يلعب النحاس اليوم دور البطل في مسرح المعادن المتنافسة لنيل شرف المشاركة في إنقاذ البيئة المتدهورة على يد البشرية التي تعيش كوابيس التغير المناخي وتطارد أغلب قادة العالم في القرن الواحد والعشرين بانبعاثات الكربون.
ويعود النحاس إلى الواجهة بعد أن كان يمثل الدلالة الاقتصادية الصناعية الأولى لأكثر من 9 آلاف عام، فمنذ اكتشافه قبل 10 آلاف عام قبل الميلاد أصبح ذلك المعدن ذو اللون المتفرد أول مطلباً بشرياً برز على ساحة استخدامه سكان الإمارات الأوائل فيما برع البابليون في العراق في استخدامه ليكمل المصريون القدماء طرق تطويره.
لكن صناعة ذلك المعدن اندثرت وتراجعت بظهور سلسلة طويلة من المعادن وسرعان ما عاد إلى الواجهة بعدما تبين للبشرية منافعه التي لا تعد ولا تحصى وأبرزها إمكانية استخدامه في تحقيق حلم المباني الخضراء لاسيما وأنه تولى قيادة ثورة تصنيع الأجهزة الكهربائية.
المباني المريضة
يقول رافيندر بهان، الاستشاري الأول، شركة (تي بيه إس) للاستشارات الإدارية للجمعية العالمية للنحاس بأن (قلة من الناس يدركون أن المباني لها الأثر الأكبر في ظاهرة التغير المناخي، أكثر من النقل والصناعة، لكونها تستهلك كميات أكبر من الكهرباء والغاز الطبيعي، وتغذيها جميعاً محطات الطاقة التي تبث بدورها الانبعاث الكربوني).
ويوضح بهان بأن (النحاس حل مثالي لتطوير مبانٍ أكثر اخضراراً وصداقةً للبيئة) لأنه (المعدن الأكثر صداقة للبيئة بين المعادن المستخدمة في العمليات الهندسية في عصرنا الحاضر، فهو يلعب دوراً محورياً في البناء الحديث بدءاً من مواد الكساء المعاد تدويرها إلى أنظمة الأسقف، وحتى أنظمة السباكة والتدفئة المتطورة باستخدام الأنابيب والمستلزمات المصنعة من النحاس المعاد تدويره).
لافتاً إلى أن (أنظمة الأسلاك والكابلات ومعدات المراقبة تعتمد على أسلاك النحاس المضخمة لتعزيز كفاءة الأنظمة والحد من مشاكل جودة الطاقة، وتلعب دوراً محورياً في أنظمة الطاقة الصديقة للبيئة، كما يتم استخدام النحاس وأشباه النحاس في تصنيع تمديدات التصميم الداخلي ومواد الديكور، فضلاً عن أن المقابض، ومقابض الأبواب، واسطوانات الأقفال، معدات توجد حالياً في المنازل في كافة أنحاء العالم).
ويعد النحاس مكوناً رئيسياً للعديد من تقنيات توفير الطاقة، ويشرح باهان بالأمثلة بأن ( أنظمة تسخين المياه بالطاقة الشمسية تستخدم النحاس لالتقاط وتحويل أشعة الشمس إلى حرارة، إذ تتميز ناقلات الحرارة المصنوعة من النحاس بكفاءتها في نقل الطاقة الحرارية التي يمتصها المجتمع الشمسي إلى نظام المياه الساخنة داخل المنزل، وتعد أشعة الشمس مورداً متوفراً ومتجدداً، وحتى عند عدم توفر النظام بشكل جاهز، فبوسعه أن يلبي الاحتياجات المنزلية من المياه الساخنة بدون أية كلفة تقريباً بمجرد تركيبه).
النحاس والتطوير العقاري
«البيان» سألت باهان كيف يمكن للمطورين العقاريين التعامل مع النحاس فأجاب ( يمكن لهم استخدام النحاس لحفظ الطاقة عبر تركيب نظام تبادل للحرارة لاستعادة مياه النفايات، حيث يضم هذا النوع من الأنظمة بشكل قياسي أنبوباً نحاسياً واسع القطر، ملفوفاً بأنابيب نحاسية رقيقة الجدران. وتقوم مياه النفايات الدافئة التي تتدفق عبر الأنابيب الكبيرة بنقل حرارتها إلى الوشيعة الخارجية التي تحمل المياه الداخلية للمنزل، والتي تقوم بدورها بخفض الكمية المطلوبة من الكهرباء أو الغاز لتسخين المياه.
