان أسرع مما كان متوقعاً. وأشار إلى أن هذا النجاح في اجتياز تداعيات الأزمة ينسحب أيضا على دول المنطقة ككل. ويرى جوعان سالم إن النمو الاقتصادي في الدولة سيستمر مستقبلا لأسباب عديدة أولها إن الدولة تعد من اكبر الدول في المنطقة استقطابا للاستثمارات الأجنبية من كافة مناطق العالم وسواء من الدول العربية أو الأجنبية وذلك نتيجة لتوافر البنية المالية والاقتصادية الجيدة مدعومة بعامل الأمن والاستقرار.

وأيضا المحفزات المقدمة للمستثمرين سواء عن طريق المناطق الحرة أو المناطق الصناعية. وثاني هذه العوامل بحسب الدكتور جوعان سالم تتمثل في أن ثقة المستثمرين والمتعاملين في السوق الإماراتي تعززت بعد انحسار تداعيات الأزمة المالية العالمية بعد عام 2009. وقال: وشاهدنا ذلك جليا في انسياب الحركة التجارية وأيضا في الاستثمارات الأجنبية التي دخلت خلال هذه الفترة سواء في القطاع العقاري والقطاع الصناعي أو في أسواق المال.

ويرى جوعان أيضا أن استمرار الإنفاق الحكومي والاستمرار في تمويل المشاريع ساعد في تعزيز الثقة في القطاعين الخاص والعام وقدرتهما في استكمال المشاريع سواء الحكومية منها أو الخاصة بالإضافة إلى أن القطاع المصرفي خلال هذه الفترة نجح في تكوين سيولة جيدة أعطته دفعة قوية للنظر في تمويل بعض المشاريع الجديدة التي تحتاج إلى تمويل ويرى أيضا أن تعليمات المصرف المركزي وتوجيهاته بخصوص تخفيض أسعار الفائدة والعمولات الأخرى قد انعكست بصورة ايجابية على القطاعات الاقتصادية والمشاريع تحت التنفيذ أو المزمع تنفيذها

ويعتقد جوعان سالم إن النمو الاقتصادي سوف يستمر في دولة الإمارات ما دامت الحركة الاقتصادية مستمرة على نفس الوتيرة خلال السنوات المقبلة منوها إلى أن هناك حاجة كبيرة جدا لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإقامة مشروعات مشتركة بين مؤسسات وطنية وأخرى أجنبية وذلك لدعم موقع دولة الإمارات كقاعدة اقتصادية قوية ومتنوعة. ويقول جوعان سالم يجب أن لا ننسى أن البنية التحتية للدولة بما في ذلك تقنية المعلومات وسرعة انجاز المعاملات المتعلقة بالقطاع العقاري في بعض إمارات الدولة تحفز المستثمر ويساهم في جلب المزيد من السيولة التي تبحث عن فرص مجدية للاستثمار.

 تنويع الاستثمارات

أكد عامر العمر سالم المنصوري رئيس مجلس إدارة مجموعة المنصوري ثري بي أن الإمارات تجاوزت التأثيرات الأكبر من الأزمة المالية العالمية على اقتصادها. وقال: لقد مررنا بتجربة قد تكون صعبة إلا أنها علمتنا الكثير من الصبر لمواجهة اية تأثيرات مستقبلية على الاقتصاد الوطني ومن أهم ما تعلمناه عدم الاعتماد على قطاعات محددة كالأسهم والعقارات على حساب قطاعات أخرى أكثر أماناً وحيوية. وأضاف: بالفعل بدأت العديد من القطاعات الاقتصادية خلال الفترة الماضية استعادة عافيتها بينما تحتاج قطاعات أخرى إلى المزيد من الجهود لاستعادة عافيتها واسترداد نشاطها وأهمها قطاعا العقارات والأسهم.

 توجهات جديدة

وتوقع المنصوري خلال الفترة المقبلة أن نشهد نشاطاً اقتصاديا ملحوظاً في ظل توجهات الحكومة لدعم الاقتصاد الوطني وتنويع الاستثمارات وجذب الأموال الأجنبية وتحويل الإمارات إلى مركز إقليمي وعالمي للمال والأعمال. ورأى أن هنالك ضرورة من تنويع القطاعات الاقتصادية الواجب الاستثمار بها وعدم اقتصارها على قطاعات معينة مثل العقارات والأسهم كما حدث في الفترة الماضية. وشدد على ضرورة التوجه لقطاعات مثل الصحة والتعليم كونها تعتبر الأقل تأثرا بتداعيات أي أزمة إلى جانب أنها قطاعات تحقق ربحية جيدة وتسهم في تنمية الدولة وتحقيق الرخاء والرفاهية سواء للمواطنين أو المقيمين بها. وأوضح: شهد الاستثمار في القطاع الصحي والتعليمي نموا ملحوظاً ولكن ليس بنفس الوتيرة التي شهدتها قطاعات مثل العقارات حيث إن النمو التدريجي في قطاعي الصحة والتعليم كان مدروسا و تدريجيا وتمثل ذلك في ظهور العديد من المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة التي تقدم خدمات ممتازة وتسعى دوما لمواكبة التطورات بالقطاع الصحي إلى جانب أن قطاع التعليم قد شهد نهضة كبيرة من خلال توجه عدد من المستثمرين لإقامة مدارس خاصة واتباع أنظمة تعليم متقدمة.

 توفير الدعم

ويرى المنصوري أن توفير الدعم والتسهيلات من قبل الجهات المعنية بالدولة المشرفة على قطاعي الصحة والتعليم كفيل في تطور الاستثمارات وتوجهها نحو هذين القطاعين الحيويين موضحا أن المستثمرين ورجال الأعمال والعاملين في القطاع الخاص يحتاجون إلى مزيد من التسهيلات المشجعة على الاستثمار في هذه القطاعات التي لا تقل أهمية عن غيرها من القطاعات الحيوية بالدولة. وأفاد المنصوري إن الفترة الماضية شهدت عمليات استحواذ من قبل رجال أعمال مواطنين على مشاريع و شركات لإدارة المرافق الصحية والمستشفيات إلى جانب وجود خطط طموحة للاستثمار في القطاع التعليمي ومثل هذه القطاعات ستشكل عنصر جذب للمستثمرين خلال الفترة المقبلة.

كما شدد على ضرورة الاستثمار في القطاع الصناعي الذي يعتبر من القطاعات الواعدة التي تلقى المزيد من الدعم من الحكومة مشددا على ضرورة أن توفر الحكومة البيئة والمناخ المناسبين في هذا المجال الذي يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وتوفر بنى تحتية في الأراضي الصناعية وبمساحات كبيرة. ومن الضروري التركيز على المشاريع المتوسطة والصغيرة وتمثل ذلك من خلال دعم هذه المشاريع من خلال صندوق خليفة للمشاريع حيث جرى رفع رأس ماله إلى ملياري درهم ومد خدماته إلى جميع إمارات حيث سيلعب الصندوق دورا هاما في توفير التمويلات لمشاريع الشباب. وأرى ضرورة للتوجه للاستثمار خارج الدولة في المجال الزراعي حيث يعتبر هذا المجال حيويا وهاما ويوفر الأمن الغذائي لمواطني الدولة والمقيمين عليها.