يتعرض الجزء الخامس والأخير من تقرير لجنة التحقيق الأميركية، والذي تنفرد «البيان» بنشره، إلى الوقائع التي أدت إلى الأزمة المالية.

وتكشف الوقائع حدوث ملايين الأفعال الشنيعة من حالات الاحتيال التي ارتكبتها شركات الإقراض والمقترضين بدافع الجشع، وإن كان بعض هؤلاء فعلها عن حسن نية.

ففي شركة نيو كانتري، كانت ‬40٪ من قروض الرهن العقاري مدعومة بعدد قليل من الوثائق أو بلا وثائق البتة، ولم تكن الشركة الوحيدة التي تجاهلت المخاوف من تردي كفاءة القروض.

وعلى امتداد صناعة الرهن العقاري، والفقاعة في ذروتها، تردت المعايير، ولم يكلف أحد نفسه عناء التأكد من الوثائق، والتحذيرات التي أطلقتها دوائر التدقيق الداخلي والموظفين المعنيين جرى إغفالها وضربها عرض الحائط. وخلقت تلك الظروف بيئة مناسبة للاحتيال.

وقام ويليام بلاك رئيس جهاز التنظيم البنكي السابق الذي حلل الأنماط الإجرامية خلال أزمة الائتمان، بإبلاغ اللجنة أنه في احد التقديرات، وفي منتصف عام ‬2000، تبين له أن ‬1.5 مليون قرض سنويا كان يشوبها نوع من الاحتيال، ويعود الأمر جزئيا إلى النسبة المئوية العالية من القروض غير الموثقة التي ولدتها.

وتتضمن ممارسات الاحتيال السكني كذب المقترض، أو شطبه عمدا معلومات في طلب القرض. وتتضمن عملية الاحتيال بهدف الربح اللجوء إلى الغش والتضليل للحصول على مكاسب من عملية بيع منزله. وتعرف المدعية العامة في الينوي ليزا مايجان الاحتيال بصورة أشمل، بحيث تشمل بيع مقرضين لمنتجات رهن تتجاوز قدرة الأشخاص أو أنها مهيكلة بصورة غير عادلة إلى المقترضين.

وفي ‬80٪ من الحالات وفقا لمكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي)، ضمت عمليات الاحتيال أشخاصا من الداخل. وعلى سبيل المثال فإن تداول العقارات يمكن أن يشمل مشترين ووكلاء مكاتب عقارية، ومقيمين. وفي الرهن العقاري الصامت يقوم المشتري وبتواطؤ من مقترض الرهن الأول، بإخفاء وجود رهن ثان للتستر على عدم وجود دفعة مقدمة. والمشترون المأجورون يسمحون باستخدام أسمائهم ونقاط ائتمانهم مقابل أجر من قبل المشترين الذين يرغبون بإخفاء ملكياتهم.

وأشار التقرير إلى إحدى الحالات التي اتهمت فيها امرأتان من ساوث فلوريدا في ‬2010 لوضعهما إعلانات بين عامي ‬2004 ــــ ‬2007 في صحف هاييتي المحلية، تعرضان المساعدة على حل مشاكل المهاجرين. وقد اتهمتا بسرقة هويات مئات الأشخاص الذين قصدوهما لطلب المساعدة واستخدمتا المعلومات في شراء عقارات، واستصدار سندات ملكية وبيعها بهدف التربح. وأبلغ المحامي الأميركي ويلفريدو فير اللجنة أنها كانت من أكثر الحالات قسوة التي شهدها.

 

حجم حالات الاحتيال

وتختلف التقديرات حول حجم حالات الاحتيال التي قلما خضعت للتحقيق إلا في حالة تعرض العقارات لحبس الرهن. وقامت آن فولمر رئيسة العلاقات التجارية في انترثينكس، خدمة التحري عن حالات الاحتيال بإبلاغ اللجنة، أن شركتها قامت بتحليل عينات ضخمة من مختلف القروض بين عامي ‬2005 ــــ ‬2007 ووجدت أن ‬13٪ منها تضمنت أكاذيب أو إسقاطا على درجة كافية لإلغاء القرض أو طلب إعادة الشراء في ما لو تم توريقه. وأشار تحليل الشركة إلى أن تريليون دولار من القروض التي منحت خلال الفترة ذاتها كانت قروضا شابها طابع الاحتيال.

وأكدت فولمر أن ما قيمته ‬160 مليار دولار من القروض الاحتيالية التي تمت بين عامي ‬2005 ــــ ‬2007 أدت إلى الحجز على الممتلكات نجم عنها خسارة ‬112 مليار دولار للمالكين.

ومن جهته أبلغ ايد باركررئيس لجنة التحقيق في الاحتيال الرهني في شركة امريكويست كبرى شركات الاقراض عالي المخاطر بين عامي ‬2003 ـــــ ‬2004 و‬2005 اللجنة أن القروض الاحتيالية كانت شائعة في الشركة، ولم يكن هناك رقيب.

