تعيش الإمارات ودول المنطقة مرحلة انتقالية مهمة في مسيرة التحول إلى الاقتصاد الرقمي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وذلك بسبب النمو السريع لحركة البيانات على شبكة الانترنت. ويتوقع أن تنمو عائدات محتوى الاتصالات الجوالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعدل ‬10٪ سنويا لتصل إلى ‬1,3 مليار دولار أميركي (حوالي ‬4,8 مليارات درهم) بحلول عام ‬2014. وأن تنمو نسب انتشار الاتصال بشبكات الانترنت اللاسلكية فائقة السرعة ‬57٪ بحلول ‬2015.

ومن أبرز العناصر المحفزة لنمو الطلب على الانترنت السريعة والنقالة وحركة بياناتها هي المواقع الاجتماعية والتفاعلية، فحوالي ‬40٪ من المتصلين بالانترنت في الإمارات يستخدمون موقع الفيسبوك، كما بلغت نسبة نمو عدد مستخدمي تويتر في المنطقة ‬300٪ خلال أقل من عامين و‬80٪ منهم يدخلون إلى هذه المواقع عبر الموبايل. بينما يوجد ‬10 ملايين مستخدم نشط للفيسبوك في دول الشرق الأوسط.

ووفقا لتقرير حديث فإن مواجهة تسونامي حركة البيانات يفرض على مشغلي الاتصالات تحديث شبكاتهم، والاستثمار في التكنولوجيا الجديدة، والسعي إلى تحقيق النمو في مجال التطبيقات لتحقيق الفائدة المالية المرجوة من مستويات الخدمة. ومع تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على الرقمنة، تتطوّر حركة البيانات على كل من شبكات الانترنت الثابتة واللاسلكية فائقة السرعة، إذ يتوقع أن يبلغ معدل النمو السنوي العالمي حوالي ‬13٪.

ومن المتوقع عالميا أن يرتفع حجم اتصالات التلفزيون المحمول واتصالات الموسيقى المحمولة بنسبة ‬25٪ و‬19٪ على التوالي بحلول عام ‬2014. وفي السعودية من المتوقع أن يرتفع حجم اتصالات التلفزيون المحمول واتصالات الموسيقى المحمولة بنسبة ‬18٪ و ‬40٪ على التوالي بحلول عام ‬2014.

ويشكل هذا الأمر تحدياً كبيراً لمشغّلي الاتصالات. حيث ينبغي عليهم استثمار المزيد من رؤوس الأموال في شبكات الجيل التالي التي يمكن أن تستوعب هذه الموجة من البيانات، على الرغم من أن المنافسة المتزايدة والضغوط التنظيمية، وانتشار التسعير الموحد لخدمات البيانات تمثل ضغطاً هائلاً على هوامش أرباحها. كيف يمكن لمشغلي الاتصالات إدارة الزيادة المطردة في حجم البيانات؟ ومن أين ستأتي أموال بناء الشبكات اللازمة لمواجهة تسونامي البيانات الآتي؟ تكمن الأجوبة على هذه الأسئلة في قدرة المشغلين على الاستفادة المالية من تدفق البيانات الهائل من خلال شبكاتهم.

 

