نفت منيرة عبدالحليم ابوقصيصة المستشارة الاقتصادية في سفارة جمهورية السودان في أبوظبي في حديث مع «البيان» صحة ما يتردد عن احتمالات تأثر الاستثمارات الاجنبية في السودان إذا ما اختار الجنوب الانفصال واصفة الحديث بالعاري من الصحة وأضافت أن جميع الاستثمارات الأجنبية توجد في الشمال حيث تكفل الدولة من خلالها ثوابتها المركزية والولائية ضمان وحماية حقوق المستثمرين حيث يتمتع الشمال بالبنى التحتية والتشريعية اللازمة لجذب وبقاء الاستثمار الأجنبي مع وجود خدمة مدنية راسخة ذات خبرة وتجربة في الشمال وهذا يؤكد عدم تأثر الاستثمارات الأجنبية بانفصال الجنوب السوداني.

وأكدت ابوقصيصة أن الاستثمارات الاماراتية توجد جميعها حتى الآن في الشمال في حين ان الاستثمارات الاماراتية الزراعية في السودان تبلغ اكثر من ‬600 الف فدان وتوجد بولايات الشمال مؤكدة على أن المستشارية السودانية لم يسبق أن تعاملت مع راغبين في استثمارات بجنوب السودان رغم الترويج لذلك حيث يتعلل هؤلاء بعدم توفر الاستقرار الامني في منطقة الجنوب.

واستبعدت ابوقصيصة أن يسحب جنوب السودان بساط الاستثمار من تحت أقدام شمال السودان بعد انفصاله نظرا لاستقرار الشمال وتراكم خبراته في مجال سياسات الاعتماد على الذات ورصيده الوافر من البنى التحتية والتشريعية والخبرات الادارية ومدى جاهزيته لذلك إلا أنها قالت ان الأمر يتطلب وضع سياسات وتدابير لازمة لاحتواء اي مهددات او آثار سلبية اضافة الى تنفيذ حزمة من الاجراءات لمعالجة الاختلالات واعادة التوازن للاقتصاد داعية إلى اعادة صياغة السياسات والاجراءات المالية والاقتصادية والنقدية التي تتطلبها ضرورة المرحلة المقبلة.

وقالت ابوقصيصة ان شمال السودان سوف يتأثر إذا ما حدث انفصال جنوب السودان بفقده لحوالي ‬30٪ من نصيب عائدات النفط إلا أنها أشارت إلى أنه بالإمكان تعويض هذه النسبة باستخدام دولة الجنوب القادمة للبنى التحتية الخاصة بنقل وتوزيع مصافي النفط في الشمال حتى يتمكن الجنوب من تصدير بتروله.

وأكدت ابوقصيصة أن شمال السودان غني بالموارد الطبيعية والزراعية والثروة الحيوانية والمعادن وان غالبية الحبوب الغذائية تنتج شمالا حيث يتوفر المناخ الملائم لها وأن اكتشاف المعادن الاخرى كالذهب والحديد واليورانيوم والمنجنيز والالمونيوم يتوفر بشمال السودان وأضافت أن المسوح الجيولوجية أكدت وجود كميات هائلة من النفط والغاز في شرق وغرب ووسط السودان قائلة ان الحكومة السودانية تعمل الآن على توفير البيانات الاولية حولها وعرضها على المستثمرين.

وأقرت ابوقصيصة بوجود مشاكل تعترض مسيرة الاقتصاد السوداني متوقعة أن يرفع انفصال جنوب السودان من تلك المشاكل إلا أنها استدركت قائلة (تلك المشاكل مقدور عليها) من أهمها مقترح اتجاه دولة الشمال التغيير من الاعتماد على سلعة البترول كمورد اساس لموارد النقد الاجنبي داعية لاستنهاض الموارد الاقتصادية الاخرى خاصة الزراعية بشقيها النباتي والحيواني (والاستفادة من الثروات الهائلة في هذا المجال) وتنويع الصادرات غير البترولية وخاصة أن صناعة الايثانول تعد إضافة جديدة لصادرات البلاد غير النفطية في وقت يتجه فيه العالم الى انتاج بدائل اخرى للطاقة.

