توقّع تقرير حديث صادر عن بنك جوليوس باير السويسري الخاص أن يحقق اقتصاد الإمارات نمواً بمعدّل ثابت بنسبة 4% هذا العام، مع تواصل الانتعاش الاقتصادي بشكل قوي للقطاعات الأساسية غير النفطية في إمارة دبي علاوة على التحسّن والنمو اللذين يشهدهما قطاعا البناء والإنتاج الصناعي. وقال دانيال سافاري رئيس بنك جوليوس باير في الشرق الأوسط وأفريقيا إنه وعلى الرغم من أنّ اقتصادات دول التصدير القوية ستتأثّر بانخفاض الطلب العالمي المتوقع هذا العام، إلا أن الإمارات في المقابل ستشهد ازدهاراً بوتيرة سريعة.
وأضاف سافاري في حوار خاص مع "البيان الاقتصادي" أن المخاطر التي قد تؤثر على اقتصاد الدولة هذا العام تنحصر في عوامل خارجية، تتمثّل في احتمالات تفاقم المشكلات الاقتصادية في أوروبا أو الولايات المتحدة.
كما قد يؤثّر نقص الائتمان المتاح في الأسواق العالمية سلباً على فرص نمو الإمارات، بحسب رأيه، ومؤكداً في الوقت نفسه التزام جوليوس باير تجاه المنطقة والإمارات، إيماناً من البنك بأنّ أسس الاقتصاد في أسواق الدولة والمنطقة لا تزال متينة، وبأن دبي تملك البنى التحتية اللازمة لتكون مركز الخدمات المصرفيّة الخاصّة في الشرق الأوسط.
وفيما يلي نص الحوار:
هل حصلتم على بيانات حديثة عن عدد الأفراد ذوي الدخل العالي اليوم في الإمارات والشرق الأوسط؟
صحيح أنّ الأزمة الماليّة في السنوات القليلة الماضية أثّرت على عدد الأفراد ذوي الدخل العالي في الإمارات والشرق الأوسط، إلا أنّ نسبة هؤلاء الأفراد في المنطقة لا تزال مرتفعة.
ارتفع حجم الأفراد ذوي الدخل العالي في الشرق الأوسط بنسبة 2.7% عام 2011 ليصل إلى 500 ألف فرد، وازدادت الثروة بنسبة 0.7% لتبلغ 1.7 تريليون دولار. علاوة على ذلك، وصل عدد الأفراد ذوي الدخل العالي جداً إلى 4 آلاف فرد في الشرق الأوسط عام 2011، ليستأثروا بنسبة 0.9% من الأفراد ذوي الدخل العالي. وتظهر هذه الإحصاءات أنّ الطلب على خدمات إدارة الثروات كبير، لذلك نواصل الاستثمار بكثافة في المنطقة.
دول المنطقة
في حال ارتفع عدد الأفراد ذوي الدخل العالي، إلى ماذا تعزون ذلك الارتفاع؟
تُعتبر هذه المنطقة سوقاً مهمّة بالنسبة إلى جوليوس باير، وقد شهدنا نمواً قوياً في السنوات الخمس الأخيرة، فلدينا اليوم مكاتب في دبي وأبوظبي والقاهرة واسطنبول. ولا يزال في دول مجلس التعاون الخليجي، ومنها الإمارات، عدد كبير من الأفراد ذوي الدخل العالي والأفراد ذوي الدخل العالي جداً الذين يحتاجون إلى خدماتنا.
بما أنّ دول المنطقة كلّها تسجّل نمواً متيناً جديداً في إجمالي الناتج المحلي، نتوقّع أن يزداد عدد الأفراد ذوي الدخل العالي أكثر فأكثر.
تُعدّ منطقة الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة في العالم التي سجّلت نمواً إيجابياً في مجموع ثروات الأفراد ذوي الدخل العالي منذ العام 2010. وأشارت دراسة أجرتها شركة "كلاتنز" أيضاً إلى أنّ عدد الأفراد ذوي الدخل العالي الذين يرغبون في الاستثمار في المنطقة ارتفع بنسبة 60% عام 2012 مقارنة مع 2011. فضلاً على ذلك، قال 80% من الذين شاركوا بالدراسة إنّهم سيواصلون الاستثمار في المنطقة هذا العام.
