أثارت أسعار الفائدة التي وصلت إلى نحو 10% والرسوم العالية التي تفرضها المصارف مخاوف كبيرة خلال الفترة الأخيرة. وأعربت فعاليات اقتصادية استطلعت البيان آراءها عن اعتقادها بأن مبالغة البنوك في رفع أسعار خدماتها سيؤدي إلى انعكاسات سالبة على الاقتصاد بشكل عام والقطاعات الإنتاجية والخدمية بما فيها التجارية والعقارية على وجه الخصوص. وأجمعت الفعاليات على أن القطاعات الإنتاجية والخدمية تتضرر بشدة من ارتفاع أسعار الفائدة والخدمات المصرفية
وطالبوا البنك المركزي بتعزيز صلاحياته الرقابية وإعادة عجلة التمويل إلى مسارها الصحيح. وقالوا إن المصارف المركزية في دول العالم هي عادة من تحدد أسعار الفائدة على القروض ولكن في الدولة العاملان اللذان يحددان أسعار الفائدة هما أسعار الفائدة بين البنوك وأداء الاقتصاد الأميركي إن كان قويا أو ضعيفا وخاصة في ظل ارتباط الدرهم بالدولار. ففي زمن الذروة وعندما كان أداء الاقتصاد الأميركي قويا كنا نرى ارتفاعا كثيرا للفائدة على القروض وعندما ضعف أداء الاقتصاد لم تتأثر أسعار الفائدة بهذا الضعف.
ووسط تلك المخاوف عقد بمقر المصرف المركزي في أبوظبي أول من أمس الأحد اجتماع شارك فيه خليل محمد شريف فولاذي رئيس مجلس إدارة المصرف المركزي وسلطان بن ناصر السويدي محافـظ المصرف وعدد من كبار الموظفين بالمصرف إضافة إلى وفد غرفة أبوظبي ومجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي والقطاع الخاص. وتم خلال الاجتماع استعراض المصاعب التي تواجه التجار ومستهلكي المنتجات المصرفية والأضرار الناجمة عن الأوضاع السائدة في سوق القروض والتمويلات المصرفية.
ورأت الفعاليات الاقتصادية أن الوقت قد حان ليستخدم البنك المركزي سلطاته الرقابية بشكل كامل وأن يطبق كافة الإجراءات والقوانين التي من شأنها أن تحفظ لكل طرف حقه وتحمي القطاعات الاقتصادية من أي ممارسات قد تؤدي إلى إخراج العملية التمويلية عن مسارها الصحيح وتحويلها إلى أداة سهلة للمضاربات والربح السريع الأمر الذي يضر بالقطاع المصرفي قبل غيره من القطاعات الأخرى وهو ما كشفت عنه الأزمة المالية التي ضربت أسواق العالم في صيف 2008. وأكد العديد من الخبراء أن تعزيز تنافسية مجتمع الأعمال في دبي يتطلب تعزيز دور قطاع المصارف الذي يعتبر أحد الركائز الأساسية للاقتصاد.
أسعار الفائدة
وقال أحمد الشيخ رئيس مجلس إدارة شركة دوكاب: علينا أن ننظر اليوم للواقع الاقتصادي ففي ظل أي تأثر للاقتصاد أو حدوث تباطؤ عادة ما تسعى البنوك بشكل عام لدفع عجلة الاقتصاد من خلال تخفيض أسعار الفائدة لتحريك تلك العجلة فعلى سبيل المثال الفائدة على القروض في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تتراوح ما بين 3-2.5 % في حين وصلت هنا إلى نحو 10 % كحد أعلى . وأضاف: العامل الجيوسياسي على المنطقة العربية كان له أثران أحدهما إيجابي والآخر سلبي فمن جانب شهدنا تحول شركات ومستثمرين وسيولة من دول الاضطراب إلي دبي والإمارات بشكل عام والتي تنعم بالأمن والأمان أما الجانب السلبي فتمثل من خلال انخفاض الحركة الاقتصادية. واستوجبت كل تلك الأمور من المصرف المركزي الدخول بقوة لخفض كلفة الاقتراض وعلى المصرف المركزي أيضا التفاهم بشأن المعايير المحاسبية الجديدة التي أقرتها اتفاقية بازل وتأخير تطبيقها لفترات لاحقة وعلى المصرف المركزي تشجيع إقراض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والتي تعد عصب الاقتصاد الوطني وتمثل نحو 80 % منه ويجب أن تدرس آلية التحفيز من قبل المصرف المركزي إلى جانب التوجه لتأسيس صندوق عقاري حكومي يتولى المساهمة في الإقراض العقاري .
