تنشر «البيان» اعتباراً من اليوم وعلى مدى الأيام القليلة القادمة ملخصاً وافياً عن تقرير لجنة التحقيق في الأزمة المالية في الولايات المتحدة. وهي اللجنة التي شكلت لدراسة وتمحيص المسببات المحلية والعالمية، للأزمة المالية والاقتصادية في الولايات المتحدة. وحددت اللجنة لنفسها 22 موضوعاً معيناً للتحقيق فيها، ودراسة ظروف انهيار مؤسسات مالية كبرى فشلت أو كانت ستفشل لولا المساعدة الاستثنائية من جانب الحكومة.
وكشف تقرير اللجنة الأميركية المخولة بالتحقيق في مسببات الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في العام 2008 إلى أن جشع المؤسسات المالية وغياب الرقابة وتدفق الأموال السائبة عبر المؤسسات المصرفية كانت أبرز مسببات الأزمة. وأدت الأزمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة والعالم أجمع إلى فقدان أكثر من 26 مليون أميركي وظائفهم وباتوا عاجزين حتى عن إيجاد أعمال مؤقتة أو أنهم فقدوا الأمل في العثور على وظيفة. وخسرت أربعة ملايين عائلة منازلها في عمليات حجز وهناك أربعة ملايين ونصف أخرى دخلت في معمعة الحجز على بيوتها أو أنها تخلفت عن سداد الرهون العقارية. وتبخرت ثروات بقيمة 11 تريليون دولار، فيما تلاشت حسابات تقاعد الكثيرين وضاعت مدخرات عمرهم. وشعرت الأعمال التجارية كبيرها وصغيرها بنهش الركود العميق.
سقوط المؤسسات
وقدمت اللجنة الأميركية في تقريرها الذي حصلت «البيان» على نسخة منه تفسيراً واضحاً وبعبارات مفهومة عن كيفية عمل النظام المالي المعقد وكيفية وقوع الأزمة. وتحقيقاً لتلك الغاية أجرت اللجنة تحقيقات دراسية ممحصة لمؤسسات مالية معينة وفي أحيان كثيرة وجهات نظر تلك المؤسسات التي لعبت دوراً محورياً. وضمت تلك المؤسسات أمريكان انترناشونال جروب وبير ستيرنز وسيتي جروب وكانتري وايد فاينانشيال وفاني ماي وجولدمان ساكس وليمان براذرز وميريل لينش وموديز وواتشوفيا.
والأهم من ذلك أن اللجنة فحصت أدوار صانعي السياسة والمؤسسات التنظيمية بما فيها شركة تأمين الودائع الفيدرالية ومجلس الاحتياط الفيدرالي والبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ووزارة الإسكان ولجنة تطوير المدن ومراقب العملة ومكتب الإشراف على مشاريع الإسكان الفيدرالي ووكالة وزارة الخزانة ولجنة الأوراق المالية والسلع ووزارة الخزانة.
استنتاجات مهمة
قالت اللجنة في تقريرها إن مهمتها انحصرت أولاً في تعريف ما حدث والأسباب التي أدت إلى حدوثه. وأضافت إنها تشجع الشعب الأميركي على مشاركتها في تقييمها استناداً إلى الأدلة المجمعة خلال هذا التحقيق. وأكدت أن بعض الأفراد في وول ستريت وواشنطن ممن لهم باع في حالة الوضع الراهن قد يجدون أنفسهم منساقين لمحو أحداث هذه الأزمة من الذاكرة أو الإيحاء بأن أحداً لم يكن في وسعه التنبؤ في ما حدث أو الحؤول دون حدوثه. وهو مسعى لتسجيل التاريخ لا إعادة كتابته أو السماح بإعادة كتابته. ويسعى التقرير إلى إبراز الحقائق وتحديد المسؤوليات وكشف الألغاز والمساعدة في الكيفية التي كان يمكن فيها تجنب الأزمة.
وقال تقرير اللجنة إن كثيراً من الأشخاص الذين التزموا بالقوانين وجدوا أنفسهم بلا عمل وغير مطمئنين حول آفاق مستقبلهم.