بالتوافق مع توقّعات صندوق النقد الدولي على نطاق شامل، من المتوقّع أن يرتفع معدّل نمو إجمالي الناتج المحلي لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 3.4% تقريباً ويتفوّق على نظيره في الاقتصادات الغربيّة. وفيما يخصّ دبي، يميل الأفراد ذوو الدخل العالي إلى الاستثمار في قطاع السكن والفنادق والترفيه والتجزئة. والإمارات إحدى البلدان القليلة في المنطقة التي لم تشهد أي اضطرابات جيوسياسيّة، ما يجعلها ملاذاً آمناً في الشرق الأوسط.
برأيكم، ماذا يجعل من الشرق الأوسط سوقاً سريعة النمو، عدا عن أنّها خالية من الضرائب؟
سوف نعزّز أعمالنا في الشرق الأوسط ودبي. فنريد الارتقاء بالمنطقة إلى مستويات جديدة ومضاعفة حصّتنا في السوق في السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة. ومع استثمارات أكثر في البنى التحتية المحليّة وتوسيع فريق الخبراء الماليّين، سيحرص "جوليوس باير" على احتلال الموقع المثالي الذي يخوّله تلبية الحاجات الفردية للعملاء في المنطقة.
كثيرة هي العوامل التي تجعل من الشرق الأوسط سوقاً سريعة النمو والتي سمحت بارتفاع الاستثمارات الأجنبيّة. لقد عملت دول مجلس التعاون الخليجي على تنويع اقتصادها، من الاعتماد على النفط لا غير إلى تطوير قطاعات السياحة والمالية والعقارات. وعلى الرغم من الركود العالمي وبيئة السوق الصعبة، لا تزال المنطقة زاخرة بالفرص المهمّة لإدارة الثروات.
تتميّز دول الخليج بتنوّع سكاني عالٍ، وأصبحت من أهمّ المناطق اقتصادياً وسياسياً في العالم في السنوات القليلة الماضية. وهذا ما أدّى إلى تدفّق اليد العاملة الماهرة جداً في مختلف القطاعات والنمو السريع لعدد من الصناعات. يدلّ ذلك على أنّ الأساسات في المنطقة متينة ويبرّر إيماننا القوي بقدرة أسواق الشرق الأوسط سريعة النمو.
ما دمتم تزورون الإمارات كثيراً، كيف ترون دبي عام 2013؟ وبرأيكم، كيف ولمَ تخطّت دبي و الإمارات أزمتَي 2008 و2010؟
لقد بدأت دبي والإمارات تتعافيان من أزمتَي 2008 و2010 الماليّتين بوتيرة مستقرّة. ومع أنّ مستويات النمو ليست كتلك المسجّلة قبل العام 2008، تظهر المعدّلات المتوقّعة للسنوات القليلة المقبلة تحسّناً متواصلاً.
القطاعان اللذان عانا كثيراً بين 2008 و2010 هما قطاع العقارات وقطاع الأموال، غير أنّهما أظهرا علامات انتعاش ملحوظة. ويشير أيضاً النمو المتواصل في عدد الأفراد ذوي الدخل العالي إلى عدم انقطاع الطلب على الخدمات المصرفيّة الخاصّة. وحتى قطاع العقارات أظهر تحسّناً ملحوظاً أيضاً، وسيواصل النمو كما رأينا العام المنصرم.
من ناحية أخرى، سيزدهر قطاع السياحة بعد الاستفادة من الأحداث الجارية في المنطقة، وسيتحسّن قطاع البناء الذي تراجع في العامين الماضيين ليحقّق النمو عام 2013، مع توقّعات تقول إنّ أبوظبي ودبي وإمارات شمالية أخرى ستقوم بمشاريع سياحية وبنى تحتيّة. وتدلّ كل هذه العوامل على أنّ اقتصاد الإمارات سيسجّل علامات تعاف مهمّة عام 2013.
