يعتبر مستقبل التنقل من الأمور المهمة في أي اقتصاد، إذ إن الثورة الصناعية الأولى اعتمدت على المحركات البخارية والقطارات، والتي مكنت من زيادة الإنتاج وتسهيل نقل البضائع فيما اعتمدت الثورة الصناعية الثانية على محركات الاحتراق الداخلي لتأمين نقل البضائع، وسيكون المستقبل لمن يملك مفاتيح التنقل وخاصة العربات المؤتمتة وذاتية القيادة.

وكما دائماً، تنتهج دبي طريق الابتكار وتنجح بجذب أهم الشركات العالمية للاستفادة من خبراتها مثل «مختبر أبحاث النقل – تي آر إل»، حيث التقى «البيان الاقتصادي» جورج الزاخم، مدير البرنامج لدى المؤسسة لاستعراض مستقبل النقل في دبي التي تعمل على مواكبة التغيرات المتسارعة وتبني الابتكارات التكنولوجية الحديثة.

وتحويل 25% من رحلات المواصلات العامة إلى ذكية وذاتية القيادة بحلول 2030، ضمن توجه تعزيز أمن وكفاءة قطاع النقل لجعل الإمارة المدينة الأذكى عالمياً استناداً إلى اقتصاد مستدام ومتنوع، وسط نمو قطاع المركبات الكهربائية، وإنشاء شبكة طاقة أكثر مرونة في زيادة كفاءة استخدام الطاقة المتجددة في النقل.

وأكد جورج الزاخم الحاجة لمواكبة متطلّبات نظم النقل الجديدة كالمركبات الكهربائية والمؤتمتة والمتّصلة في الإمارات لمعالجة تحديات التكدّس المروري وزيادة حركة المرور على الطرقات.

واستعرض مدير البرنامج لدى مؤسسة «مختبر أبحاث النقل – تي آر إل» عن الاقتصاد التشاركي وتأثيره على مستقبل النقل حيث من المرجح أن يصبح خيار ملكية المركبات أقل جاذبية مقابل تنامي الإقبال على خيارات النقل متعدد الوسائط، وسط زيادة في التوجّه نحو مشاركة المركبات بدلاً من تملّكها في مستقبل لا يقوم على تملّك السيارات بل اختيار النموذج الأنسب لإجراء الرحلات الفردية.

آفاق التطوير

ما آفاق تطوير قطاع النقل بالإمارات في ظل المتغيرات التكنولوجية ؟

تشهد دبي نمواً لافتاً في التعداد السكاني الأمر الذي يفرض تحديات جديدة وفريدة أمام نظم النقل التقليدية. ونجحت حكومة دبي في مواكبة التغييرات المتسارعة وتبَني الابتكارات التكنولوجية الحديثة، لتقدم بذلك نموذجاً يحتذى به في إرساء دعائم متينة لرسم مستقبل النقل محلياً وإقليمياً، معززة مكانتها الريادية كمختبر عالمي للتكنولوجيا والبحث والتطوير.

ونقوم برصد ومراقبة حركة تطور ونمو قطاع المركبات الكهربائية، الذي يتحول بسرعة هائلة إلى قطاع حيوي. لذا، نتوقع أن يستمر ويتنامى التوجّه نحو استخدام المركبات الكهربائية في دولة الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط ككل.

وبالمقابل، من المرجّح أن تنحسر أعداد المركبات التقليدية العاملة بالديزل في المدن في إطار جهود تحسين جودة الهواء، إلاّ أنّ الأمر يتطلب تبني نظم بيئية (Ecosystems) ذكية لتطوير البنية التحتية بالشكل الذي يدعم شحن واستخدام المركبات الكهربائية بسهولة وفعالية تامة. ويتوجب التركيز على تحديث نظم وشبكات الطرق الكهربائية، لا سيّما فيما يتعلق بتحسين أداء المركبات الثقيلة على الطرقات السريعة.

ومن المتوقع أن تصبح نظم الطاقة والنقل أكثر تكاملاً، إذ سيساهم إنشاء شبكة طاقة أكثر مرونة في زيادة كفاءة استخدام الطاقة المتجددة في النقل.

