أكد الدكتور تيم جونز، مدير برنامج «أجندة المستقبل»، أن الإمارات حققت إنجازات عظيمة في تنمية اقتصادها بالاستفادة من خبرات العالم وتطويرها مشيداً بالاستراتيجية الوطنية للابتكار التي تسعى لتحقيق قفزة نوعية في كافة القطاعات لجعل الدولة إحدى أكثر الأمم ابتكاراً على مستوى العالم بحلول 2021.
واعتبر جونز الذي يشارك في مهرجان طيران الإمارات للآداب في مارس المقبل، ويترأس تقارير التحليل السنوي لقيادات الابتكار، وأحد مؤسسي «أجندة التنمية» وهي شبكة عالمية للخبراء، أن انتقاء 7 قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة المتجددة والنقل والمواصلات والمياه والتعليم تظهر امتلاك رؤية واضحة ومركزة موضحاً أن التحدي الأساسي يتمثل في مقدار الابتكار محلي المنشأ وضرورة تأسيس جامعات بحوث محلية المنشأ في دولة الإمارات على طراز عالمي وتكون في نفس المستوى مع أفضل 10 جامعات عالمية.
وأكد خبير الابتكار والتنمية والمستقبل ومؤلف ومحرر عشرة كتب ومتحدث دائم في القيادة الابتكارية وبرامج التنمية والتوجهات المستقبلية أهمية نهج التنويع الاقتصادي لدول مجلس التعاون حيث تمثل الصناعات الكيماوية والاتصالات والسياحة والعقارات المجالات الرئيسية لهذه الدول حتى اليوم.
ودعا الدكتور تيم جونز لدعم الاستثمارات الاقتصادية في الخدمات المالية والاتصالات والنقل والمواصلات والطاقة الشمسية والمياه والتعليم والصحة، مشدداً على أهمية دعم التوجهات المستقبلية الجديدة وتحقيق التنافسية العالمية، والعمل من دون الحاجة إلى الدعم الحكومي على المدى القصير إلى المتوسط، وخلق فرص عمل لمواطني الخليج في القطاع الخاص... وفي ما يلي تفاصيل الحوار.
المصنع الذكي
هل تخلق الثورة الصناعية الرابعة فجوة اقتصادية بين دول العالم تزيد الفروق ومستويات المعيشة بين مناطق العالم؟
هناك توقعات متنامية بخصوص الفوائد الناتجة عن «الثورة الصناعية الرابعة» والتي يراها البعض اندماجاً ما بين أنماط التكنولوجيا المختلفة بحيث تتداخل فيها المجالات المادية والرقمية والحيوية، والآخرون يطلقون عليها ببساطة «المصنع الذكي».
وذلك يأتي كنتيجة طبيعية لشيوع استخدام إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية والأنظمة السيبرانية المادية التي غيرت من مجرى الأمور والطريقة التي نتعامل بها مع الأشياء، وكذلك هنالك نقلة نوعية في القطاع الذي انتقل من الإنتاج المركزي نحو اعتماد نهج التوزيع، فقد أصبح هنالك اتجاه قوي نحو تخصيص المنتجات بحيث تتلاءم أكثر مع احتياجات وذوق المستهلك.
وبالتأكيد فإنّ الدول الرائدة في التطور التكنولوجي وتطبيقاته ستكون الأكثر استفادة من مستويات الكفاءة العالية وبحلول 2030 فإنّ المصنّعين سيتمكنون من الانتقال بالأفكار إلى نظام إنتاج متكامل خلال جزء ضئيل من الزمن مقارنة بالزمن الذي يتطلبه ذلك في الوقت الحالي.
ومع الاستخدام الواسع لنظم الأتمتة، فإن هناك مخاوف ناجمة عن احتمالية تسبب ذلك في عمليات استبدال واسعة للموظفين بهذه النظم وكذلك شيوع عدم المساواة، بينما يرى آخرون أن الثورة الصناعية الرابعة ستسهم في تعزيز النظام الديمقراطي عبر التطبيقات وتشجع مشاركة الفوائد بشكل عام.