البنى التحتية
نظراً إلى البنى التحتية عالمية المستوى، أتعتقدون أن دبي أصبحت أو قد تصبح مركزاً للخدمات المصرفيّة الخاصة في الشرق الأوسط؟ ولماذا؟
تملك دبي البنى التحتية اللازمة لتكون مركز الخدمات المصرفيّة الخاصّة في الشرق الأوسط. فهي تتميّز عن غيرها من المدن في المنطقة بنموّها الاقتصادي الثابت وقطاعاتها الصناعيّة المتنوّعة ومناخها السياسي المستقرّ. فضلاً على ذلك، يبلغ دين الدولة الخارجي مستويات متوسّطة، ووضع الدولة المالي سليم نسبياً. وبالتالي، إذا تدهورت البيئة الخارجية عام 2013، تملك الإمارات موارد كافية للتعويض عن الصدمات الخارجيّة.
أثبتت إمارة دبي أنّها تحتل موقعاً ممتازاً، وأصبحت حذرة أكثر بعد أن تأثّرت الأسواق بسلسلة من الصدمات الاقتصادية بين العامين 2008 و2010. وما زالت دبي تضمّ عدداً كبيراً من الأفراد ذوي الدخل العالي والأفراد ذوي الدخل العالي جداً الذين يحتاجون خدمات إدارة الثروات التي نقدّمها. وتشير كل هذه الاتجاهات إلى احتمال أن تصبح دبي مركزاً للخدمات المصرفيّة الخاصّة في الشرق الأوسط.
الأفضليات
ما الأفضليّات التي تتحلّى بها الإمارات مقارنة بالأسواق الأخرى في المنطقة، وما الأفضليّة التي تتحلّى منطقة الشرق الأوسط مقارنة بالأسواق العالمية الأخرى؟ (ولا سيّما أوروبا)
تتمتّع أسواق الشرق الأوسط بمزايا كثيرة مقارنة مع أوروبا أو الولايات المتّحدة. أوّلاً، لا تزال منطقة اليورو والولايات المتحدة تواجه مشكلات اقتصاديّة كبيرة ستؤثّر على إمكانيّة نموها في السنوات القليلة المقبلة. أمّا دول مجلس التعاون الخليجي، فمن المتوقّع أن تنمو بنسبة 3.4% خلال هذا العام وأن يزداد إجمالي الناتج المحلي في الإمارات بنسبة 3.9%.
يُعزى النمو المرتفع إلى توسّع التصنيع والإنتاج، والسياسات الماليّة التوسّعية، ومعدلّات الفائدة المنخفضة (ومن دون ضرائب)، وكلّها تدعم النشاط الاقتصادي في المنطقة. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو التعامل مع السياسات الماليّة التقشفيّة وانخفاض مستويات الإنتاج وتراجع نشاطات المستهلك. هذا وتستمرّ البيئة التنظيمية الصارمة في أوروبا بإبعاد المستثمرين.
بالمقارنة مع الاقتصادات التي تعتمد على الصادرات، والتي لا تزال متضرّرة من انخفاض الطلب من الاقتصادات الاستيرادية، من المتوقّع أن تنمو الصادرات من الإمارات بشكل خاص بمعدّل عال عام 2013.
ما زالت دول كالإمارات وقطر تستفيد من مستويات عيش عالية ومن سكان من مختلف الثقافات ومن اقتصاد يزداد نمواً وتنوّعاً. فهذه بعض العوامل التي جعلت من الشرق الأوسط والإمارات وجهتَي استثمار جاذبتين مقارنة مع غيرها حول العالم.
تسديد الضرائب
"جوليوس باير" هو من بين 11 مصرفاً سويسرياً تحقّق معها السلطات الأميركيّة بخصوص الادّعاءات بأنّها ساعدت الأميركيّين على تفادي تسديد الضرائب. أين أصبحت هذه القضيّة الآن؟
هذه مشكلة قديمة تواجهها مصارف كثيرة. لكن مصرف "جوليوس باير" يدعم بالكامل المفاوضات الجوهريّة الجارية بين الحكومتين.
اتّبع "جوليوس باير" مقاربة مبكرة وقائية وتعاونيّة بهدف حل هذه المسألة، ونحن نتعاون بالكامل مع السلطات الأميركية. نحن واثقون بأنّنا سنجد حلاً.