تغيّرات سريعة

يقول كريم صبّاغ، الشريك في بوز أند كومباني والمسؤول عن قطاعات الاتصالات والإعلام والتكنولوجيا في الشركة: من المتوقع أن تنمو عائدات محتوى الاتصالات الجوالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعدل ‬10٪ سنويا لتصل إلى ‬1,3 مليار دولار أميركي بحلول عام ‬2014. كذلك، شهدت السوق السعودية نموا في البيانات والمحتوى، يدفعه انخفاض في أسعار المحتوى وتحول أسعار الاتصال سلعيةً أكثر عبر عروض البيانات غير المحدودة.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت خدمات الفيديو مساهماً رئيسياً في هذا النمط. وقد أدى ذلك إلى تضخم في كمية بيانات الفيديو التي تتدفق عبر البنية التحتية لشركات الاتصالات. ولا يبحث مستخدمو النطاق العريض من المستهلكين والشركات في الأسواق الأكثر نموا في منطقة الشرق الأوسط عن الاتصال بالإنترنت السريع فحسب، بل يريدون أيضا اختبار العديد من التطبيقات التي تحتاج إلى النطاق العريض والخدمات المستجدّة ذات القيمة المضافة. وقد بدأت تطبيقات مثل مؤتمرات الفيديو، الحضور عن بعد، والعمل عن بعد، التي تتطلب كلها نطاقا تردديا عاليا، تكتسب زخما في المنطقة. وهذا بدوره يغيّر الطلب على النطاق العريض لصالح السرعات العالية، وذلك تماشيا مع ما يجري في بقية العالم. إذ يتصل العملاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على نحو متزايد بالانترنت من أجل التواصل، والحصول على المعلومات والترفيه، وتلبية حاجاتهم من الإعلام الاجتماعي.

 

مستخدمو تويتر

ومن جانبه يقول بهجت الدرويش الشريك في بوز أند كومباني: نما مستخدمو تويتر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة ‬300٪ تقريبا خلال الأشهر الستة الأولى من عام ‬2009، فيما يعمد ‬61٪ من مستخدمي هذه الشبكة الاجتماعية إلى تحديث «الحالة» الخاصة بهم مرتين في اليوم على الأقل و‬80٪ منهم يدخلون التويتر عبر جهاز محمول. وهناك ‬10 ملايين مستخدم ناشط للفيسبوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي دول مثل الإمارات، الأردن، ولبنان، يستخدم أكثر من ‬40٪ من المتصلين بالانترنت الفيسبوك. وقد كان النمو الإقليمي لشبكات الانترنت فائقة السرعة كبيرا وسيحافظ على وتيرته.

 

توقعات مستقبلية

وسوف تتبع سوق الاتصالات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الأرجح الاتجاه نفسه وتشهد نموا في تطبيقات نطاق شبكات الانترنت فائقة السرعة في المستقبل القريب. من خلال المحتوى المتميز والتفاعل والشخصنة، ويمكن أن يصبح البث التلفزيوني عبر الانترنت تطبيقا أساسيا في منازل الجيل المقبل، وذلك على الرغم من كثرة القرصنة ووفرة قنوات التلفزيون المجانية. ويمكن أن يحقق الطلب على الفيديو نجاحا كبيرا في المنطقة، نظرا لشعبية محلات تأجير «الدي في دي» وعدم وجود دور للسينما في بلدان مثل المملكة العربية السعودية. ويقول الدرويش: تشير التوقعات إلى أن نحو ‬10٪ من الاتصالات بشبكات النطاق العريض في المنطقة سيرافقها البث التلفزيوني عبر الانترنت في السنوات القليلة المقبلة.

ويمكن لألعاب الانترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تبرز أيضا كفرصة لتحقيق النمو القوي، على الرغم من قرصنة البرامج. ويتوقع حصول هذا الاتجاه أساسا بسبب العدد الكبير للشباب في المنطقة؛ ذلك أن ‬72٪ من سكان الشرق الاوسط وشمال أفريقيا هم دون سن الخامسة والثلاثين. يضاف إلى ذلك، ان عددا قليلا نسبيا من خيارات الترفيه البديلة متاح حاليا، والنمو الأخير للشبكات الاجتماعية على الانترنت يسمح للأفراد بمزاولة الألعاب عن بعد. وكنتيجة لذلك، يمكن أن تصل عائدات الألعاب على الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى ‬111 مليون دولار سنة ‬2014. وعلاوة على ذلك، من المتوقع أيضا أن تنمو عائدات الموسيقى على الانترنت بشكل حاد بمعدل سنوي مركب نسبته ‬60٪ لتصل إلى ‬33 مليون دولار سنة ‬2014. ويرجّح أن تسير في الاتجاه نفسه تطبيقات اخرى من الجيل المقبل مثل التخزين عن بعد، والتلفزيون ثلاثي الأبعاد، والحضور عن بعد، والتطبيب عن بعد، والرياضات الافتراضية.