وفي نظري فإنّ ذلك من شأنه أن يبرز المواهب والشركات المتميزة في مجال التكنولوجيا، ولربما كذلك يدلنا على أولئك الذين يمتلكون الموارد الأساسية التي نحتاج الوصول إليها، ويعد ذلك في غاية الأهمية.
دور المرأة
هناك تخوف من تأثر النساء بالثورة الصناعية القادمة فهل نتجه نحو عصر ذكوري جديد؟
أنا متفائل بخصوص دور المرأة في المستقبل على المستوى الدولي وخاصة في مجالات تطوير التكنولوجيا والتقنيات وتطبيقاتها.
فعمليات الأتمتة أسهمت في التقليل من المخاطر في بعض المجالات وكذلك تولت القيام بالأنشطة المتكررة، وبالتالي عززت أدوار أولئك الذين يتمتعون بمواهب فريدة ليحققوا نجاحات أكبر واعتقد أنها ستسهم في كسر الحواجز في التمييز ما بين الجنسين في العمل أكثر من ذي قبل.
وإذا تمكنت المناطق الأساسية من الحفاظ على الوتيرة التي تعمل بها على تشجيع المرأة على التعليم فإنه لا تتواجد أسباب تمنع تساوي القادة من النساء والرجال خلال الثورة الصناعية المقبلة.
وتشير الدراسات إلى أن النساء أصبح أداؤهن في الجراحات الطبية بالولايات المتحدة أفضل من الرجال، حيث أصبحن على قدم المساواة بنظرائهم الرجال مثل شيريل ساندبرج وأنجيلا أهرينديتس وسوزان جيسيكي ولوسي بنغ اللاتي أصبحن قدوة للنساء حول العالم.
لربما تستمر هيمنة الرجال على القطاع التكنولوجي لفترة ولكن استمراره غير مضمون وأرى أنه على المدى المتوسط إلى الطويل فإنّ الاتجاه نحو تعليم أفضل يقترن بالتكنولوجيا الجديدة سيسهم في زيادة إنجازات النساء بشكل ملحوظ.
القوة التكنولوجية
هل تتقلص هوامش القوة التكنولوجية بين الدول من جهة وبين الجماعات والأفراد وكيف يؤثر ذلك في التبادلات الاقتصادية؟
على الرغم من أنّ ذلك ممكن، إلا أني لا أرى أنّ هذا السيناريو محتمل الحدوث على المدى القريب، فالتطور التكنولوجي والنمو الاقتصادي والقدرات العسكرية لطالما كانت معاً على مر القرون، منذ العصر اليوناني إلى الإسباني وحتى في زمن الإمبراطورية البريطانية وفي الوقت الحالي هيمنة الولايات المتحدة، فالتكنولوجيا تعد مرادفاً للقوة.
ومع امتداد تأثير دولة الصين ونمو اقتصاد الهند فإن القرن الثاني والعشرين سيكون بلا شك العصر الآسيوي وعليه ستحدث نقلة في مركز القوة الاقتصادية بصورة سريعة، وبالتأكيد أنه لن يبقى في أيدي الضعفاء.
وعليه فإنّ عالماً أكثر ترابطاً سيظهر في الأفق، والأمر الذي سيعزز ذلك سهولة الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة حول العالم، فمن الواضح أنّه سيلعب دوراً مهماً في تقوية جهات معينة في بعض القطاعات.
فنجد اليوم أن تقنيات الدفع الإلكتروني والتكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في الخدمات الصحية والمؤسسات المالية قد أصبحت أكثر شيوعاً في دول أفريقيا وآسيا وأمريكيا اللاتينية مما قلّل الفجوة المتزايدة ما بين الدول المتقدمة والنامية.
وعلى الرغم من ذلك فإنه من المؤسف أن ذلك لا يحدث دولياً. وبالتالي فإن التكنولوجيا لا تمثل سلاحاً للضعفاء بقدر أنها أدوات تساعدهم على تسلق السلم الاقتصادي للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة.