وفي ما يلي نص الحوار:

بداية هل لك أن ترسمي لنا صورة عن ثقل ثروات السودان أين تتركز وكيف سينعكس انفصال جنوب السودان على مستقبل اقتصاد السودان الشمالي؟

يتمتع السودان عموما بامكانيات طبيعية ضخمة فهو يمتلك اراضي زراعية واسعة تعادل ‬48٪ من جملة الاراضي الزراعية في الوطن العربي إضافة الى مصادر مياه وفيرة من أمطار وأنهار ومياه سطحية وجوفية وتنوع مناخي وبيئي واستنادا الى مساحة السودان (وإذا حدث انفصال) فان مساحة الشمال سوف تعادل أكثر من ثلثي مساحة السودان وبالتالي هذه الثروات الطبيعية (الزراعية، المعدنية، المياه، الثروة الحيوانية) يقع معظمها في الشمال ما عدا قطاع الغابات وانتاج النفط في الوقت الراهن وبالتالي اقتصاد شمال السودان سوف يتأثر بفقده نسبة تقدر بحوالي ‬30٪ من نصيب عائدات النفط وهذه النسبة يمكن ان يتم تعويض نسبة منها باستخدام دولة الجنوب القادمة للبنى التحتية الخاصة بنقل وتوزيع مصافي النفط في الشمال حتى يتمكن الجنوب من تصدير بتروله.

 

مسيرة الاقتصاد

نحن نقر بوجود مشاكل تعترض مسيرة الاقتصاد السوداني وقد يزيد منها انفصال الجنوب ولكن مقدور عليها من أهمها مقترح اتجاه دولة الشمال للتغيير من الاعتماد على سلعة البترول كمورد اساس لموارد النقد الاجنبي فلا بد من استنهاض الموارد الاقتصاية الاخرى خاصة الزراعية بشقيها النباتي والحيواني (والاستفادة من الثروات الهائلة في هذا المجال) وتنويع الصادرات غير البترولية وتعد صناعة الايثانول إضافة جديدة لصادرات البلاد غير النفطية في وقت يتجه فيه العالم الى انتاج بدائل اخرى للطاقة تكون صديقة للبيئة وتقلل من مخاطر الاحتباس الحراري أيضا لا بد من تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية وتتزامن هذه الاهداف بصورة خاصة مع تيار الانفصال والتهيئة لذلك في ولايات الشمال البالغ عددها ‬15 ولاية وقد كشف البنك المركزي عن جهود مبذولة لتهدئة الوضع لمن يهولون مستقبل الوضع الاقتصادي بالبلاد حال الانفصال فكان هنالك مقترح لمعالجة مشكلة العملة وذلك بأهمية وضرورة اتفاق الطرفين بشأن اتحاد نقدي (كحل اسلم) ولو لفترة محدودة لحين اتفاق الطرفين بشأن العملة لتجنب الخسائر محذرا (البنك المركزي) من تداعيات عدم الاتفاق بشأن اقتصاد الدولتين.

بدأ جنوب السودان رحلة الاستفتاء تجاه تقرير المصير والذي سيحدد إن كان جنوب السودان سيبقى جزءا من السودان كدولة .. من منظور اقتصادي ماذا يعني انفصال الجنوب بالنسبة لثروات السودان؟

لا شك أنكم تتابعون تطورات الازمة المالية العالمية والتي ضربت جميع اقتصاديات الدول الكبرى في اوروبا وغيرها وطال اثرها حتى اقتصاديات الدول النامية والسودان إحدى هذه الدول التي تأثرت بهذه الازمة خاصة في القطاع الخارجي بسبب اعتماد الدولة على عائدات البترول كمورد اساسي للنقد الاجنبي إضافة الى تعثر الدول الاخرى في مجال القروض والمنح وتدفق الاستثمارات الخارجية لذلك أثر الانفصال لا يكون أكثر من اثر الازمة الاقتصادية العالمية على الاقتصاد السوداني والتي استطاع تجاوزها بالمحافظة على الاستقرار الاقتصادي بمعدلات موجبة في الناتج المحلي الاجمالي وكبح جماح التضخم وغير ذلك.