الأزمة المالية
وفي ذات السياق قال رجل الأعمال سالم الموسى إن الأزمة المالية العالمية التي كانت قد ألقت بظلالها على جميع القطاعات الحيوية في الدولة مثل التصدير وإعادة التصدير والاستيراد والقطاع المصرفي وغيرها أثبتت أن الاقتصاد ليس فقط عقارات وإنما أيضا صناعات وبنوك وبنية تحتية ومؤسسات وغيرها. وأوضح: تحفظ البنوك عن الإقراض بفعل الأزمة يمكن تفهمه ونحن في الإمارات لدينا سيولة ولكن نريد أن نكون جادين في منح القروض فهناك حاجة للإقراض المدروس والبنوك في الوقت الراهن تحافظ على عملية الدخل ففي الماضي كانت القروض متاحة وكبيرة وكثيرة أيضا وتدر أرباحا على البنوك أما اليوم فهناك تحفظ من قبل البنوك حيث البنوك اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما وهما إما أن تفتح باب الإقراض بسلاسة ويسر أو أن تتجه لرفع معدلات الفائدة على القروض ولكن نحن في دولة لها قوانينها ومعاملاتها التجارية والمدنية وبالتالي إذا ما كان هناك قلق من ناحية التجار فعلى الجهات المختصة النظر في هذه الإشكالية. وأضاف: على الرغم من أن المصرف المركزي هو قاعدة الانطلاق البنكية لكن بعض البنوك لديها سياسات رسوم تضعها بالطريقة التي تعجبها وهذا ما يجعل القطاع الخاص يلجأ للمصرف المركزي للتدخل ومساعدته في الحصول على خدمات منصفة للقطاعين البنكي والتجاري وبالتالي الاجتماعات والنقاشات هي في نهاية الأمر تصب في خدمة الصالح العام وإذا لم توجد نقاشات معناه أن هناك خللاً ما في عملية التواصل وفي شفافية المعلومات.
ورقة السيولة
ويرى عبدالله أحمد بالهول منظم معارض دولية أن إدارات البنوك تقوم بتخويف مجالس إداراتها بورقة السيولة. وأضاف: المحرك الرئيسي لأي اقتصاد هم رجال الأعمال وهناك سيولة كبيرة لدى البنوك تدفقت بفعل الارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط وبالتالي توجه هذه السيولة للإنفاق متناسية القطاع الخاص وهذا من شأنه أن يخلق كسادا في قطاع الأعمال والذي قد يؤثر سلبا على اقتصاد الدولة ففي نهاية الأمر نحن مجتمع استهلاكي ونعيش على الخط الاستهلاكي وبالتالي رفع معدلات الفائدة من شأنه أن يقيد من نشاط رجال الأعمال وينعكس سلبا على أداء الاقتصاد الوطني وبالتالي لابد من تدخل المصرف المركزي لمراقبة وتأمين السيولة ووضع ضوابط على أسعار الفائدة والإقراض. وأشار إلى أن البنوك تستطيع دفع نسب بسيطة لتأمين مخاطر الإقراض وبالتالي تكون ضامنة لحقوقها . وأوضح نحن نعيش في الإمارات التي حققت عوائد جيدة من مبيعات النفط ومن قطاع الخدمات كما أن دبي أصبحت ملجأ آمن لرجال الأعمال وبالتالي لابد من أن هناك سيولة كبيرة تدخل دبي وتوجه للاستثمار ولابد للبنوك من أن تمتلك الجرأة لاستكمال الانتعاش الحاصل في الدولة.
متطابات تعجيزية
وأكد عامر العمر سالم المنصوري رئيس مجلس ادارة مجموعة المنصوري ثري بي على ضرورة ان تقوم البنوك الوطنية والمحلية بالدور المنوط بها من خلال توفير السيولة والتمويلات سواء للشركات او الافراد بكل يسر وسهولة وبعيدا عن التشدد في متطلباتها التي توصف بالمبالغ بها والتعجيزية في بعض الاحيان ، حيث ان توفير السيولة بشكل ميسر يسهم في انعاش السوق و مختلف القطاعات الاقتصادية بالدولة، الى جانب انه سيعطي صورة ايجابية عن وضع وواقع الاستثمار بالدولة في ذات الوقت.