تبني الابتكارات
تتميز الإمارات بقدرتها على تبني الابتكارات وإيجاد التشريعات اللازمة لها كيف تقيمون الابتكار في الإمارات؟
تمكنت دولة الإمارات من تحقيق إنجازات عظيمة في تنمية اقتصادها وذلك عبر الاستفادة من خبرات غيرها عبر العالم وتطويرها، إن الاستراتيجية الوطنية للابتكار تسعى الآن إلى تحقيق قفزة نوعية في كافة القطاعات لجعل الدولة إحدى أكثر الأمم ابتكاراً على مستوى العالم بحلول 2021.
وذلك عبر وضع هياكل تنظيمية مؤثرة وتحفيز الإبداع في القطاعين العام والخاص، إلى جانب سعيها إلى جذب مراكز البحث والتطوير العالمية والعمل على بناء قدرات جديدة، فهي بالتأكيد تقوم بخطوات جريئة من أجل تحقيق ذلك.
وعلاوة على ذلك، فإن قيامها بانتقاء 7 قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة المتجددة والنقل والمواصلات والمياه والتعليم فإنها تظهر اعتمادها رؤية واضحة ومركزة.
إن التحدي الأساسي في نظري يتمثل في مقدار الابتكار محلي المنشأ، أي الإبداع الذي يقوده المواطنون مقارنة بذلك الذي ترعاه أو تتبناه دولة الإمارات.
إن خلق البيئة الصحيحة للإبداع يدور حول تحفيز ودعم عدد من العوامل والبعض يرى أن عدد هذه القطاعات كبير وربما يجدر التركيز على 3 مجالات رئيسية بدلاً عن 7 تتصل بشكل أكبر بعلوم مراكز البحوث والتطوير.
وقبل كل ذلك فإن هنالك حاجة إلى تأسيس جامعات بحوث محلية المنشأ في دولة الإمارات على طراز عالمي وتكون في نفس المستوى مع أفضل 10 جامعات عالمية تشمل إم أي تي وكامبريدج وستاندفورد، أو تكون متواجدة ضمن أفضل 50 معهداً بحلول 2050، فعلى سبيل المثال فإنّ جامعة هونج كونج أو إن تي يو تعد من الجامعات الموثوقة، ومن دون توافر هذه المكونات الأساسية فإن ربط قدرات الإبداع المستقبلي بدولة الإمارات سيمثل تحدياً كبيراً.
دور متنامٍ للأفراد في قيادة الاقتصاد
تنبئ التوجهات الاقتصادية الجديدة بتضاؤل دور الحكومات، فمع مصادر الطاقة البديلة سيؤمن الأفراد احتياجاتهم بأنفسهم، كما أن العملات الافتراضية مثل «البيتكوين» ستقلص أهمية البنوك المركزية وبالتالي تحكم الحكومات في حياة الناس، وبالتالي يتزايد دور الأفراد في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي وخاصة أن شركات ناشئة لأفراد أصبحت تمتلك ما يوازي ميزانيات دول صغيرة.
وقال تيم جونز: هنالك 3 نقاط منفصلة متعلقة بالأمر أولها تراجع دور الحكومات على صعيد التواصل الثقافي عبر الجنسيات المختلفة وزيادة نفوذ الشبكات وثانياً توافر طاقات متجددة أكثر تتمتع بسهولة الوصول إليها نتيجة تطور القطاع التكنولوجي.
أما النقطة الثالثة فهي زيادة العملات البديلة عبر الشبكات التي اكتسبت ثقة المستهلك حول العالم.
وكل نقطة مذكورة تترابط مع النقاط الأخرى ولذا فإني سأعيد صياغة السؤال كالتالي: عند النظر إلى التغييرات التي طرأت على نفوذ بعض الحكومات وتحوّل موازين القوى الاقتصادية والنمو السريع لبعض الشركات الناشئة، ما التصور لدور الأفراد في تشكيل مستقبل الاقتصاد؟ والإجابة ستكون أنه مع ما يشهده العالم اليوم من تطور مذهل في الاتصالات، أصبح للأفراد دور فعّال في بناء المؤسسات والإسهام في تعزيز مكانتها.