 

عينة من التزوير

وذكر ديفيد جوسمان نائب الرئيس السابق في شركة انتربرايز مانجمنت كابيتال ماركتس في فاني ماي للجنة أنه في حزمة من ‬50 قرضا مؤرقا اكتشف تحليله أن مشتريا اشترى ‬19 عقارا عرف نفسه زورا في كل مرة بأنه مالك عقار واحد فقط. فيما اشترى آخر خمسة عقارات.

وفي السياق ذاته لاحظ كريس سويكر المدير المساعد في مكتب التحقيقات الفيدرالي «اف بي آي» تزايدا في حالات الاحتيال في الرهن العقاري خلال عمله عميلا خاصا مسؤولا عن مكتب شارلوت في كارولينا الشمالية بين عامي ‬1999 ــــ ‬2004. وفي عام ‬2002 حقق المكتب في فيرست بنفيشيال مورجيج لبيعها قروضا احتيالية إلى فاني ماي أدت إلى الملاحقة الجنائية الناجحة لمالك الشركة جيمس ادوارد مكلين جونيور وآخرين. ودفعت فاني ماي ‬7,5 ملايين دولار تعويضا للحكومة. ولفت مكلين انتباه مكتب التحقيقات بعد شرائه يختا فخما بمبلغ ‬800 ألف دولار نقدا. وقال وليام بليك في شهادته أمام اللجنة ان ما يقارب ‬80٪ من قروض الرهن العقاري التفضيلية التي أبرمت من قبل مقرضين غير مؤمنين كان أصحابها غير مطالبين برفع تقارير الأنشطة المشبوهة.

 

احتيال يتضاعف باستمرار

كما أن «كانتري وايد» كبرى شركات الإقراض الرهني العقاري آنذاك كان لديها قرابة ‬5000 إحالة داخلية لأنشطة احتيالية محتملة في عمليات الرهن العقاري في ‬2005، و‬10000 في ‬2006، و‬20.000 في ‬2007 وفقا لفرانسيسكو سان بيدرو النائب الأول السابق للتحقيق الخاص في الشركة. غير أنها رفعت ‬855 تقرير أنشطة مشبوهة في ‬2005، و‬2895 في ‬2006، و‬2621 في ‬2007.

وأبلغت دارسي بارمر محللة جودة التأمين والاحتيال في ويلز فارغو ثاني كبرى مقرضي الرهن العقاري من ‬2004 ــــ ‬2007 والأكبر في ‬2008 اللجنة أن مئات ومئات قضايا الاحتيال التي عرفتها وجرى تحديدها في فرع قروض العقارات في ويلز فارغو لم يبلغ عنها لجهاز مكافحة الجرائم المالية.

 

تفاقم الأنشطة المشبوهة

وفي ‬2005 تم رفع ‬25988 تقرير أنشطة مشبوهة مرتبطة بالاحتيال الرهني، وفي ‬2006 وصل الرقم إلى ‬37457 وواصل العدد صعوده إلى ‬52862 في ‬2007 و‬65,004 في ‬2008 و‬67507 في ‬2009.

وفي رسائل إلى لجنة التحقيق في الأزمة المالية حددت وزارة العدل الإجراءات التي اتخذها بالتنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) لمحاربة الاحتيال في الرهن العقاري. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أطلق المكتب في ‬2004 عملية تعقب واسعة تستهدف عددا من الجرائم المالية بما فيها الاحتيال في الرهن العقاري. وبدأ المكتب في العام نفسه نشر تقارير احتيال سنوية. وفي العام التالي أعلن «اف بي آي» ووكالات فيدرالية أخرى عن عملية مشتركة لمحاربة الاحتيال في الرهن العقاري. ونتج عن تلك العملية ‬156 اتهاما و‬81 عملية توقيف و‬89 إدانة بتهمة الاحتيال العقاري. ووفقا للوائح الاتهام فإن الجناة كانوا يتجولون في الأحياء السكنية باحثين عن أصحاب العقارات من المسنين الذي يعتقد بوجود ملكيات في بيوتهم. ويقترحون عليهم إجراء عمليات إصلاح أو ترميم في منازلهم. وبمجرد تعبئة أصحاب تلك المنازل للمستندات اللازمة، يقوم هؤلاء المتعاملين باستخدام المعلومات لتقديم طلبات الحصول على قروض بأسمائهم. ويحصل كل شخص ضالع في الصفقة على أجر لقاء دوره أو دورها.

 

تردي معايير الإقراض

وبالإضافة إلى تزايد عمليات الاحتيال وممارسات الإقراض السافرة، تردت معايير الإقراض في الأعوام الأخيرة من الفقاعة.

وكانت وكالات التصنيف الائتماني من الناحية النظرية بمنزلة الحارس الأمين لعملية التوريق. ووصفت دورها بأنها الحكم في السوق. غير أنها لم تراجع أو تفحص جودة الرهن الفردي في السند المضمون عقاريا، ولا حققت في ماهية الرهون التي تحدثت عنها عملية التوريق.

