تستكمل «البيان» نشر الدراسة المتعلقة بشروط ومعايير تطوير المجمعات الحضرية المستدامة، وتناولت في حلقتها الثالثة الأسبوع الماضي ضرورة تقليص تأثير عمليات التنمية على البيئة الطبيعية. وتتناول الحلقة الرابعة التحديات التي تعيق التنمية المستدامة للمجمعات الحضرية.
مدخلات الاستدامة
كما ذكرنا في الأسبوع الماضي فإن الاستدامة، مع ذلك، تعني أكثر من العزل الفعال، والشبابيك ذات الأداء الرفيع، أو نظم التسخين والتبريد الكفؤة. وتشير تيموثي بيتلي، في كتابها إيكولوجيا المكان (بأن إنشاء مجتمعات مستدامة ليس أمراً بسيطاً كحفظ بضعة أراضٍ رطبة، وتوفير فدانات قليلة كمساحات مفتوحة، أو وضع بضعة ممارسات إدارية مثلى، بل إنها مسألة تتعلق بمراعاة الحدود الإيكولوجية والتأثيرات البيئية خلال عملية التنمية بمجملها، من كفاءة المباني للطاقة إلى الاقتراب من نظام النقل الإقليمي).
وتشير بيتلي بأن الأمر (يتعلق كذلك بالإنسان. إن المجتمعات المستدامة حقيقةً تتخذ مدخلاً كلياً، والذي يفيد السكان، والبيئة الطبيعية، والمطور. وباختصار إنها طيف متكامل من الخضرة).
لذلك ليست المجتمعات المستدامة مجرد مناطق أكثر خضرةً من غيرها؛ إذ انها يمكن أن تكون أكثر صحة وأمناً من الأحياء التقليدية. فعندما يفقد حي من الأحياء مساحات خضراء من أجل التطوير الحضري.
يفقد الأطفال مكاناً للعب ويفقد آباؤهم مكاناً للتواصل الاجتماعي.
إن خطوط النقل الطويلة، وهي إحدى نتائج التمدد العشوائي، تساهم في تلوث الهواء، ولكنها كذلك تساهم في نقصان عمر الأشجار. فكلما استخدمنا الكهرباء أكثر، كلما ارتفعت فواتير المنافع وكلما كانت انبعاث الغازات الدفيئة إلى الجو أكثر.
ومع ذلك، فإن العديد من نتائج خيارات التطوير الحضري أقل وضوحاً، وبشكل خاص في مجالات الصحة الذهنية والجسدية.
إن كماً متنامياً من الأبحاث يبين أن الكيفية التي نصمم بها مجتمعاتنا ومبانينا لها تأثير عميق على صحة الإنسان. أحد الأمثلة هو العلاقة بين المجتمعات التي يمكن المشي فيها والصحة في مرحلة الطفولة.
معيقات التنمية المستدامة
تخفض المجتمعات المستدامة من استهلاك الطاقة، وتستخدم الأرض بشكل أكثر كفاءة، وتقدم خيارات نقل أكثر، وتخفض تكاليف البنية التحتية، وتحترم الجمال الطبيعي للتجمع، وتاريخه والنظم البيئية فيه. ومع ذلك، بالرغم من هذه الفوائد، فإن المجمعات المستدامة تمثل فقط جزءاً من التطوير الحضري الحديث في الولايات المتحدة على سبيل المثال. وهذا يرجع إلى أن تطبيق مبادئ الاستدامة غالباً ما يكون أكثر صعوبة من تنفيذ ممارسات التطوير الحضري التقليدية.
إن المعيقات الهامة أمام المجتمعات المستدامة تشمل عدم مرونة التشريعات المحلية (وهذا ما تنبهت إليه الإمارات قبل أن تضع تشريعاتها المتصلة بالأبنية الخضراء واتسمت بنود تلك القوانين بالمرونة العالية التي تضمن تحقيق الهدف)، والتصورات السوقية المتقادمة، والتكاليف الباهظة للتطوير الحضري والتملك فيه، والأحياء الحضرية ذات الكثافة العالية بدون وجود تحسينات.
إن معظم تشريعات تقسيم الأرض، والإفراز، واستخدام الأرض المحلية تسهل وتسرع من بناء أحياء حضرية أحادية الاستخدام. على سبيل المثال، التشريعات المحلية باستمرار تفرض فصل المساكن، والمحلات التجارية والمكاتب وتقدم مرونة قليلة في حجم قطعة الأرض واتساع الشارع. وعلى الموظفين الحكوميين جعل تشريعات الإفراز وتقسيم الأرض أكثر مرونة لتشجيع أحياء المحميات، وممارسات البناء الأخضر، والاستخدامات المختلطة، والشوارع الصديقة للمشاة، ومفاهيم الاستدامة الأخرى.
ومع ذلك فإن مثل هذه الإصلاحات قد لا تكون إلا جزءاً فقط من الحل. وبسبب أن التنمية المستدامة هي منطقة غير مألوفة بالنسبة لبعض المطورين والبنائين، فإنها تعتبر مجازفة.