وتتميز التمديدات النحاسية بجدواها التجارية العالية، وتستخدم بكثافة كمواد لتمديد الأنابيب في أنظمة التسخين، والتهوية، وتكييف الهواء، كما أن النحاس المستخدم كأنابيب للسباكة، ومنتجات الصفائح مثل الكساء، والحشوة المعدنية، وتطبيقات الأسقف، وأنظمة التسخين والتبريد، والنحاس الموجود في معدات النحاس الأصفر أو البرونز التي يستخدمها البناة ومواد التثبيت، يمكن إعادة تدويرها مراراً وتكراراً دون فقدان أية خاصة من خصائصها الفيزيائية.
سباكة خضراء
من الخيارات الأخرى لأنظمة السباكة الخضراء، تقنية التسخين بالإشعاع التي تستخدم النحاس لتدوير المياه أو السوائل الناقلة للحرارة. فأنظمة إعادة تدوير المياه الساخنة التي تعتمد على التمديدات النحاسية التي تعتمد على التمديدات النحاسية لنقل السوائل بكفاءة باتت تحظى بشعبية متزايدة في عصرنا الراهن، لاسيما أن دور هذه الأنظمة لا يقتصر على تعزيز كفاءة الطاقة، بل أنها تساهم أيضاً في الحفاظ على المياه.
ولطالما ثمّن قطاع البناء مزايا الجمال، والعمر المديد، والاستخدامات العملية للنحاس، فقابليته العالية للسحب والطرق تجعل منه معدناً سهل التشكيل، كما أنه من السهل أيضاً العمل به ويعد خياراً مثالياً لتفاصيل وأشكال الكساء المعقدة.
ويعد النحاس بطبيعته مقاوماً لعوامل الطقس والتحلل، ويمكن خلطه مع المعادن الأخرى شائعة الاستخدام لتعزيز مزايا القوة والأداء التي يتمتع بها، إضافة إلى اللون، ومقاومة الشوائب، ما يجعل منه معدناً بالغ الأهمية لمشاريع المباني الخضراء والمستدامة.
طلب عالمي
تتوقع الجمعية العالمية للنحاس ارتفاعاً في الاستهلاك العالمي من النحاس خلال العام الجاري بنسبة 5,4٪ وأن يسجل 18,5 مليون طن متري على الرغم من انخفاض الطلب على النحاس بنسبة 10٪ في .2009
ويقول فرانسيس كين، رئيس الجمعية العالمية للنحاس إن منطقة دول مجلس التعاون الخليجي التي تمتلك خططاً طموحة للنمو في مجالات الطاقة، وتشييد المباني، والبنية التحتية، تمثل سوقاً مهماً لقطاع تجارة النحاس. وأضاف: بدأت الجمعية أنشطتها في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2008 مع توقيع مذكرة تفاهم مع «هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس» لتقديم المساعدة الفنية في تطوير وتصميم ملصقات ووضع معايير حول ترشيد استهلاك الطاقة .
وسيساعد اعتماد أعلى معايير كفاءة استهلاك الطاقة، ووضع ملصقات تتعلق بترشيد استهلاك الطاقة على جميع الأجهزة الكهربائية، على خفض البصمة الكربونية في الإمارات.
استثمار أخضر
يحرص المطورون والمستثمرون في الإمارات على الاستثمار في المباني الخضراء وبنائها، لكن سوق العقارات الخضراء يحتاج إلى فترة تمتد من عامين إلى ثلاثة قبل أن يصبح فعالاً ومؤثراً بحسب جيسي داونز، مديرة الأبحاث والاستشارات في لاندمارك الاستشارية.
وتضيف بأن الغالبية العظمى من المكورين العقاريين يفهمون ماهية المباني الخضراء، ويبدون استعداداً لإنشاء أو نقل مكاتبهم إلى مبنى اذا كان صديقاً للبيئة أو يوفر بيئة صحية أفضل لموظفيهم.
تقول من خلال مبادرات مثل استدامة ومدينة مصدر، يتضح التقدم الكبير في مجال العقارات المستدامة، ولا سيما في أبو ظبي.وأشارت إلى أن المطورين والمستثمرين على حد سواء يحرصون على دمج المباني الخضراء في نموذج أعمالهم، كما أنهم يعتقدون أن جدوى هذه المشاريع تحتاج ما بين عامين إلى ثلاثة قبل أن تبرز بالنسبة للمطورين في الإمارات لبناء العقارات الخضراء.