وحقيقة لا ننكر التأثير السلبي المحدود على ثروات السودان حيال انفصال الجنوب خاصة واننا نعتمد على عائدات انتاج النفط في تمويل الانفاق العام بموازنة الدولة وجزء من مشاريع التنمية، مع الاخذ في الاعتبار ان بالجنوب موارد اخرى لم تستغل بعد ولم يستفد منها الشمال غير سلعة البترول.

ولذلك لا بد من ايجاد سياسات واجراءات بديلة وقد بدأت الدولة في التحوط لذلك فقد اتخذت على المدى القصير اجراءات تؤدي الى تقليل الانفاق العام والاهتمام بالقطاعات الاخرى خاصة القطاع الزراعي لتجسير الفجوة الايرادية حيال الانفصال وذلك على المدى الطويل من خلال خطط تستهدف تنويع الصادرات غير البترولية وزيادة الناتج المحلي الاجمالي بمساهمة عائدات القطاعات الاخرى.

ثروات النفط والغاز تتركز في جنوب السودان .. يخشى البعض أن يؤدي انفصال الجنوب إلى شمال فقير وجنوب غني .. هل هناك مخطط لتوزيع تلك الثروات بشكل عادل؟

نؤكد أن الشمال غني بالموارد الطبيعية إضافة الى الزراعية والثروة الحيوانية والمعادن والسياحة، وإن غالبية الحبوب الغذائية تنتج شمالا حيث يتوفر المناخ الملائم لها وان اكتشاف المعادن الاخرى كالذهب والحديد واليورانيوم والمنجنيز والالمونيوم يتوفر بشمال السودان اضف الى ذلك المسوح الجيولوجية أكدت على وجود كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي في شرق وغرب ووسط السودان وتعمل الحكومة الآن على توفير البيانات الاولية حولها وعرضها على المستثمرين (وعلى سبيل المثال أن حقل الفولة بولاية كردفان قد زاد انتاجه الى اكثر من ‬60 ألف برميل يوميا وأن عائدات صادر الذهب حاليا اكثر من ‬1,4 مليار دولار في العام) ومازالت الاستكشافات تتواصل في مجال النفط والمعادن الاخرى.

 

مد بساط الاستثمار

ما مصير الاستثمارات الأجنبية في السودان وخاصة تلك التي تركزت في الجنوب إذا ما اختار الجنوب الانفصال؟

الحديث الدائر حول تأثر الاستثمارات الاجنبية في السودان إذا ما اختار الجنوب الانفصال فهذا حديث عار من الصحة تماماً، حاليا جميع الاستثمارات الاجنبية توجد في الشمال حيث تكفل الدولة من خلال قوانينها المركزية والولائية ضمان وحماية حقوق المستثمرين حيث يتمتع الشمال بالبنى التحتية والتشريعية اللازمة لجذب وبقاء الاستثمار الاجنبي مع وجود خدمة مدنية راسخة ذات خبرة وتجربة في الشمال وهذا يؤكد عدم تأثر الاستثمارات الاجنبية بانفصال الجنوب.

 

موارد طبيعية

تستعد شركات أجنبية كبرى لاغتنام فرص الاستثمار في جنوب السودان بعد انفصاله هل سيسحب جنوب السودان الغني بالموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية البساط من تحت أقدام شمال السودان؟

نؤكد ان جنوب السودان غني بموارد طبيعية غير مستغلة تنقصها البنى التحتية والقوانين المنظمة والخبرة العملية في كيفية إدارة هذه الموارد من خلال الاجهزة الحكومية المختلفة والقطاع الخاص المتمكن من ذلك وهذا سوف يتأتى حين استقرار الدولة وتوظيف امكانياتها ووضع خططها المستقبلية وإحكام الادارة لديها.