وأضاف التقرير ان الأضرار الجانبية هم أناس حقيقيون ومجتمعات حقيقية. مضيفاً ان من المحتمل أن تنسحب آثار هذه الأزمة على الأجيال القادمة. وأن الأمة لن تجد الطريق سهلاً إلى تعاف اقتصادي متجدد.
فقاعة الإسكان
خلص التقرير إلى إن انفجار فقاعة الإسكان التي غذتها أسعار الفائدة المتدنية، وسهولة الحصول على الائتمان ووفرته، وندرة التشريعات الناظمة، والرهونات السامة، كانت الشرارة التي أشعلت فتيل سلسلة الأحداث المتلاحقة التي قادت إلى انفجار كامل للأزمة في خريف 2008. وضخت تريليونات الدولارات من الرهونات المخاطرة في النظام المالي حيث وضعت أوراق مالية مرتبطة بالرهن العقاري في حزم أو أعيد وضعها في حزم وبيعت إلى مستثمرين في أنحاء العالم. وعندما انفجرت الفقاعة هزت مئات المليارات من الدولارات التي تبخرت على شكل خسائر في الرهن العقاري والأوراق المالية المرتبطة بالرهن العقاري الأسواق، فضلاً عن المؤسسات المالية التي كانت عرضة لانكشاف واسع على الرهونات العقارية واقترضت مقابلها بشكل واسع. ولم ينحصر ذلك في الولايات المتحدة فقط ولكنه عم العالم بأسره. وقد تفاقمت الخسائر بمشتقات مثل الأوراق المالية المدعومة بالأصول الاصطناعية.
الدين العام
وارتفع حجم الدين الذي يملكه القطاع المالي بين عامي 1978 و2007 من 3 تريليونات إلى 36 مليار دولار أكثر من ضعف مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي. وتغيرت طبيعة كثير من شركات وول ستريت من مجرد شراكات خاصة إلى شركات مساهمة عامة تقوم بمخاطر أقوى وأكثر تنوعاً. وبحلول عام 2005 كانت الشركات الأميركية العشر الكبرى تمتلك 55٪ من أصول الصناعة أكثر من ضعف المستوى الذي كانت تمتلكه في 1990. وعشية الأزمة شكلت أرباح القطاع المالي 27٪ من أرباح الشركات التجارية مجتمعة في الولايات المتحدة بزيادة 15٪ عن 1980.
تجنب الأزمة
خلصت اللجنة في تقريرها إلى أن الأزمة كانت نتاج تصرف بشري أو عدم الاتيان بأي تصرف وليس عملاً من أعمال الطبيعة أو خلل في أجهزة الكمبيوتر. فقد تجاهل ربابنة التمويل وسدنة النظام المالي التحذيرات وأخفقوا في بيان وتحديد وإدارة المخاطر الكامنة في نظام حيوي لرفاهية الشعب الأميركي. ورغم ما أعرب عنه كثيرون في وول ستريت وواشنطن صراحة بأنه لم يكن في الإمكان التنبؤ بالأزمة أو تجنبها فقد كانت هناك مؤشرات تحذيرية. والكارثة أنهم كانوا عرضة للتجاهل أو الإهمال. وحدث تفجر في الإقراض والتوريق عالي المخاطر وارتفاع غير مستدام في أسعار المنازل وتقارير واسعة الانتشار لممارسات إقراض فظيعة واحتيالية وزيادة هائلة في ديون الرهن العقاري ونمو ضخم في أنشطة مضاربات الشركات المالية ومشتقات غير خاضعة للتشريعات الناظمة وأسواق إقراض إعادة شراء قصيرة الأجل من بين ممارسات أخرى مشبوهة. والمثال الصارخ على ذلك هو الإخفاق المحوري للمجلس الاحتياطي الفيدرالي في وقف تدفق الرهونات العقارية السامة والذي كان من الممكن صنعه من خلال وضع معايير إقراض رهني رزينة. وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي توانى عن القيام به. ويعج تقرير اللجنة بأدلة دامغة على اخفاقات أخرى: فقد أصدرت واشترت مؤسسات مالية وباعت سندات رهن عقاري لم يفحصوها قط أو علموا بأنها باطلة واعتمدت شركات على عشرات المليارات من الدولارات من السندات مشروطة الملكية واعتمدت شركات كبرى ومستثمرين بصورة عمياء على تصنيف وكالات التصنيف الائتماني باعتبارها مقومة لمخاطرها. واستنتجت اللجنة أن وجود إخفاق واسع النطاق في التنظيم المالي والاشرافي برهن على كارثيته على قدرة الأسواق المالية. ولم يكن القيمون في مواقعهم في أي جزء نظراً لإيمانهم بالطبيعة التصحيحية الذاتية للأسواق على تصحيح ذاتها وقدرة الأسواق على مراقبة ذاتها.