هل لديكم خطط للتوسّع في الشرق الأوسط؟
قمنا بعمليّات توظيف مهمّة عام 2012 وسنواصل تنمية أعمالنا بشكل أساسي. وبعد الإعلان عن الاستحواذ على أعمال "ميريل لينش" العالمية لإدارة الثروات خارج الولايات المتحدة، سيوسّع "جوليوس باير" حضوره في الشرق الأوسط مع إضافة مواقع جديدة في بيروت والبحرين.
ما هو حجم أصول عملائكم الحالي وهل لك أن تعطينا فكرة عن نتائج آخر العام 2012؟
تُعتبر هذه المنطقة سوقاً مهمّة جداً بالنسبة إلى "جوليوس باير"، لكنّنا لا نستطيع الإفصاح عن الأرقام الإقليميّة.
ما هي استراتيجيّتكم للعام 2013؟
"جوليوس باير" هو مجموعة الخدمات المصرفيّة الخاصة السويسريّة الرائدة، ويركّز على خدمة العملاء الراقين وتقديم النصائح إليهم، وهو علامة ممتازة رائدة في إدارة الثروات العالمية. ونحن نتّبع استراتيجية واضحة جداً ومركّزة تقدّم نصائح شاملة وخاصة حول إدارة الثروات إلى العملاء، كما سوف نصدر تقريراً عن العام الكامل في 4 فبراير ونقدّم المستجدّات حول وضع عملية الاندماج. وستضفي أعمال "ميريل لينش" نطاقاً أكبر على المواقع الحالية وحضوراً في عدد من المواقع الجديدة كالبحرين وبيروت.
توقّعات 2013
يجري "جوليوس باير" تحليلاً سنوياً معمّقاً للأسواق المالية العالمية كل عام. وتظهر البحوث الأخيرة أنّ عام 2013 سيشهد نمواً منخفضاً ومعدّلات فائدة منخفضة قياسية واستثماراً متباطئاً.
ستظهر حول العالم مشكلات هيكليّة ملحوظة ستؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي وتدفع بالمستثمرين لاتّخاذ استراتيجيّة استثمار حذرة ومن دون مخاطر ويسهل التحكّم بها.
سيؤدي التقشّف المالي الذي تمارسه الحكومات في منطقة اليورو إلى تراجع اقتصادي أقل حدّة مقارنة مع الولايات المتحدة واليابان. لكن لينتعش الاقتصاد بالفعل، لا بدّ من سياسات متماسكة أكثر من قبل الحكومة الأوروبية وإنشاء اتّحاد مصرفي.
ستتجنّب الولايات المتحدة الركود هذا العام بفارق ضئيل، فقد نجحت أخيراً في تجنّب الوقوع في تدهور مالي كان سيؤدي إلى سياسات تقشفيّة. أمّا اليابان، فستواجه أزمة اقتصادية أكثر خطورة، إذ لن تستطيع تجنّب سلسلة من القيود المالية التي يجب أن تفرضها.
الشرق الأوسط أحد أهمّ أسواق نمو الأصول المُدارة
قال ريمي بيرسييه، عضو مجلس إدارة بنك جوليوس باير: إن أصول البنك المدارة حول العالم نمت بنسبة 11 % بنهاية العام 2012 لتبلغ 189 مليار فرنك سويسري (207 مليارات دولار أميركي)، مشيراً إلى أن الشرق الأوسط من بين أهمّ أسواق النمو للأصول المُدارة، إلى جانب آسيا، وأميركا اللاتينية، وروسيا، ووسط أوروبا وشرقها.وهذا رقم قياسي، أما عن أرباح البنك الصافية في الفترة نفسها فبلغت 476 مليون دولار.
وأود الإضافة أن عملية الاستحواذ على أصول إدارة الثروات في "ميريل لينش" خارج أميركا تجري حسب الخطة، وهي طور الإنجاز. ومن المتوقّع أن يكسب "جوليوس باير" أصولاً مُدارة بقيمة 72 مليار فرنك سويسري، يأتي ثلثاها الأصول من أسواق النمو، كما يسمح هذا الاستحواذ لـ "جوليوس باير" بأن تخطو خطوة مهمّة نحو الأمام في استراتيجيّة النمو التي تتّبعها،