نحن لا نتوقع أن يتم سحب بساط الاستثمار من الشمال نسبة (وكما اشرنا سابقا) لاستقرار الشمال وتراكم خبراته في مجال سياسات الاعتماد على الذات ورصيده الوافر من البنى التحتية والتشريعية والخبرات الادارية ومدى جاهزيته لذلك ولكن الامر يتطلب أيضا وضع سياسات وتدابير لازمة لاحتواء اي مهددات او آثار سلبية اضافة الى تنفيذ حزمة من الاجراءات لمعالجة الاختلالات واعادة التوازن للاقتصاد ونشير بصفة خاصة الى اعادة صياغة السياسات والاجراءات المالية والاقتصادية والنقدية التي تتطلبها ضرورة المرحلة المقبلة وإحكام التنسيق بينها حتى تؤدي الى تحقيق استقرار المؤشرات الاقتصادية الكلية وتحقق الهدف المنشود.

 

الاستثمارات الإماراتية

ماذا عن الاستثمارات الإماراتية في السودان أين تتركز وهل ستتأثر بانفصال جنوب السودان؟

بالنسبة للاستثمارات الاماراتية (وفي حدود المعلومات المتوفرة لنا) توجد جميعها حتى الآن في الشمال وقد سبق أن ذكرنا ان الاستثمارات الاماراتية الزراعية في السودان تبلغ اكثر من ‬600 الف فدان وتوجد بولايات الشمال (ولم يسبق أن تعاملت المستشارية مع راغبين في استثمارات بجنوب السودان رغم الترويج لذلك متعللين بعدم توفر الاستقرار الامني بالمنطقة) وإلا ما لم نعلمه.

طالما دعا السودان دول المنطقة للاستثمار الزراعي فيه والتأكيد أن السودان قادر على توفير الأمن الغذائي للمنطقة هل انفصال الجنوب سيغير من تلك الدعوات؟

 

كما تعلمون قد أكدت التقارير الاقتصادية الصادرة عن منظمات وهيئات دولية واقليمية أن السودان قادر على توفير الامن الغذائي للمنطقة وحتى للعالم اجمع (خاصة بعد تأثر كثير من الدول المنتجة للحبوب وبعض السلع الغذائية الاخرى بأزمات اقتصادية وطبيعية لم تجعلها قادرة على تأمين حاجة الدول الاخرى من المنتجات الغذائية) فالسودان يمتلك ‬200 مليون فدان صالحة للزراعة لم يستغل منها سوى أقل من ‬20٪ مع توفر مصادر الري (مسطحات مائية، أمطار، مياه جوفية) وهذا الامر يحكي عن شمال السودان والذي توجد به الولايات المناط بها تحقيق هذا المفهوم وعلى سبيل المثال (ولاية الشمالية وعاصمتها دنقلا بها ‬20 مليون فدان صالحة لزراعة القمح) وقد أكدت ذلك كل الدراسات المتوفرة وفي الوقت الراهن سوف يعتمد الجنوب على الشمال في تأمين احتياجاته من السلغ الغذائية والاستراتيجية الاخرى نسبة لطبيعة الظروف المناخية السائدة في جنوب السودان والتي تصلح لمنتجات غذائية وغابية اخرى خلافا للحبوب التي تحقق الامن الغذائي.

ما توقعاتكم لمستقبل اقتصاد السودان ونحن على أعتاب انفصال جنوب السودان خلال الأيام القليلة القادمة؟

أما بالنسبة لمستقبل اقتصاد شمال السودان نؤكد بدورنا قدرة الاقتصاد الوطني (شمالا) على تجاوز الآثار السلبية كل ذلك بتوفر الارادة الشعبية والسياسية وتكامل الادوار في المنطقة المحيطة والعالم اجمع وذلك من خلال استغلال امثل للموارد الهائلة المتوفرة وتطويرها، وأن يظل الشمال محتلا موقعا استراتيجيا محققا للامن الغذائي العربي وابعد من ذلك واستغلال الموارد الاقتصادية الاخرى من تعدين وسياحة وغيرها ان شاء الله.

ونؤكد أن شمال السودان وجنوبه (حتى وان كان الخيار الانفصال) هما دولة واحدة على مستوى شعبيهما من حيث الروابط الاجتماعية والثقافية والعرقية، وأن للدولتين أدوارا متكاملة لا تتحقق الا بالاتفاق معا على المستوى الاجتماعي والسياسي والتكامل الاقتصادي ويعزز ذلك كثيرا من المفاهيم والمصالح المشتركة بينهما.