غياب التنظيم
وقال تقرير اللجنة ان ثلاثين عاماً من غياب التنظيم والاعتماد على التنظيم الذاتي للمؤسسات المالية، عمادها الرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيدرالي الان جرينسبان وغيره مدعومين بالادارات المتلاحقة والكونغرس، ومدفوعاً بالصناعة المالية القوية عطلت صمامات أمان كان من شأنها المساعدة في تجنب الكارثة. وهذه المقاربة فتحت ثغرات واسعة في مراقبة مناطق حيوية تحتكم على مليارات الدولارات العرضة للخطر مثل نظام الظل البنكي وأسواق المشتقات غير النظامية. والأدهى من ذلك أن الحكومة سمحت لشركات مالية باختيار تشريعاتها الناظمة وهو ما تحول إلى سباق على أضعف نظام رقابي.
أزمة رقابة
وأعربت اللجنة عن رفضها للمزاعم القائلة ان المؤسسات التنظيمية والرقابية كانت تفتقر للسلطة التي تخولها حماية النظام المصرفي. وعلى النقيض من ذلك فقد كانت تتمتع بسلطة قوية في مناح شتى لكنها ارتأت عدم استخدام تلك السلطة. وهناك ثلاثة أمثلة على ذلك: لجنة الأوراق المالية والبورصات كان في وسعها طلب مزيد من الرساميل وإيقاف ممارسات مخاطرة في البنوك الاستثمارية الكبرى. وهي لم تفعل ذلك. المجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وغيره من الجهات التنظيمية كان في مقدوره كبح اندفاع سيتي جروب السريع نحو الأزمة. وهو لم يفعل. وكان في مقدور صناع السياسة والجهات التنظيمية إيقاف قطار توريق الرهن العقاري المنفلت من عقاله وهم لم يفعلوا. وأظهر التقرير أن الصناعة المالية نفسها لعبت دوراً حيوياً في إضعاف الكوابح الرقابية على المؤسسات والأسواق والمنتجات. ولم تفاجأ اللجنة أن صناعة بذلك الثراء والقوة لم تمارس ضغطاً على صانعي السياسة والجهات الرقابية. فقد أنفق القطاع المالي بين 1990 وعام 2008 ما قيمته 2,7 مليار دولار على نفقات اللوبي الفيدرالي، وحقق أفراد ولجان عمل سياسية في القطاع أكثر من مليار دولار في مساهمات حملاتها الانتخابية.