 

ضغوط التمويل

تعاني شركات الاتصالات الآن من ضغوط على كل من العائدات والأرباح من مصادر عديدة، بما في ذلك زيادة المنافسة والقواعد التنظيمية التي تقيّد هوامش الربح الكبيرة التي حققتها الشركات في بعض الخدمات، والنظم التسعيرية الموحدة.

علاوة على ذلك، فإن مصادر الدخل التي يمكن لبعض المشغلين استخدامها لدفع تكاليف الاستثمارات في البنية التحتية اللازمة قد لا تتحقق. وباختصار، فإن مشغلي الاتصالات سيجدون صعوبة كبيرة في تمويل عمليات تطوير البنية التحتية المطلوبة لخدمة الاقتصاد الرقمي للمستقبل.

وتملك شركات الاتصالات أربع رافعات رئيسية يمكن استعمالها للبقاء والنمو في السنوات المقبلة. وذلك بالآتي:

؟ إعادة تحديد بنية الشبكة للمستقبل. يمكن للمشغلين تحويل حركة مرور البيانات من خطوط الجوّال إلى الشبكات الثابتة عبر نقاط اتصال لاسلكية، وإعادة تحديد بنى شبكاتهم عن طريق التجوال «المتعدد الوسائط» بين الشبكات الثابتة والجوّالة، وفرض مقابل مالي لقاء ذلك.

؟ الاستثمار في تكنولوجيات ضغط البيانات للتعامل بشكل أفضل مع تنامي أحجام البيانات. سيحتاج المشغلون إلى تكنولوجيات يمكن أن تخفف من وطأة تسونامي البيانات، بما في ذلك تكنولوجيا التطور الطويل الأمد وغير ذلك من تقنيات الفعالية اللاسلكية.

؟ السعي إلى النمو في فضاء التطبيقات الخاصة بالتعاملات من شركة إلى شركة ومن شركة إلى المستهلك. يمكن أن يكون المشغلون لاعبين شرعيين في هذه السوق، وذلك بفضل مهاراتهم التقنية وبناهم التحتية من الشبكات. ويمكن أن يستفيدوا أيضا من شهرة علاماتهم التجارية القوية والثقة بها، وخاصة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

؟ الاستفادة المادية من مستويات الخدمات على شبكاتهم. لا تسمح العروض الحالية لخدمات النطاق العريض بالتسعير على أساس مستويات الخدمة. والطريقة الوحيدة لزيادة مستويات الخدمة هي بزيادة عرض النطاق الترددي للخط. لكن ذلك يمكن أن يتغير. فقد تخطت سنغافورة هذا القيد من خلال خدمات «نيوكليوس كونكت»، وتستطيع أسواق غيرها أن تحذو حذوها.

 

استثمارات ضخمة

ويخلص التقرير إلى أن تسونامي البيانات المتنامي بسرعة سيؤدي إلى إحداث تغييرات عميقة في شكل شبكات الاتصالات، وسيتطلب بناء هذه الشبكات استثمارات ضخمة. وهناك طرق ممكنة عدة لنشر هذه البنية التحتية، ونماذج مختلفة من المرجح أن تظهر، اعتمادا على الأنظمة المحلية، وعلى نتائج المقاربات التي اختارتها شركات مختلفة.

ويرجح أن تكون أفضل النماذج هي تلك التي تسمح بشبكات مفتوحة يستطيع مزودو الخدمات أن يبيعوا خدماتهم عبرها فيما يستطيع المشغلون تحويل قيمة البنية التحتية للشبكات إلى نقود. ويتطلب إنشاء نموذج كهذا الكثير من الطاقة والجهد، لكن مشغلي الاتصالات الذين ينجحون في ذلك سيكونون قادرين على مواجهة تسونامي البيانات ويصبحون قوى فاعلة في عملية التطوير الجارية للاقتصاد الرقمي.

