للعام الثالث على التوالي تشهد أسواق المال المحلية أوضاعاً صعبة لا تعكس المكانة الاقتصادية للدولة، الأمر الذي يعني وجود عوامل تساهم في إدامة هذه الأوضاع رغم النتائج المالية الإيجابية والتوزيعات التي أعلنت عنها غالبية الشركات المدرجة في سوقي أبوظبي للأوراق المالية ودبي المالي على المساهمين، مما يستدعي قراءة معمقة لما يحدث ومحاولة وضع حلول للخروج من النفق المظلم الذي تواجهه الأسواق منذ عام 2008 وفقاً لرأي العديد من المحللين والمستثمرين. ولعل من أهم الظواهر التي يمكن رصدها في الأسواق خلال السنوات الثلاث الماضية هي عدم قدرتها على التفاعل مع الأخبار الإيجابية التي تصدر عن الشركات المدرجة أو الاقتصاد المحلي بشكل عام، فيما استجابتها السلبية تكون في أعلى المستويات مع ما يحدث من تطورات خارجية تعتبر في أغلب الأحيان ليس لها علاقة بالسوق الإماراتي، فما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ وهل أصبحت قاعات التداول مجرد سرادق لتقبل العزاء في ضحايا لا تربطنا بهم علاقة حتى في الجد العاشر بعد المائة؟
كذلك فإن قضية انخفاض السيولة إلى أدنى مستوياتها في العامين الماضيين مؤشر يعكس مدى المعاناة التي باتت تواجهها الأسواق رغم توفر السيولة لدى المحافظ والمستثمرين على حد سواء ولكن جلهم ما زال يفضل الاكتفاء بالمراقبة وعدم العودة إلى قاعات التداول من جديد نظراً لاستمرار سيطرة الضبابية على توجهات الأسواق رغم الحوافز التي قدمت للعديد من القطاعات خلال الفترة الماضية وساهمت في دعم هيكلة رؤوس أموال عدد من شركات التي تعد أسهمها الأكثر استقطاباً للمتداولين في السوقين. فأين تكمن المشكلة؟ هل هي في المستثمرين أم في طريقة المعالجة؟
إن موضوع تراجع الثقة في التعاملات والذي أصبح العنوان الأبرز الذي تختصر فيه المشكلات التي تعاني منها الأسواق بات بحاجة إلى دراسة شاملة ومعمقة وجادة من قبل جميع الأطراف ذات العلاقة، ولم يعد من المقبول الاكتفاء برفع شعارات جاذبة دون تطبيق حرفي لها رغم أنها صدرت بموجب قوانين وأنظمة منذ بدء العمل الرسمي للأسواق، ولعل الحوار المستند إلى مبدأ الاعتراف بالرأي والرأي الآخر يعد أساساً جيداً للانطلاق نحو الوصول إلى حلول يتفق عليها الجميع لإعادة الهيبة إلى قناة استثمارية تعتبر بمثابة مرآة عاكسة للوضع الاقتصادي في أي دولة؟
وفي إطار المصارحة التي تستهدف المناصحة وليس المناكفة، لا بد من القول انه لم يعد من المقبول التعامل مع بيانات خالية من أي دسم أو مضمون على أنها وثائق تعكس التزام الشركات بالإفصاح والشفافية وهي أقرب ما تكون لبيانات غير مجدية وربما مخالفة للأنظمة في بعض الأحيان مما يستوجب على الجهات المعنية التدقيق فيها قبل قبولها ونشرها على أنها كافية ومعبرة عما يتم مناقشته في اجتماعات مجالس إدارات العديد من الشركات، فهل يعقل أن تصادق شركة على ميزانيتها المالية عن العام 2011 قبل أن تفصح عن بياناتها عن العام 2010؟ وكيف يمكن فهم استمرار شركات بصرف مكافآت لأعضاء مجلس إدارتها فيما هي تحجب التوزيعات عن المساهمين بحجة أنها بحاجة للسيولة؟
وما هي الطريقة التي يمكن أن نقنع بها صغار المستثمرين وهم الشريحة الأكبر في السوق ووقوده الأول بعدم وجود تسريب واستغلال للمعلومات، فيما نرى أسعار أسهم ترتفع أو تنخفض دون معرفة الأسباب، ثم نفاجأ في اليوم التالي بنشر خبر أو معلومة عن الشركة المعنية يتضح أنها وراء حركة تلك الأسهم غير المفهومة.
لم يعد خافياً على أحد ظاهرة تراجع وتيرة إصدار التقارير التي توصي ببيع أو شراء أسهم معينة في ظل الظروف السلبية التي تشهدها الأسواق، فيما كنا نطالع العديد من هذه التقارير في أوقات محددة طالما أجمع الكثير من الخبراء على عدم موضوعيتها وحياديتها والأهداف التي جاءت لتحقيقها، مما يؤكد القناعة بضرورة ضبطها خاصة بعد صدور نظام الاستشارات المالية.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فلا بد من التطرق إلى موضوع التداول بالهامش الذي يرى البعض انه ربما يساعد في حل مشكلة شح السيولة في الأسواق، فطبقاً لما نشر في وسائل الإعلام فإن هناك العديد من الشركات تقدمت بطلبات منذ أكثر من شهر لتقديم هذه الخدمة، فهل تحتاج الموافقة لمنحها التراخيص اللازمة كل هذه المدة؟
إن حرص كل الأطراف وفي مقدمتها هيئة الأوراق المالية والسلع على بذل كل جهد ممكن لإعادة الهيبة لأسواقنا المحلية، لكن هذه الحرص يجب أن يترجم إلى واقع ملموس بأسرع وقت من خلال الإجراءات التي تم اتخاذها أو يجري إعدادها في الوقت الراهن، وان ندرك أيضاً أن استغلال الوقت يعد كلمة السر لنجاحنا جميعاً في إنجاز المهمة.