ولفت المنصوري الى ان ارتفاع اسعار الفائدة ينعكس بشكل سلبي على العاملين في القطاع الخاص وتسبب اضرارا لهم في اعمالهم، مؤكدا ضرورة ان يلعب المصرف المركزي دورا هاما وملموسا في هذا الخصوص من خلال مراقبة اسعار الفائدة التي تضعها البنوك ووضع حد لها ، كما ان على المصرف المركزي كونه جهة رقابية ان يكون اكثر فاعلية في هذا الخصوص وان لا يغفل ما تقوم به البنوك من اجراءات وتغييرات تجريها دون الحصول على موافقة المقترض.
رسوم الخدمات
وقال حمد بوعميم، مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي إن أحدث المسوحات الدورية تشير إلى أن أعضاء الغرفة وضعوا ارتفاع رسوم الخدمات المصرفية في الدولة في المرتبة الثالثة كأبرز معوقات الأعمال بعد التأخر في الدفعات و رسوم الخدمات الحكومية في حين أـن صعوبة الحصول على التمويل يأتي في المرتبة الخامسة حسب آخر استبيانٍ لأعضاء غرفة دبي من الشركات والمؤسسات. وأضاف: بصفتنا ممثل القطاع الخاص في إمارة دبي، فقد طالبنا البنوك والمصارف وذلك بناءً على هذه الاستبيانات والتوصياتٍ والطلباتٍ من أعضائنا بتوفير تسهيلاتٍ ائتمانية لقطاع الأعمال، وتسهيل الحصول على السيولة المطلوبة لتمويل إنشاء الأعمال وتطويرها. وقال: اتخذنا كذلك خطواتٍ وإجراءاتٍ عديدة لتحسين التواصل بين مجتمع الأعمال في دبي وقطاع المصارف، فتأسست مجموعة عمل المصرفيين التي تعمل تحت مظلة غرفة دبي لتسهل هذا التواصل، وتخلق منصة لحوار ممثلي القطاع الخاص مع المصارف والبنوك في الدولة. وأضاف: توفر بيئة الأعمال في دبي عنصر جذب للأعمال والمصارف، وقد مثلت الإجراءات والقرارات الصائبة التي اتخذها المصرف المركزي مؤخراً عاملاً إضافياً يعزز من الثقة بقطاع المصارف ويحفزه أكثر على لعب دورٍ رئيسي في قيادة مسيرة تعافي اقتصاد دبي خاصةً وأن قطاع الخدمات المالية هو أحد القطاعات الرئيسية المحفزة لاقتصاد دبي.
المسؤولية الاجتماعية
وقال حسين المحمودي مدير عام غرفة تجارة وصناعة الشارقة انه من الضروري التواصل بين الشرائح المجتمعية لبحث ومناقشة المشاكل التي تعترض التجار والقطاع الخاص وإيجاد مناخ وحلول لهذه المشكلات بما يخدم جميع القطاعات.وأشار الى الدور الكبير الذي قام به المصرف المركزي في أعقاب الأزمة المالية العالمية ومساندته للبنوك في هذه المرحلة كما حرص أيضا حقوق المتعاملين أيضا من خلال ضمان الودائع.
ولفت الى ان هناك بعض القطاعات الاقتصادية التي تأثرت كثيرا بالأزمة الاقتصادية العالمية وخاصة قطاع العقارات واجد انه من الضروري إيجاد حلول لمشكلات هذا القطاع ولكن يجب إلا تكون التسهيلات المقدمة كما كانت عليه قبل الأزمة حيث ان التسهيلات في منح القروض والتمويل من أسباب الأزمة نفسها لذلك يجب ان تكون التسهيلات مدروسة بعناية فائقة بحيث لا تسمح بعودتنا مرة أخرى إلى دوامة أزمة اقتصادية جديدة وان لا تساعد على عودة المضاربين الذين رسموا لنا صورة غير حقيقية عن القطاع العقاري أو غيره من القطاعات. وقال المحمودي ان البنوك والمصارف لديها في الوقت الحالي سيولة جيدة ومن مصلحتها ان توسع قاعدة الإقراض ونحن نطالب جميع الأطراف بضرورة تبني مفهوم المسؤولية الاجتماعية والأخذ بمفهوم التنمية المستدامة ويجب ألا نكرس كل جهودنا على القطاع العقاري على حساب القطاعات الأخرى.
وأكد ان غرفة تجارة صناعة الشارقة تعمل على الاستماع الى مشكلات التجار والقطاع الخاص والذي تمثله الغرفة ونحن مع أي جهد لمساعدة القطاع الخاص على تجاوز الأزمة وتحقيق التنمية المستدامة.