التجارة الإلكترونية تراهن على طفرة البيانات

 

 

دعا تقرير حديث الحكومات والشركات في المنطقة إلى تبني وسائل الدفع الإلكتروني لتحسين إدارة رأسمالها العامل والعمل بكفاءة أكبر لتقليص حجم الرسوم المتأخرة والوقت الضائع للمتعاملين والموظفين في أرتال وطوابير طويلة، لتحل محلها ميزتا الكفاءة والشفافية اللتان يتمتع بهما العصر الرقمي. وأشار التقرير إلى أن نسبة الإقبال في المنطقة على أسلوب الدفع الالكتروني في دول المنطقة لا يتجاوز ‬33٪ من إجمالي عمليات الدفع وتخليص المعاملات، بينما تبلغ في الدول المتقدمة حوالي ‬70٪.

ويقول رامز شحادة الشريك في بوز أند كومباني: على الرغم من أن اعتماد وسائل الدفع الإلكترونية ازداد بوتيرة سريعة في السنوات الأخيرة، فإن المنطقة لا يزال أمامها الكثير لكي تحقق الاختراق الكامل. ففي عام ‬2010 كان حوالي الثلث فقط من مجموع معاملات الدفع في المنطقة إلكترونياً، في مقابل أكثر من ضعفي هذه النسبة في أميركا الشمالية وكذلك في أوروبا الغربية. وتعتمد الحكومات والشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الأموال النقدية للدفع لموظفيها، والقيام بالمدفوعات أو تلقيها، والوفاء بالتزاماتها المالية الأخرى. ونتيجة لذلك، لا تبدو اقتصاداتها فعالة على النحو الذي يمكن أن تكونه لأنها مثقلة بالآثار الجانبية السلبية الناجمة عن الحاجة إلى توافر السيولة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر خطوط وفترات الانتظار الطويلة، وحالات تأخر المدفوعات أو تفويتها، وحفظ السجلات بطريقة ورقية تقليدية.

وفيما تتجه الحكومات والشركات في جميع أنحاء العالم الآن بصورة متزايدة إلى اعتماد نظم الدفع الإلكتروني للاستفادة من مجموعة واسعة من المكاسب، فإن نظيراتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحاول اللحاق بالركب.

وتوسع وسائل الدفع الالكترونية للحكومات نطاق خيارات الدفع المتاحة في البلاد، الأمر الذي غالبا ما يحفز الاستهلاك المحلي ويسهّل تدفق رأس المال من خلال خدمة عدد أكبر من السكان.

كما تستطيع الاقتصادات الاستفادة من ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة بما أنه يصبح من الأسهل القيام بتعاملات تجارية مع بلدان أخرى. أما الشركات فتستفيد من الدفع الإلكتروني من خلال خفض التكاليف عبر توفير بدائل آمنة وموثوقة وفعالة للمدفوعات التي تجرى نقداً أو بواسطة الشيكات والقائمة على أساس ورقي.

ويقول لطفي زخّور المستشار الأول في بوز أند كومباني: تتمتع الشركات أيضا بفرص متزايدة لتحسين استهداف المبيعات والتسويق، لأن الدفع الإلكتروني يمنحها إمكان الوصول الفوري إلى البيانات الخاصة بفئات العملاء. وعلاوة على ذلك، وعن طريق تشجيع المستهلكين على الانتقال إلى الخدمات والقنوات المصرفية، تزيد الشركات قدرتها على البيع المتقاطع أو زيادة مبيعاتها من منتجاتها وخدماتها لعملاء جدد.

وينبغي لدى تصميم خدمات الدفع الإلكتروني أن يؤخذ في الاعتبار واقع العرض والطلب في البلاد. ويؤدي عدم القيام بذلك في كثير من الأحيان إلى إنشاء خدمات جديدة لا يتم استخدامها عموما. ويشمل إنشاء نظام دفع إلكتروني عددا من أصحاب المصلحة المختلفين والمتنوّعين، ويمكن أن يكون مستوى مشاركة كل منهم نقطة شائكة إذا لم تعالَج التناقضات المحتملة منذ البداية.