بين المالك والمقاول
للأسف فإن الافتراضات البالية في الغالب توجه التحليلات السوقية والديموغرافية الراهنة، مما يمنع المطورين من بناء مشروعات لمجموعات كبيرة من المستهلكين ذوي حاجات، وأذواق، وتفضيلات خاصة.
وفي عام 2003 أشارت مجلة (البناء المحترف) إلى أن أكثر من 90٪ من مشتري البيوت كانوا مستعدين لدفع سعر أعلى مقابل السمات الخضراء للبناء، منهم 20٪ كانوا مستعدين لدفع 100,000 دولار أميركي إضافية. ومع ذلك، عند طرح نفس السؤال عليهم، اعتقد البناؤون أن أقل من نصف مشتري البيوت قد يدفعون سعراً أعلى مقابل السمات الخضراء. إن هذه الفجوة بين اتجاهات المستهلكين وتصورات البنائين جعلت بعض البنائين يحجمون عن التنمية المستدامة.
الرسوم الباهظة لتوحيد أحياء التطوير وتكاليف ضم الأرض، والتي في الغالب يمكن أن تزيد من نفقات قطعة الأرض والبناء، يمكن أن تكون معيقاً آخر. إن قلة مواقع الطمر، على سبيل المثال، يمكن أن تجعل من مشروعات الطمر أكثر كلفة وتعقيداً. ولجعل مشروعات الطمر مربحة مالياً، على الحكومات المحلية وحكومات الولاية أن تقدم حوافز أكثر، كإعادة استخدام المنشآت التاريخية، إعادة التطوير الأساسية وإحياء وسط البلد، والتطوير ذي التوجه العابر.
إن غياب التجارب السابقة، وسوق التمويل الثانوية، والإجراءات المصرفية قد تجعل من الصعب تأمين الأموال لمشروعات التطوير المستدامة، فضلاً عن الشروط الزائدة التي يفرضها غالباً المقرضون، فتزيد من كلفة التطوير الحضري وقد تتعارض مع أهداف المطور والمجتمع على حد سواء.
إن العديد من المشروعات ذات القيمة، من ضمنها مشروعات ملء الفراغات الحضرية والتطوير الحضري للمسطحات الخضراء يمكن أن تواجه معارضة من المجتمع.
وقد يتصور الجمهور بأن التطويرات الحضرية المتراصة هي إضافة غير مرغوب فيها إلى الأحياء، ولكن هذا قد يكون بسبب أن العديد من المشروعات ذات الكثافة العالية تأتي بدون سمات تعويضية فيها.
إن المشروعات ذات التصميم الجيد، والكثافة العالية والمساحات الخضراء، وأماكن اللقاء المجتمعية لها الحظ الأوفر في البيع، وبالنسبة للعديد من الناس، فإن صفة (الحي، المنطقة، الحارة) أكثر أهمية بكثير من حجم قطعة الأرض.
فوائد التنمية المستدامة
إن مفاهيم المباني الخضراء والتنمية المستدامة ليست وليدة الأمس القريب بل خرجت منذ سنوات عدة، لكنها اكتسبت جاذبية في السنوات الأخيرة فقط. إن إرشادات وكالة الحماية البيئية، ووزارة الطاقة الأميركية، والمجلس الأميركي للمباني الخضراء، تجعل من فهم المبادئ والمعايير الأساسية للاستدامة أسهل.
وتقدم الحكومات المحلية، وحكومات الولايات والحكومة الفيدرالية حوافز وإعفاءات ضريبية للممارسات المستدامة، وتعمل على إقرار تشريعات تشترط تقنيات مبان خضراء وكفؤة للطاقة. وحتى الإعلام العام، فانيتي فير، ونيوزويك ويو اس توداي وغيرها قفزت إلى مقدمة القطار، وقدمت قصة غلاف ومقالات تتكلم عن ممارسات البناء الخضراء وأنماط المعيشة المستدامة.
ولكن لماذا قد يرغب المطور أو البناء في بناء مجتمع مستدام؟ السبب بحسب بيار ماكماهون، رئيس شركة أراضي كونيكت، في موراي، يوتا هو الشهرة. ويجادل أن الاستدامة مشروع جيد لأن من الممكن أن تتعزز سمعة الشركة من خلال البناء الأخضر، والذي بدوره يمكن أن يخلق فرص تطوير جديدة.
ويعتقد ماكماهون أن سمعة كونيكت كمطور لمجتمعات مستدامة جعل وصولها أسهل للأرض ورأس المال والمواهب، الأمر الذي لا يمكن التفوق عليه في السوق. ويشير، وعلى سبيل المثال تم اجتذاب أفضل المواهب الشابة كميزة تنافسية للشركات المتطورة وذات السمعة القوية. وكذلك، فإن عملية الأحقية تصبح أسهل من خلال الالتزام بالاستدامة، وللتدليل على ذلك يشير البروفيسور ماكماهون إلى «شهادة يوتا النظيفة» التي تم منحها لـ كينيكوت من قبل ولاية يوتا. هذه الشهادة تبسط الموافقات التنظيمية وتعطي الشركة وصولاً أكبر لرأس المال، ونتيجة لذلك، تحقيق أفضل عائد على الاستثمار.