مطلب بالتدخل
ويقول سالم المشرخ ،عضو غرفة تجارة وصناعة الشارقة : صحيح أن الاقتصاد حر وأن المصرف المركزي أعطى البنوك حرية اختيار أسعار الفائدة ولكن هذا لا يمنع من تدخل المصرف المركزي وتحديد أسعار الفائدة في الوقت الراهن لحين عودة اقتصاد الدولة إلى قوته المعهودة وبالتالي الوقت الراهن يحتاج إلى تدخل الحكومة عبر المصرف المركزي كون أن المصرف المركزي يمثل الحكومة والوضع الاقتصادي يتطلب التدخل وخاصة في ظل معاناة التجار والشركات وبالتالي على المصرف المركزي أن يستجيب لمتطلبات القطاع الخاص . وآمل بحدوث اجتماع تشاوري يضم غرفة تجارة وصناعة الشارقة والمصرف المركزي بوجود ممثلي القطاع الخاص للاستماع إلى مطالب التجار والشركات .
ومن جانبه طالب محمد الحمراني مدير عام غرفة تجارة وصناعة عجمان بأهمية تقليل فائدة القروض من نسبة 10% إلى نسبة تتماشى مع الوضع الراهن للأسواق. وقال إنه يتوجب على المصرف المركزي إلزام البنوك العاملة في الدولة بتوفير السيولة لكافة المشاريع الاقتصادية في الدولة وذلك من اجل مساهمة القطاع الخاص في عملية رفد الاقتصاد الوطني في ظل سياسة التحرير الاقتصادي. واشاد الحمراني بمبادرة اتحاد غرف التجارة والصناعة في الدولة وغرفة تجارة وصناعة ابوظبي بتنظيم اجتماع لمناقشة هموم التجار بسبب قلة السيول وارتفاع نسبة الفائدة علي القروض للتجار موكدا اهمية تضافر الجهود ومساندة رجال الأعمال في تنفيذ المشاريع المتعددة التي تعود بالفائدة للجميع كما على البنوك أهمية الالتزام بما يقره المصرف المركزي من قرارات تصب في المصلحة العامة.
تنفير المستثمرين
ومن جانبه أكد حميد محمد مدير غرفة التجارة والصناعة في أم القيوين أن الاقتصاد الاماراتي اقتصاد حر ومتين ومبني على أسس قوية ، لافتا الى أن هناك ثقة كبيرة من المستثمرين في كافة المجالات بالاقتصاد الاماراتي رغم وجود مؤشرات سالبة في بلدان أخرى ، مبينا ان تمويل ودعم البنوك والمصارف للمشاريع في القطاع الخاص يعد أمرا ضروريا لمواصلة تطوره والنهوض به الى أعلى المستويات . واضاف إن أسعار الفائدة المرتفعة تنفر المستثمرين وتبعدهم من تطوير مشاريعهم ، وأن هناك الكثير من التجار في مرحلة من مراحلهم يحتاجون الى اعادة جدولة لديونهم واذا كانت هذه العملية سهلة سيساهم ذلك في استمرار النشاط ويدفعه الى الأمام ، لافتا الى أن الرسوم التي تفرضها البنوك على المعاملات مرتفعة ويجب عليها أن تطرح حزمة تحفيزات لأصحاب المشاريع الخاصة وخاصة المواطنين منهم لتشجيعهم وتحفيزهم لإنشاء مشاريع جديدة أو تطوير القائمة منها ، مبينا في الوقت ذاته أن دور البنوك يعد دورا اساسيا ويجب أن تساهم في تنمية الاقتصاد الوطني .
ولفت الى أن بعض البنوك تطلب ضمانات أكثر من اللازم وخاصة بالنسبة للمستثمرين المبتدئين الأمر الذي يعيقهم ولا يمكنهم من تطبيق افكارهم الاقتصادية ، مبينا ان القطاع الخاص بحاجة الى قوانين مرنة وسعر فائدة اقل ومرونة في الاجراءات واعادة الجدولة لأن السوق متغير والتاجر يحتاج الى جدولة أو تسهيلات كلما كانت ميسرة كلما كان التاجر لديه حرية أكبر لتطوير مشروعه والدخول في نشاط جديد وخط جديد للإنتاج ، أما اذا كان مكبلا بالقوانين فلا يستطيع أن ينمو ، لافتا في الوقت ذاته الى انه اذا كانت المبادرة بتخفيض أسعار الفائدة ستدور عجلة الاقتصاد ومتى ما عرض سعر فائدة اقل فسيكون ايجابيا لانطلاقة القطاع الخاص في الدولة بصورة جيدة .