 

فقاعة الائتمان لم تنحصر في أسواق الرهن العقاري السكني

 

 

خلصت لجنة التحقيق في أسباب الأزمة المالية العالمية إلى أن فقاعة الائتمان لم تنحصر في أسواق الرهن العقاري السكني. فقد واجهت أسواق العقارات التجارية وأسواق الاستدانة العالية، وهي القروض المقدمة إلى الشركات التي تندرج تحت تصنيف ما دون الاستثمار لمساعدة الشركات على تمويل مشترياتها، ديناميكيات فقاعات وانفجار لتلك الفقاعات رغم أن التداعيات لم تكن بتلك الضخامة والأضرار كما حصل في العقارات السكنية.

فخلال عامي ‬2000 ـــ ‬2007 نمت السوقان نموا خارقا، مدفوعة بمنتجات التمويل المهيكلة، مثل السندات التجارية المدعومة بالرهن العقاري والتزامات القروض المضمونة، على التوالي والتي كانت شبيهة للسندات السكنية المدعومة بالرهن العقاري والتزامات القروض المضمونة.

وكما هو الحال في أسواق الرهن العقاري، كانت معايير الضمان فضفاضة، حتى في ضوء انخفاض كلفة الاقتراض. وكان التعامل بتلك السندات ازدهر بفضل تطوير منتجات مشتقات ائتمان جديدة.

وكانت قروض الاستدانة العالية أصلا طورتها البنوك التجارية، غير أن سوق المستثمرين المؤسساتيين تطورت ونمت أواسط تسعينات القرن الماضي. حيث يقوم بنك وكيل بإصدار حزمة قروض خاصة بشركة واحدة، ثم يبيع أو يجمع القروض في حزمة إلى بنوك أخرى ومستثمرين كبار غير بنكيين.

وتشمل الحزم في العادة قروضا بفترات استحقاق مختلفة. بعضها خطوط ائتمان قصيرة الأجل يتم تجميعها لبنوك، والبقية قروض طويلة الأجل خاصة بالمستثمرين غير البنكيين، والمستثمرين المؤسساتيين.

وازداد إصدار القروض عالية الاستدانة أكثر من الضعف بين عامي ‬2000 ــــ ‬2007، غير أن النمو السريع كان في القروض المؤسساتية الأطول أجلا. وفي ‬2007 ارتفعت قروض الاستدانة العالية طويلة الأجل لتصل إلى ‬387 مليار دولار من ‬46 مليار في ‬2000.

وما لبثت العقارات التجارية والمباني الشققية متعددة السكان، ومباني المكاتب وشركات التجزئة، والعقارات الصناعية أن دخلت بفقاعة شبيهة بفقاعة الإسكان. وأصدرت البنوك الاستثمارية سندات رهن تجارية وحتى التزامات دين مضمونة من قروض العقارات التجارية، كما فعلت مع الرهن العقاري. ومثلما ارتفعت أسعار المنازل من العام ‬2000، ارتفعت قيم العقارات التجارية. وارتفعت أسعار المكاتب قرابة ‬60٪ بين عامي ‬2003 و‬2008 في المناطق التجارية المركزية لـ ‬32 سوقا تتوفر معلومات عنها. وبلغت الزيادة ‬193٪ في فونيكس و‬153٪ في تامبا و‬147٪ في مانهاتن و‬146٪ في لوس انجلوس.

وارتفعت السندات التجارية المدعومة بالرهن من ‬47 مليار دولار في عام ‬2000 إلى ‬169 مليارا في ‬2005 لتصل إلى ‬230 مليار دولار في ‬2007. وعندما انكمشت أسواق السندات، تراجع الإصدار إلى ‬12 مليار دولار في ‬2008 و‬3 مليارات في ‬2009.

وكان بير ستيرنز نشطا للغاية في تلك الأسواق. وفيما تصدر الأسواق في ‬2006 في عملية التوريق السكني، تراجع إلى الدرك الأسفل من التوريق التجاري. غير أن الأسواق ما لبثت أن اقتربت من حالة الجمود. وبالرغم من أن اسواق العقارات التجارية كانت أصغر من سوق الغقارات السكنية في ‬2008، كان دين العقارات التجارية أقل من ‬4 تريليونات دولار مقارتة بـ ‬12 تريليون دولار للرهن العقاري السكني. ثم ازداد انحدارا.

فمن ذروتها انخفضت سوق العقارات التجارية بحدود ‬45٪ من قيمتها، ومكثت الأسعار قرب مستواها المنخفض. وباتت الخسائر في العقارات التجارية هاجسا بالنسبة لوول ستريت وخصوصا ليمان وبير. وبالطبع لدافعي الضرائب. وعندما وضع المجلس الاحتياطي الفيدرالي يده على ‬30 مليار دولار من أصول بير السائلة في ‬2008، كانت تشمل ‬4 مليارات دولار من الخسائر من جزء غير مباع من حزمة تمويل هلتون. وواصلت سوق العقارات التجارية تدهورها بعد وقت طويل من بداية عودة سوق الإسكان إلى الاستقرار.