توقفت موجة بيع عقود النفط أمس مع تبدد أثر الإعلان المفاجئ الخاص بالسحب من مخزون الطوارئ. وفي إحدى مراحل التداول ارتفع سعر مزيج برنت خام القياس الأوروبي 24 سنتا إلى 107.50 دولارات في حين انتعش سعر الخام الخفيف 87 سنتا إلى 91.89 دولارا للبرميل. وانخفض مزيج برنت بنحو ستة بالمئة في الجلسة السابقة بعد أن أعلنت وكالة الطاقة الدولية سحب 60 مليون برميل على مدى 30 يوما قادمة من احتياطي الطوارئ التي تحتفظ بها الحكومات.
ومن شأن هذا السحب من مخزون الطوارئ - الثالث من نوعه منذ تأسيس وكالة الطاقة الدولية قبل 37 عاما- أن يزيد المعروض العالمي بنحو 2.5 بالمئة خلال الشهر المقبل. ودفع القرار بنك جيه.بي. مورغان وبنك غولدمان ساكس الرائدين في أسواق السلع إلي خفض توقعاتهما لسعر برنت إلى 100 دولار. وجاء قرار استخدام مخزون الطوارئ بعد أربعة اشهر من تعطل الصادرات الليبية مفاجأة للأسواق وأبرز القلق الحاد بين الدول المستهلكة الأعضاء في الوكالة بشأن الضرر الذي تشكله تكاليف الطاقة المرتفعة على انتعاش اقتصادي هش.
خفض التوقعات
وخفض مصرفا جيه.بي. مورغان وغولدمان ساكس توقعاتهما لاسعار النفط في الربع الثالث من العام. وخفض جيه.بي. مورغان متوسط توقعاته لسعر خام برنت إلى 100 دولار للبرميل في الربع الثالث انخفاضا من متوسط توقعاته السابقة البالغ 130 دولارا في حين توقع غولدمان ساكس وهو أحد اهم البنوك المؤثرة في السلع الأولية أن تهبط أسعار برنت إلى نطاق من 105 و 107 دولارات للبرميل.
وقال محللون في جيه.بي. مورغان وفي مقدمتهم لورنس ايغلز في مذكرة إلى العملاء: إذا تم المضي قدما في بيع 60 مليون برميل على مدى 30 يوما فإنها ستكون كمية كافية لإحداث هبوط كبير جدا في سعر النفط. وفي مذكرة إلى العملاء قال فريق محللي الطاقة ببنك غولدمان ساكس وفي مقدمتهم ديفيد غريلي في نيويورك: نقدر أن سحب 60 مليون برميل بحلول نهاية يوليو من المحتمل ان يخفض توقعاتنا للمستوى المستهدف لسعر خام برنت للأشهر الثلاثة بمقدار 10-12 دولارا للبرميل.
خسائر كبيرة
وفي الجلسة السابقة هوت أسعار العقود الآجلة للخام الخفيف أكثر من أربعة في المئة في تراجع يعزى جزئيا إلى قرار إطلاق احتياطات وكالة الطاقة. وعزز الإعلان عن هذه الخطوة من الخسائر الشديدة التي تكبدتها عقود النفط الخام في وقت سابق من جراء زيادة طلبات إعانة البطالة الأميركية عن التوقعات وعلامات على تباطؤ قطاع الصناعات التحويلية في الصين وخفض مجلس الاحتياطي الاتحادي تنبؤاته لنمو الاقتصاد الأميركي.
وفي ختام التعامل في بورصة نيويورك التجارية نايمكس انخفض سعر عقود الخام الخفيف لتسليم أغسطس عند التسوية 3.49 دولار أو 4.6 في المئة إلى 91.02 دولارا للبرميل أدنى إغلاق له منذ 18 من فبراير حينما سجل عند التسوية 86.20 دولار. وكان الهبوط هو الأكبر في يوم واحد ومن حيث النسبة المئوية في سعر عقود أقرب استحقاق في نايمكس منذ الخامس من مايو. وفي لندن هوى سعر عقود مزيج النفط الخام برنت لتسليم أغسطس 6.95 دولارات أو 6.1 في المئة إلى 107.26 دولاراتات للبرميل بعد أن تحركت في نطاق من 105.72 دولار إلى 113.40 دولارا.