حوكمة الشركات
ووجدت اللجنة أن الفشل الدراماتيكي في حوكمة الشركات وإدارة المخاطر في مؤسسات مالية مهمة ساهم مساهمة كبيرة في هذه الأزمة. وقد تصرفت مؤسسات كثيرة بنوع من التهور، باتخاذها جانباً كبيراً من المخاطرة، برأسمال قليل للغاية وباعتماد واسع النطاق على التمويل قصير المدى. وقد أدى ذلك إلى حدوث تغير واسع النطاق في تلك المؤسسات وخصوصاً البنوك الكبرى والشركات المصرفية القابضة التي ركزت نشاطها على أنشطة المضاربات المخاطرة التي حققت أرباحاً ضخمة. وقامت بانكشاف واسع على الاستحواذ ودعم المقرضين عاليي المخاطر وخلق حزم وإعادة صناعة حزم وبيع مليارات الدولارات من السندات المرتبطة بالرهن العقاري بما فيها المنتجات المالية الاصطناعية مثل ايكاريوس. وقد نمت كثير من تلك المؤسسات المالية بصورة واسعة من خلال استحواذات نفذت بطريقة رديئة واستراتيجيات التكامل التي جعلت الإدارة الفعالة أكثر تحدياً. وأبلغ الرئيس التنفيذي لمجموعة ستي جروب اللجنة أنه أنفق 40 مليار دولار في سندات مرتبطة في الرهن العقاري لم تثر أي انتباه، وقال الرئيس المساعد لبنك الاستثمار التابع لمجموعة سيتي جروب أنه أنفق جزءاً قليلاً من 1٪ من وقته على تلك السندات. وكان وضع «أكبر من أن تفشل» في تلك الحالة تعني أكبر من أن تدار. وكشفت تحقيقات اللجنة أمثلة صارخة على اللامسؤولية وخرق مبادئ الحوكمة. وأبرزت جهل الإدارة العليا لشركة أيه آي جي بشروط ومخاطر انكشاف الشركة على مشتقات بمبلغ 79 مليار دولار على سندات مرتبطة بالرهن العقاري. وكان سعي فاني ماي لحصة سوقية أكبر وأرباح وعلاوات أدت إلى الانكشاف على قروض مخاطرة وسندات فيما كانت سوق العقارات ترتفع، والمفاجأة المكلفة عندما أدركت الإدارة العليا لميريل لينش أن الشركة تحتكم على 55 مليار دولار في سندات عالية ومرتفعة الأمان أدت إلى خسائر بمليارات الدولارات.
تقرير لجنة التحقيق
غطت المواضيع التي تناولها تقرير لجنة التحقيق ضروب الاحتيال والإساءة في القطاع المالي بما فيه الاحتيال والإساءة بحق المستهلكين في قطاع الرهن العقاري. والأجهزة التنظيمية المالية على المستوى الاتحادي وعلى مستوى الولايات، بما فيه الحدود التي طبقت فيها أو فشلت في تطبيق المتطلبات الدستورية والتنظيمية والإشرافية. وكذلك الاختلال العالمي في المدخرات وتدفق الرساميل العالمية، والاختلالات المالية للحكومات المختلفة. والسياسات النقدية ووفرة وشروط الائتمان. إضافة إلى ممارسات المحاسبة بما فيها قوانين القيمة العادلة ومعالجة الأدوات الخارجة عن الموزانة. ومعالجة المنتجات المالية والاستثمارات. ومتطلبات الرساميل والتنظيم الخاصة بالاستدانة العالية والسيولة بما فيها هيكلة رأس المال للكيانات المالية المنظمة وغير المنظمة. وممارسات الاقراض والتوريق. ووكالات التصنيف الائتماني بما فيه الاعتماد على التصنيف الائتماني من قبل وكالات التصنيف. وكفاءة العناية الواجبة التي اعتمدتها المؤسسات المالية. وخلال عملها الذي استغرق 18 شهراً راجعت اللجنة ملايين الصفحات من الوثائق، وقابلت أكثر من 700 شخصية وعقدت 19 يوماً من جلسات الاستماع العامة في نيويورك وواشنطن العاصمة والتقت أفراداً في طول البلاد وعرضها ممن منيت بهم خسائر فادحة بفعل الأزمة. ودرست سياسات أقرها الكونغرس والإدارات المتعاقبة. وراجعت أدوار صانعي السياسة وأجهزة التنظيم بما فيها المجلس الاحتياطي الفيدرالي والمجلس الاحتياطي الفيدرالي لمدينة نيويورك. واستنتجت اللجنة أن الأزمة المالية كان بالإمكان تجنبها إذا كانت نتيجة فعل بشري. كما وجدت خللاً فاضخاً في التنظيم المالي وثبت لها أن الإشراف كان مأساوياً لاستقرار أسواق الولايات المتحدة. وكشفت وجود فشل في حوكمة الشركات وإدارة المخاطر، حيث تبين لها أن هناك مؤسسات مالية مهمة كانت عنصراً فعالاً في الأزمة. وكذلك غياب الشفافية والاقتراض المفرط. ووجدت أن الحكومة لم تكن على استعداد كاف للأزمة. وفشلا في نظام المحاسبة والأخلاقيات المهجية في النظام المالي. وترأس اللجنة فيل انجليديس وهون بيل توماس نائباً للرئيس، إضافة إلى 8 مفوضين.