سيارات المستقبل

ما الاستعدادات لاستضافة سيارات المستقبل ومحطات شحن السيارات بالكهرباء؟

تماشياً مع التوجه المتنامي للتقنيات الذكية في دبي وفي إطار مبادرة «الشاحن الأخضر»، افتتحت هيئة كهرباء ومياه دبي «ديوا» أوّل محطة شحن للمركبات الكهربائية في دبي في فبراير 2015، لتنجح لاحقاً في نشر 100 محطة شحن في عدد من أهم المواقع الحيوية في الإمارة، وذلك على مقربة من مراكز التسوق والمطارات والمجمعات السكنية والمكتبية ومحطات الوقود والهيئات الحكومية وغيرها.

ويحمل المستقبل فرصاً هائلة لقطاع المركبات الكهربائية في الوقت الذي تسعى فيه «ديوا» لتركيب المزيد من محطات الشحن وفق عوامل عدة، تشمل عدد المركبات ومعدل الإقبال على محطات الشحن العاملة حالياً في الإمارة، فضلاً عن عدد الطلبات المقدمة لتركيب محطات شحن المركبات الكهربائية ضمن المناطق السكنية في دبي.

رؤية طموحة

ما مساهمتكم في استراتيجية النقل الذكي لإمارة دبي؟

تسير دبي وفق رؤية طموحة تهدف إلى جعل 25% من رحلات المواصلات العامة ذكية وذاتية القيادة بحلول العام 2030، وذلك في إطار الأهداف الاستراتيجية الرامية إلى جعل الإمارة المدينة الأذكى عالمياً استناداً إلى اقتصاد مستدام ومتنوع. وتتمحور الاستراتيجية حول تعزيز أمن وكفاءة قطاع النقل وتقليل الازدحام والحد من التلوث وإيجاد حلول فاعلة لاستغلال ساعات السفر بكفاءة تامة.

وبالتزامن مع تنامي شعبية الاتجاه الجديد فمن المرجح أن يصبح خيار ملكية المركبات أقل جاذبية مقابل تنامي الإقبال على خيارات النقل متعدد الوسائط بما في ذلك تقاسم المركبات أو الدراجة الهوائية من قبل المسافرين والزوار.

ومما لا شك فيه بأنّ المركبات المؤتمتة ستوفر خيارات سفر جديدة وذكية تلبي احتياجات الركاب وفي الوقت ذاته تساهم محركاتها الصديقة للبيئة التي لا تنطوي على أي انبعاثات كربونية ضارة في الحد من البصمة الكربونية لقطاع النقل، فضلاً عن تحسين جودة الهواء وغيرها الكثير من الفوائد الصحية على الفرد والمجتمع. وتلعب المركبات ذاتية القيادة دوراً هاماً في دعم جهودنا الرامية إلى بناء المدن الذكية.

وبالنظر إلى أنّ إطار عمل هذا النمط من المركبات والمجهز بمجموعة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار، يتركز في التجوال بانتظام في الشوارع، فستكون له مساهمات بارزة في جمع البيانات عن حالة البنية التحتية وإبلاغ السلطات المعنية بوجود الحفر واختفاء علامات الخطوط على الطرق ووجود أعطال في إضاءة الشوارع وغيرها من الحالات ما يساعد في رفع كفاءة وفعالية عمليات الصيانة وضمان إجرائها في الوقت المناسب.

إن تنامي شعبية تقنية المركبات ذاتية القيادة، التي توفر وسيلة نقل أكثر أمناً وسلامة، يدفعنا إلى القول بأنها ستحدث بلا شك تغييراً جذرياً ضمن قطاع النقل في المنطقة.

ومشروع «غيتواي: جرينتش أوتوميتيد ترانسبورت إنفايرونمينت»، البالغة قيمته 8 ملايين استرليني ينطوي المشروع على تعزيز استخدام المركبات ذاتية القيادة ضمن البيئات الحضرية في المملكة المتحدة وتم تنفيذه بمشاركة نخبة من الشركاء وبتمويل من «إنوفايت يو.كيه» ويهدف إلى استخدام مركبات ذاتية القيادة وصديقة للبيئة لنقل الركاب والبضائع في رويال بورو– جرينتش في لندن.

