أكد التقرير أن عوامل مشتركة من بينها الاقتراض المفرط والاستثمار المخاطر، وغياب الشفافية أسهمت في وضع النظام المالي في مسار صدامي مع الأزمة. ومن الواضح أن مواطن الضعف تلك كانت مرتبطة بفشل حوكمة الشركات والرقابة، لكنها من الأهمية بمكان للفت الانتباه. وخلال السنوات المؤدية إلى الأزمة اقترضت كثير من المؤسسات المالية فضلا عن أفراد كثيرين بإفراط مما جعلهم عرضة لعوز مالي أو الدمار فيما لو انخفضت قيمة استثماراتهم حتى ولو بشكل بسيط وعلى سبيل المثال وبدءا من ‬2007 فإن خمسة من البنوك الكبرى وهي بير ستيرنز وجولدمان ساكس وليمان براذرز زميريل لينش ومورغان ستانلي كانت تشغل رساميل رقيقة للغاية. ومما زاد الطين بلة أن قروضهم كانت قصيرة الأجل. وفي السوق كان ذلك يعني أن القروض كانت بحاجة للتجديد بمعدل يومي. وعلى سبيل المثال فإن بير ستيرنز احتكم في نهاية ‬2007 على ‬11,8 مليار دولار في صورة أسهم والتزامات ب ‬38,6 مليار.

حمى الاقتراض

ولم تقتصر حمى الاقتراض على الشركات المالية وحدها. فخلال المدة الواقعة بين عامي ‬2001-‬2007 زاد الدين الرهني القومي بأكثر من الضعف. وارتفع حجم الدين الرهني للفرد بأكثر من ‬63٪ من ‬90,500 إلى ‬149,000 دولار في وقت كانت فيه الأجور مجمدة. وعندما بدأ الركود الإسكاني أصيبت الشركات المدينة والأفراد بالإفلاس.

وكانت الديون الثقيلة التي اقترضتها المؤسسات المالية ازدادت سوءا بالأصول المخاطرة التي استحوذت عليها بذلك الدين. ومع استحواذ أسواق الرهن والعقارات على المزيد من القروض والسندات المخاطرة قامت كثير من المؤسسات المالية بتملكها. ففي نهاية ‬2007 حاز ليمان على ممتلكات بقيمة ‬111 مليار دولار من العقارات التجارية والسكنية والسندات وهي ضعف ما كان يحتكم عليه فبل عامين من ذلك وأكثر من أربعة أضعاف أسهمه الإجمالية.

امتداد المخاطر

ولم تكن المخاطر محصورة بالشركات المالية الكبرى ولكنها امتدت إلى الأسر. فقد اختار واحد من بين عشرة مقترضين للرهن العقاري في ‬2005 و‬2006 قروض فائدة الرهن العقاري المعدل والذي يعني أنه يستطيع جعل دفعاته منخفضة بحيث ترتفع أرصدة الرهن العقاري شهريا. وكانت أخطار هذا الدين في النظام المالي جسيمة لأن الشفافية لم تكن مطلوبة أو مرغوبة. وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية سمح بقيام نظام ظل بنكي مبهم وثقل بالديون قصيرة الأجل، كان على حجم منافس للنظام البنكي التقليدي. وكانت مكونات تلك السوق الأساسية هي على سبيل المثال سوق الإقراض بإعادة شراء الدين بقيمة تجاوزت مليارات الدولارات وكيانات بلا ميزانيات عمومية واستخدام المشتقات غير النظامية والتي كانت خفية عن الأنظار ودون الحماية التي وفرت للحيلولة دون الكساد المالي. وكان هناك نظام مالي ينتمي للقرن الحادي والعشرين بحماية تعود إلى القرن التاسع عشر. وعندما اضمحلت أسواق المال والرهن العقاري جاءت عوامل مثل غياب الشفافية وأثقال الدين الاستثنائية والقروض قصيرة الأجل والأصول المخاطرة للتكاثر في رحم الأزمة. والنتيجة كانت الذعر. وحصدت الأمة ما زرعته.