هجرة
قال تيم جونز إن قضية الهجرة واللاجئين أحد الموضوعات الساخنة في العديد من مناطق العالم، حيث تجلت المواقف في بعض البلدان مثل أميركا وأوروبا وقد تشهد انتشاراً أكبر في ظل عوامل مثل المنافسة على الوظائف وتغير المناخ. ويتفق خبراء على ذلك خاصة في البلدان التي تمتلك معدلات إعانة منخفضة وبالتالي فإنّ كبار السن واللاجئين لن يكونوا فقط قوة إيجابية إنما حجر أساس لدعم الاستدامة.
فقدان التنوع البيولوجي يفاقم تحديات الاستدامة
يعتبر تيم جونز أن العالم اليوم يشهد صحوة نحو حتمية معالجة بعض تحديات الاستدامة الرئيسية فقد تجاوزنا حدود استهلاك الموارد الطبيعية وأصبحنا نواجه خطر فقدان التنوع البيولوجي وتدفق النيتروجين. إن تأثير التغير المناخي وزيادة حموضة المحيطات قد وصلت إلى مستويات خطرة، وقد وصلت الأضرار الناجمة عن ذلك إلى نقطة غير قابلة للتعديل، خاصة فيما يتعلق باتزان النظام البيئي.
نحن اليوم في عصر الانثروبوسين، وهو عندما تصبح أنشطة الإنسان ذات أثر كبير على الأنظمة الإيكولوجية للكرة الأرضية. ولذا فإنه علينا البدء بالتصرف الآن فوراً وعلى مستوى واسع ودون أي تأخير.
هنالك بعض المشككين بمدى حجم تأثير التغيرات المناخية ويقومون بتأخير تدابير الإصلاح وفي نفس الوقت هنالك آخرون على وعي بأهمية التدخل السريع للتغيير، خاصة إذا أردنا تجنب وصول الاحتباس الحراري إلى مستوى 4C.
فإذا كان العلماء محقون بشأن هذه الافتراضات فإنّه قد تتوفر لدينا فرصة ضئيلة في إنقاذ الكرة الأرضية من أجل أجيال المستقبل. أما إذا كانوا مخطئين، فإن الأمر لا يزال يستحق المحاولة والجهود، وسيكون أمراً جيداً أن نقوم بتغيير مجرى الأمور.
سياسات التنويع ضرورة لاقتصادات دول التعاون
قال الدكتور تيم جونز: إن التنوع الاقتصادي يعد مسألة واضحة وملحة لدول التعاون، وتمثل قطاعات الصناعات الكيماوية والاتصالات والسياحة والعقارات المجالات الرئيسة التي تمثل التنوع الاقتصادي لهذه الدول حتى اليوم.
والسؤال المطروح هنا إلى أي مدى يمكن أن تتوسع هذه البلدان في مواردها الاقتصادية وبأي وتيرة؟ وبالنسبة لدولة الإمارات وقطر والبحرين والكويت فإن الاستثمارات في الخدمات المالية والاتصالات والنقل المواصلات والطاقة الشمسية والمياه والتعليم والصحة تحتاج إلى المزيد من الدعم لتنمو بوتيرة أسرع وأقوى.
أما على صعيد منطقة الخليج فإنّ العولمة في السعودية وتنامي تحديات البطالة تجعل التنويع أكثر إلحاحاً.
وأضاف أن هنالك 6 عوامل من شأنها أن تدفع عجلة التنويع تشمل أهمية دعم التوجهات المستقبلية الجديدة – ومدى القدرة على المحافظة عليها كمحفزات للنمو وطبيعة التحديات الخارجية لهذه الأنشطة.
وبالتالي مدى القدرة على تحقيق التنافسية إضافة إلى القدرة على العمل دون حاجة إلى دعم حكومي على المدى القصير إلى المتوسط والقدرة على خلق فرص عمل للمواطني بالقطاع الخاص والفرص التي تتيحها القطاعات الجديدة لدعم المجالات الموجودة في الأنشطة الاقتصادية.