أهم التحدّيات

ما أهم التحدّيات التي قد تؤثّر على النقل والمواصلات في الإمارات والعالم؟

إذا ما أخذنا على وجه العموم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يكمن التحدّي الحقيقي في نشر أفضل الممارسات الداعمة لمسيرة الأتمتة في المنطقة وضمان الاستخدام المناسب للتقنيات والحلول ذات الصلة.

وفي إطار التطبيق الفعليّ لهذه الحلول عبر مختلف مدن المنطقة، من المرجح أن تقتصر الخطوة الأولى على تطبيق الخدمات الاختبارية على مدار السنوات الخمس القادمة للتأكّد من فعاليتها على أرض الواقع. ولا شك أن ذلك من شأنه أن يؤدّي إلى تسريع انتشار هذه الممارسات والحلول المبتكرة في أنحاء المنطقة.

وفي دولة الإمارات تواجه البنية التحتية لقطاع النقل والمواصلات العديد من التحدّيات التي تتمثّل في التكدّس المروري وزيادة حركة المرور على الطرقات الأمر الذي يعزّز الحاجة لمواكبة متطلّبات نظم النقل الجديدة كالمركبات الكهربائية والمؤتمتة وفي ظل إقرار الحكومة توجيهات جديدة ضمن قطاع النقل والموصلات للمحافظة على جودة الهواء، كلّنا ثقة أن تعزيز انتشار المركبات الكهربائية وتحسين البنية التحتية لشحن هذه المركبات باستخدام أحدث التكنولوجيا مثل محطات الشحن السريع من شأنه أن يسهم إلى حد كبير في تحقيق الأهداف المرجوة الرامية إلى الحد من الانبعاثات الكربونية.

وعلاوةً على ذلك لا بد من استحداث وتطوير السياسات والأطر التشريعية الحالية بهدف تسريع عجلة الإبداع والابتكار في المجال.

العالم نحو تقنيات القيادة الآلية

يسير العالم اليوم نحو مرحلة جديدة في تبنّي تقنيات القيادة الآلية التي تتمثّل إما في أتمتة المركبات العادية من خلال تزويدها بالبرمجيات المساعدة للقيادة (مثل سيارة ميرسيدس بينز المذكورة) أو تطوير مركبات مؤتمتة بالكامل وذات القدرة على العمل في البيئات الأكثر تعقيداً (ومثال على ذلك سيارات جوجل ذاتية القيادة والمركبات المستخدمة في مشروع «غيتواي» الإلكترونية).

وقال جورج الزاخم إنه فيما يتعلّق بالتشغيل الآلي للمركبات، يتمحور تركيز مصنّعي السيارات ومزوّدي التكنولوجيا وشركات الأبحاث والخبراء في مجال النقل حالياً حول الارتقاء بالمركبات المؤتمتة والمتطوّرة.

إذ يعمل البعض في الوقت الراهن على تطوير نماذج لأتمتة أجزاء من نظم القيادة في المركبات العادية بهدف منح السائقين تجربة أكثر أماناً وراحةً؛ في حين يتوجّه آخرون نحو دراسة كيفية وأسباب تزايد الحاجة إلى إحداث تغييرات شاملة في القطاع وإعادة النظر في أنواع المركبات الأكثر ملاءمةً لتلبية متطلّبات القطاع من أتمتة المركبات.

وفي هذا السياق، نتوقّع ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المركبات المؤتمتة من مختلف الأنواع والطرازات وزيادةً في الاعتماد على حلول التنقّل القائمة على تكنولوجيا الأتمتة.

وأضاف أن ذلك يتطلّب مراجعةً دقيقةً ومتأنّيةً لكافة اللوائح التنظيمية والسياسات المتّبعة في المجال من أجل تعزيز الابتكار وفي الوقت نفسه الحفاظ على أعلى معايير السلامة والأمن في قطاع النقل والمواصلات. ويعد هذا من القضايا الرئيسة ضمن مشروع «غيتواي» الذي تشارك «مختبر أبحاث النقل – تي أر آل» في تطويره.