استعداد حكومي

خلصت اللجنة إلى استنتاج مفاده أن الحكومة كانت غير مستعدة للأزمة، وأن استجابتها غير المتناسقة ضاعفت من عنصري الشك والذعر في أسواق المال. وكشفت الوقائع أن وزارة الخزانة والمجلس الاحتياطي الفدرالي والمجلس الاحتياطي الفدرالي لمدينة نيويورك التي كانت الأكثر قدرة على مراقبة الأسواق لم تكن على قدر المسؤولية وغير مجهزة للأحداث التي وقعت بين عامي ‬2007-‬2008. ووقفت الوكالات الأخرى مشدوهة وعاجزة عن التصرف لأنها لم تكن تحتكم على الفهم الكامل للنظام الذي يفترض بها الإشراف عليه. وظنت أن المخاطر في طريقها للتبدد في الوقت الذي كانت تتركز فيه. ولم تكن هناك خطة احتواء شاملة أو إستراتيجية لانعدام الفهم لديها للمخاطر والتشابك في الأسواق المالية. وقد أقر بعض المنظمين بهذا الخطأ، فقد سمحنا للنظام بأن يسابق قدرتنا على حمايته.

وفي الوقت الذي كان فيه هنالك جدل حول فقاعة الإسكان، فإن السجلات تظهر أن كبار المسؤولين لم يدركوا أن انفجار الفقاعة يمكن أن يهدد النظام المالي برمته. ففي صيف ‬2007 قدم رئيس المجلس الاحتياطي الفدرالي بن برنانكي ووزير الخزانة هنري بولسون تأكيدات علنية بأن الاضطراب في أسواق الرهن العقاري عالي المخاطر يمكن احتواؤه.

انفجار الصناديق

وعندما انفجرت صناديق بير ستينز التحوطية التي استثمرت في السندات المرتبطة بالرهن العقاري في يونيو ‬2007 ناقش المجلس الاحتياطي الفدرالي تداعياتها. وبالرغم من أن كثيرا من الصناديق الأخرى كانت عرضة للمخاطر ذاتها أسوة بتلك الصناديق التحوطية فإن الاعتقاد كان سائدا بأن صناديق بير ستيرنز فريدة نسبيا. وقبل أيام من انهيار بير ستيرنز في مارس ‬2008 عبر رئيس لجنة الأوراق المالية والسلع عن ارتياحه حول الملاءة الرأسمالية للبنوك الاستثمارية الكبرى. ولم تدرك وزارة الخزانة حتى شهر أغسطس ‬2008 وقبل أسابيع قلائل من استيلاء الحكومة على فاني ماي وفريدي ماك الوضع المزري للظروف المالية القاسية لهاتين المؤسستين. علاوة على ذلك فإن معالجة الحكومة غير المتماسكة للمؤسسات المالية الكبرى إبان الأزمة والمتمثلة بقرارها إنقاذ بير ستيرنز ثم قرارها وضع فاني ماي وفريدي ماك تحت الوصاية أعقبها قرار عدم إنقاذ ليبمان براذرز ثم إنقاذ اي إيه جي زاد من أجواء الشك والذعر في الأسواق.

دور بولسون

وفي هذا السياق أشادت اللجنة في تقريرها بكل احترام بالجهود التي بذلها كل من الوزير بولسون وبرنانه وتيموثي جوثنر الرئيس السابق للبنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك ووزير الخزانة الحالي وكثيرون غبرهم الذين عملوا جاهدين لإضفاء أجواء الاستقرار على النظام المالي والاقتصاد في أحلك الظروف وأكثرها تحديا وفوضوية.