آسيا تستخدم المخزون وسط جدل حول الخطوة
تحركت الدول الآسيوية أمس للسحب من مخزونها النفطي الطارئ في إطار تنسيق عالمي نادر بين الدول المستهلكة لمنع أسعار النفط المرتفعة من إعاقة الانتعاش العالمي المتعثر. وتشير الخطة التي قادتها واشنطن وانتقدتها صناعة النفط إلى تحول كبير من جانب الدول الصناعية صوب التدخل في أسواق السلع الأولية كأداة للسياسات الاقتصادية.
شكوك كبيرة
وقال وزير الاقتصاد الياباني كاورو يوسانو ان الخطوة بمثابة تحذير للتجار الذين يستخدمون المضاربة لكن وزير النفط الهندي س.جايبال ريدي شكك في جدوى هذا التحرك. وقال: حتى لو كانت هناك زيادة طفيفة في الإنتاج لن نجني ثمار هذه الخطوة بسبب إطلاق العنان للمضاربة في الأسواق المالية في العالم ولا نعرف إن كان تراجع أسعار النفط اتجاها مستقرا. وسحب المخزون هو الثالث من نوعه في 37 عاما هي عمر وكالة الطاقة التي تأسست كقوة معادلة لأوبك. وقالت اليابان وكوريا الجنوبية العضوتان الآسيويتان في الوكالة انهما ستبدأن اعتبارا من الأسبوع المقبل في السحب من مخزوناتهما النفطية وفقا للمستويات التي حددتها الوكالة.
قرار مفاجئ
أعلنت وكالة الطاقة الدولية أول من أمس الخميس أنها ستطلق 60 مليون برميل من احتياطياتها الإستراتيجية النفطية بهدف خفض الأسعار ودعم الاقتصاد العالمي. وقالت وكالة الطاقة الدولية التي تضم 28 دولة صناعية مستهلكة للنفط إنها ستطلق مليوني برميل يوميا على مدى 30 يوما كفترة مبدئية في السوق العالمية للتعويض عن النقص الذي خلفه انقطاع الإمدادات الليبية. وسيأتي نصف هذه الكمية من الولايات المتحدة وهو يعادل استهلاكها في يوم ونصف. وستقدم أوروبا 30 بالمئة من الكمية في صورة نفط خام ومنتجات مكررة بينما ستأتي الكمية المتبقية من دول المحيط الهادئ في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ضربة لأوبك
ويمثل هذا القرار ضربة لمنظمة أوبك. ورغم جهود السعودية فشلت أوبك في الاتفاق على زيادة الإنتاج في اجتماع عقدته في الثامن من يونيو الجاري وقررت المملكة ضخ إمدادات إضافية بشكل منفرد. وقبل اجتماع أوبك كانت السعودية قد بحثت مبادلة كميات من النفط الخام مع الولايات المتحدة كانت ستتضمن نقل كميات من الاحتياطي الأميركي إلى أوروبا لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وقال جون كيلدوف من اجين كابيتال: هذه الخطوة مهمة لأنها تمثل لجوء الدول الأعضاء إلى الملاذ الأخير لمواجهة ارتفاع الأسعار. وأضاف: من الواضح أن ارتفاع أسعار الطاقة يساق كسبب للتباطؤ الاقتصادي وهذا هو رد الفعل. انقطاع الإمدادات الليبية يوفر غطاء جيدا.
انقطاع الإمدادات
وقالت وكالة الطاقة إن انقطاع الإمدادات مستمر منذ فترة وأصبح أثره أكثر وضوحا مع استمراره. وأضافت أن التوقعات تفيد بأن الإنتاج الليبي سيظل خارج السوق فيما تبقى من عام 2011. وقالت الوكالة إن زيادة شح المعروض في سوق النفط قد تقوض الانتعاش الاقتصادي العالمي الهش. ولأن مخزونات النفط العالمية عند مستويات مريحة جدا بالمقاييس التاريخية فقد انقسم المحللون هل ستنخفض الأسعار أكثر من ذلك أم لا. وقال دومينيك تشيريشيلا من معهد ادارة الطاقة في نيويورك:
أعتقد أن وكالة الطاقة الدولية تحاول التصرف كبنك كمركزي ولا أعتقد أن أحدا سيشعر بارتياح اذا حدثت تخمة في سوق النفط. قد نرى النفط عند مستوى 80 دولارا قريبا جدا. لكن كارل لاري المحلل لدى شركة بلو اوشن للوساطة المالية في نيويورك قال انه قد لا يكون أمام الأسعار مجال للهبوط أكثر من ذلك. وقال: هذا تحفيز اقتصادي بالدولارات النفطية في المقابل أعتقد أننا أكدنا الحد الأدنى لسوق النفط عند 109 دولارات لبرنت و90 دولارا للخام الخفيف.