وفي ضوء التطوّرات المتسارعة التي يشهدها عالم التكنولوجيا في الوقت الحالي، يمكن القول أن قطاع النقل يسير على الطريق الصحيح ليكون أكثر اتّصالاً وارتباطاً بالتكنولوجيا، وهو ما يتجسّد في انتشار المركبات الذكية وتوفّر خدمات الإنترنت اللاسلكي (واي فاي) في القطارات، إضافةً إلى المشاريع قيد التنفيذ لدراسة إمكانية تعزيز الاتّصال في الممّرات الرئيسة والبنية التحتية الذكية في المملكة المتّحدة.

ومن هنا، يتطلّع العديد من مستخدمي نظم النقل إلى المزيد من التطوّرات في تعزيز الاتصال النهائي عبر مختلف شبكات النقل والمواصلات متعدّدة الوسائط.

ومن المتوقّع أن نشهد زيادةً في التوجّه نحو مشاركة المركبات بدلاً من تملّكها، حيث نتوقّع أن يكون لانتشار المركبات المؤتمتة بالكامل دورٌ كبيرٌ في دفع عجلة التطبيق الفعلي للخطط المستقبلية المتمحورة حول تشجيع مشاركة المركبات .

النقل يواجه تحدي أمن المعلومات والبيانات

تشكّل التطوّرات المتسارعة في عالم الاتّصال والتكنولوجيا تحدياً بحد ذاته إذ تضع قطاع النقل والمواصلات أمام مخاطر جديدة حول أمن المعلومات والبيانات.

ولعل خير مثال على ذلك ارتفاع عدد عمليات القرصنة التي استهدفت العديد من النظم والشبكات في مختلف أنحاء العالم والمنطقة. ولذلك نرى أن الأمن الرقمي قد يكون من بين التحديات الرئيسة التي يتوجّب على القطاع مواجهتها لضمان الوصول إلى نظام نقل أكثر اتّصالاً وتطوّراً.

وقال جورج الزاخم، من المهم أيضاً إشراك المجتمع في مسيرة التغيير الإيجابي التي يقودها قطاع النقل والمواصلات وهو ما يتطلّب رفع مستوى الوعي العام بالتطوّرات الجذرية التي تشهدها صناعة المركبات والتنقّل في الوقت الراهن والآثار المترتبة على هذه التغييرات.

ومن شأن ذلك أن يساعدنا في تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الاتّجاهات الناشئة على صعيد السلامة والتنقّل والاتّصال والكفاءة. وممّا لا شك فيه أن معدّلات القبول والاستجابة لهذه التقنيات المتنوّعة يختلف بين المجتمعات المحلية والفئات الديموغرافية. وهنا تكمن أهمية فهم الفرص والتحديات التي تواجه نشر هذه التقنيات الحديثة في المنطقة من أجل ضمان أقصى درجات الفعالية والكفاءة في استخدامها.

مكاتب لدعم نمو وتطور الأعمال في الشرق الأوسط

لدى «مختبر أبحاث النقل – تي آر إل»، إضافة للمكاتب الحالية في أبوظبي مكتب في منطقة البرشاء في دبي يهدف لدعم نمو وتطور أعمال الشركة في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً خدمة العملاء الحاليين والجدد وفي مقدمتهم «هيئة الطرق والمواصلات في دبي» و«بلدية دبي» ووزارة تطوير البنية التحتية حيث يعمل المختبر في أنحاء المنطقة كما سبق أن قدم دراسات استشارية وبحثية في كل من الكويت وعُمان والبحرين والسعودية ولبنان ومصر.

ومع توجه دبي إلى قيادة المنطقة نحو الابتكار، بما في ذلك تنظيم «معرض إكسبو 2020» وتبنيها لمختلف برامج العمل الذكية، يقدم «مختبر أبحاث النقل – تي أر آل» بحوثه المتقدمة في مجالات المركبات ذاتية القيادة والمركبات المرتبطة بالإنترنت، والمركبات منخفضة الانبعاثات والابتكارات في مجالي المدينة الذكية والنقل.

ويعدّ افتتاح المكتب الجديد إنجازاً للشركة يضاف إلى إنجازاتها ومنها مواصلتها توفير جيل جديد من نظام البيانات سلامة الطرق الرائد «آي. ماب» من أجل تقديم ركيزة علمية قائمة على المعلومة الصحيحة والحقائق الواقعية لاتخاذ القرار في هذا المجال؛ بالإضافة إلى تنفيذها تدخلات فعّالة في مجال السلامة على الطرق .