خرق في نظام المحاسبة والأخلاقيات

قالت اللجنة في تقريرها إن تكامل أسواق المال وثقة الجمهور في الأسواق كانا حيويين لازدهار الاقتصاد. وإن سلامة واستدامة ازدهار النظام الاقتصادي والمالي يعتمدان على المعاملة العادلة والمسؤولية والشفافية. حيث أن من المتوقع أن تسعى المصالح التجارية والأفراد إلى الربح مع طرحهم في الوقت نفسه منتجات وخدمات على درجة عالية من الجودة وأن تتسم تصرفاتهم بالمعقولية. وعلى العكس من ذلك فإن اللجنة لاحظت أن هناك تآكلا في معايير المسؤولية والأخلاقيات التي فاقمت من الأزمة المالية. وكانت تلك الخروقات ممتدة من القاعدة إلى النخبة التجارية. ولم تؤد فقط إلى نتائج مالية هامة ولكنها ألحقت الضرر في ثقة المستثمرين والمصالح التجارية وجمهور العامة في النظام المالي. فقد لاحظت أن النسبة المئوية للمقترضين الذين تخلفوا عن السداد في غضون أشهر فقط من حصولهم على القروض، تضاعفت من صيف ‬2006 إلى أواخر ‬2007. وهذه البيانات تشير أنهم حصلوا على قروض الرهن العقاري دون أن يملكوا القدرة أو النية على السداد. ومنح المقرضون قروضا كانوا يعلمون أن المقترضين لن يتمكنوا من السداد والتي تسببت في خسائر جسيمة للمستثمرين في سندات الرهن العقاري. وفي مطلع سبتمبر ‬2004 أدرك مسؤولوا كانتري وايد أن كثيرا من القروض التي قاموا بترتيبها يمكن أن ينجم عنها نتائج كارثية. وفي أقل من عام لاحظوا أن قروض معينة عالية المخاطر قدموها يمكن أن تؤدي ليس فقط إلى حجز الرهونات وإنما إلى كارثة مالية وتلحق الضرر بسمعتهم. لكنهم لم يتوقفوا. وقال التقرير إن تلك النتائج يجب أن ينظر إليها من منظور الطبيعة البشرية والمسؤولية الاجتماعية. ولا بد من إرجاع الأزمة إلى أخطاء قاتلة مثل الجشع. وكان الفشل في محاسبة الضعف البشري هو العامل الرئيسي في الأزمة المالية. وتعتقد اللجنة جازمة أن الأزمة كانت نتيجة أخطاء بشرية وسوء في الأحكام وتضليل أدى إلى فشل منهجي دفعت الأمة ثمنا غاليا من أجله. فقد تصرف كثير من الشركات والأفراد بقدر من اللامسؤولية. وتحمل اللجنة المسؤولين العامين الذين أنيطت بهم مسؤولية حماية النظام المالي والذين أوكلت إليهم أمانة إدارة الأجهزة التنظيمية والرؤساء التنفيذيين لشركات قاد فشلهم إلى تلك الأزمة.

وترى اللجنة أن معايير الإقراض المتهاوية وتكدس سندات الرهن العقاري أشعلت وأذكت فتيل العدوى والأزمة. وعندما انهارت أسعار المنازل وتخلف مقترضو الرهن العقاري بدأت الأضواء تخبو على وول ستريت. ويبرز التقرير تآكل معايير الاقراض الرهني وتكدس سندات الرهت العقاري نقلت الرهونات السامة من مستثمرين في أمريكا إلى أنحاء العالم.

وقد سمع المجلس الاحتياطي الفدرالي وغيره من جهات التنظيم تحذيرات جمة من مصادر كثيرة. غير أن المجلس الاحتياطي الفدرالي أغفل مهمته المتمثلة في ضمان أمن وسلامة النظام المالي والبنكي للأمة وحماية حقوق المستهلكين الائتمانية. وقد فشل في بناء جدار الحماية فبل فوات الأوان وفيما أبقيت معظم تلك الرهونات العقارية في القيود البنكية، فإن القسط الأعظم من الأموال جاءت من مستثمرين عالميين ممن راق لهم استثمار أموالهم في سندات جديدة مرتبطة بالرهن العقاري. وبدا للمؤسسات المالية والمستثمرين والجهات التنظيمية على حد سواء أن المخاطر قهرت، فإن المستثمرين اقتنوا سندات عالية التقييم ظنوا أنها قوية الأداء وظنت البنوك أنها رفعت أخطر القروض من قيودها وتراءى للجهات التنظيمية أن الشركات تحقق مكاسب وخفضت مصاريف القروض. غير أن كل خطوة في السندات العقارية اعتمدت على الخطوة التالية للمحافظة على استدامة الطلب. وخلصت اللجنة أيضا إلى أن المشتقات من خارج التبادل التجاري ساهمت مساهمة كبرى في الأزمة. فقد كان لإقرار التشريع في عام ‬2000 لحظر تنظيم المشتقات المتداولة خارج السوق النظامية من قبل الحكومات المحلية والفدرالية نقطة تحول هامة في المسيرة نحو الأزمة المالية. فمن الشركات المالية إلى المؤسسات التجارية إلى المزارعين والمستثمرين كانت المشتقات تستخدم للتحوط ضد أو المضاربة على تقلب الأسعار وأسعار الفائدة أو المؤشرات أو حتى احتمالات التخلف عن سداد الدين. وهكذا دون إشراف فإن المشتقات من خارج السوق خرجت بسرعة عن السيطرة وبعيدا عن الأنظار ونمت لتصل إلى ‬673 تريليون دولار. وكانت المشتقات من خارج السوق ضرورية لخلق المشتقات الاصطناعية من خارج السوق. وهي عبارة عن رهانات علة أداء السندات الحقيقية المرتبطة بالرهن العقاري. وقد فاقمت الخسارة الناجمة عن انهيار فقاعة الإسكان بسماحها المراهنة المضاعفة على السندات ذاتها وساعدت في انتشارها في النظام المالي برمته.