خروج عن المسار
ويبدو أن هذا القرار يمثل خروجا على المسار بالمقارنة بالقرارين السابقين لوكالة الطاقة بإطلاق كميات من احتياطيات الطوارئ ويبدو أيضا أنه لن يكون على هوى أوبك. ففي حرب الخليج في 1990-1991 حين غزا العراق الكويت انقطعت كميات كبيرة من إمدادات الخام. وحين ضرب الإعصار كاترينا في 2005 المصافي الأميركية كانت معظم الكميات التي أطلقتها الوكالة منتجات مكررة من أوروبا للولايات المتحدة. وقال مندوب كبير لدولة خليجية عربية في أوبك: لا مبرر لهذا وليس هناك نقص في معروض السوق.
الكويت والسعودية تزيدان الإنتاج لكن ليس هناك كثير من المشترين. وكالة الطاقة تلعب لعبة سياسية مع الولايات المتحدة وليس أكثر. وقال نوبو تاناكا رئيس وكالة الطاقة إن هذه الخطوة أريد لها أن تتناغم مع جهود السعودية والدول المنتجة الأخرى في منطقة الخليج العربية. وأضاف: الغرض من استخدام مخزوناتنا أن يكون متمما لجهود هؤلاء المنتجين الرئيسيين لسد الفجوة. سيكون المنتجون والمستهلكون معا قد اتخذوا خطوات ملموسة.
الموقف الأميركي
وقال مسؤول كبير في الحكومة الأميركية المخاوف بشأن تأثير أسعار النفط المرتفعة على الاقتصاد العالمي دفعت الرئيس باراك أوباما إلى الموافقة على إطلاق كميات من النفط من مخزونات الطوارئ. وقال مسؤولون أميركيون إن الغرض من هذه الكميات التي تبلغ 30 مليون برميل ومعظمها من الخام الخفيف منخفض الكبريت هو سد الفجوة في إمدادات المعروض بأسواق النفط العالمية التي أحدثتها الاضطرابات السياسية في ليبيا واليمن. وقال مسؤول كبير في الحكومة الأميركية: الولايات المتحدة مستعدة لفعل المزيد اذا اقتضى الامر لمعالجة هذه المسألة.
وأوضح أن المسؤولين سيقيمون حالة المعروض النفطي بعد 30 يوما. وذكر أن المسؤولين الأميركيين يجرون محادثات منذ أشهر مع كبار منتجي ومستهلكي النفط بشأن استخدام الاحتياطيات العالمية قبل وقت طويل من اجتماع أوبك. وستكون هذه الكميات المسحوبة تكملة للإمدادات التي تعهدت بها السعودية بعد اجتماع أوبك. ويساور حكومة أوباما أيضا قلق بشأن مستوى الشح في المعروض قبل ذروة الطلب التي تحدث في الصيف حين يقود كثير من الأميركيين سياراتهم للذهاب في عطلات.
وتمثل أسعار النفط مسألة مهمة للناخبين وقد كانت ترتفع في الوقت الذي يستعد فيه البيت الأبيض للحملة الانتخابية. لكن المسؤول رفض التحدث بشأن ما إذا كان استخدام الاحتياطيات سيخفض أسعار البنزين المرتفعة التي شكلت ضغطا سياسيا على البيت الأبيض للتحرك لخفض تكاليف الطاقة.
انتقادات كبيرة للخطوة
انتقدت صناعة النفط الأميركية خطة إطلاق كميات من مخزونات الطوارئ قائلة انه لا توجد أزمة في إمدادات المعروض. وقال معهد البترول الأميركي إن خطة حكومة اوباما لإطلاق 30 مليون برميل من مخزونات البترول الاستراتيجية هي تحرك أسيء توقيته. وقال المتحدث باسم المعهد بيل بوش:
الغرض من مخزون البترول الاستراتيجي هو استخدامه في حالة حدوث أزمة في إمدادات المعروض. ولا توجد حاليا أزمة معروض. وقد تضررت أسهم شركات الطاقة بعد أنباء إطلاق كميات من المخزونات. وهوى مؤشر ستاندرد اند بورز لقطاع الطاقة 2.7 في المئة، بينما هبط سهم شيفرون 3.2 في المئة إلى 97.83 دولارا وكان اكبر هبوط على مؤشر داو جونز. ونزل سهم اكسون موبيل 2.9 في المئة إلى 77.51 دولارا.
