تعيش أميركا اليوم أزمة مركبّة. خليط من التحديات الهائلة في الداخل ومن المتاعب والأكلاف التي تسببت بها حروب الخارج. الآليات السياسية عاطلة عن العمل. مشلولة بحكم الانقسام العنيف بين يمين يابس وليبرالية بقياسات أميركية ضعيفة. والآليات الاقتصادية، تعاني هي الأخرى من أعطاب بنيوية. وكل واحد يغذّي التعثر في الآخر. والاثنان ثمرة الانفلات، الذي أدّى إلى غرق الدولة بالعجز وبالديون الفلكية الأرقام، إلى تمركز معظم الثروة بيد أقلية ضـــــئيلة وهبوط حاد في أوضاع الطبـــقة الوسطى، ناهيك بالفقيرة.
وإذا كانت أزمة 2008 ساهمت في مفاقمة هذا الوضع، إلاّ أن بداية هذا الخلل تعود، كما يرى باحثون وخبراء مختصينإلى السبعينات، لتتفاقم مع مجيء المحافظين في الثمانينات؛ حين بدأ تفكيك الضوابط ورفع سقف التمدد أمام المؤسسات المالية والمصرفية العاتية، فضلاً عن التصاعد الفلكي في موازنة البنتاغون.
واستمر ذلك خلال رئاسة كلينتون ثم طبعاً بوش الابن، الذي انفجرت الفقاعة في أواخر عهده. ومنذ ذلك الحين والأوضاع تتردى. وفي الوقت عينه، يزداد وسع وعمق الهوّة بين من هم فوق الريح ومن هم بالكاد على وجه الأرض.
وكان لجوء بعض المصارف الكبرى إلى زيادة الرسوم على المودعين، الشعرة التي قصمت ظهر البعير، عندما جاءت ردة الفعل الفورية برفع صوت الاحتجاج، عبر الاعتصام والتظاهرات أمام البيوتات المالية في المدن الأميركية تحت عناوين مثل "احتلوا وول ستريت".
