أكد مسعود أحمد، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، أن المشاريع العملاقة الجديدة، التي أعلنت عنها دبي، تتسق مع طموحاتها في تعزيز دورها كمركز للسياحة والخدمات، واصفاً البيئة الاستثمارية الراهنة في الإمارات بالتفاؤلية.
وتوقع أحمد، في حوار مع "البيان الاقتصادي"، استمرار التعافي الاقتصادي للإمارات، والذي كان قد بدأ في عام 2012، خلال العام الحالي، تدعمه أسعار النفط المواتية وانتعاش النشاط التجاري والسياحي، مشيراً إلى أن السياحة وتجارة الجملة والتجزئة كانت محركات مهمة للنمو في العام الماضي وستبقى كذلك في عام 2013.
وأضاف أن القطاع العقاري في الدولة، والذي كان قد شكل عبئاً على النمو منذ الأزمة العالمية عام 2009، بدأ يستقر في أبوظبي، بل إنه حقق مكاسب في بعض قطاعات السوق في دبي. متوقعا استمرار هذه الاتجاهات العامة في العام الحالي. إلا أنه رجح حصول تباطؤ في نمو الإنتاج النفطي إلى حد ما بعد النمو الكبير الذي حققه في العامين الماضيين.
وخليجيا توقع أحمد استمرار النمو القوي لاقتصادات دول مجلس التعاون في عام 2013، مؤكدا أن اقتصادات دول التعاون ستظل في وضع اقتصادي ومالي قوي مقارنة بمعظم مناطق العالم الأخرى.
من جانب آخر حذر مسعود أحمد من ارتفاع مستوى الدين العام في المنطقة لأكثر من 70% من إجمالي الناتج المحلي، محذرا من وصول الديون إلى مسار لا يمكن الاستمرار في تحمله، ومؤكدا استعداد الصندوق للنظر في مزيد من المساعدات المالية لدعم خطط الإصلاح الوطنية في بلدان المنطقة.
وقال أحمد إن التحول التاريخي الجاري عبر المنطقة، والمتمثل في ما يسمى بالربيع العربي، يقترن بدرجة كبيرة من عدم اليقين، مما يؤدي إلى إحجام المستثمرين وإبعاد الاستثمار الأجنبي المباشر، متوقعاً عجز اقتصادات تلك الدول عن معالجة البطالة المتزايدة فيها.
وعالميا قال أحمد إن إمكانية ارتفاع وتيرة النمو العالمي محدودة هذا العام، في ظل بقاء مخاطر التطورات السلبية كبيرة .
وفي ما يلي نص الحوار:
تقييم وتوقعات
ما هو تقييمكم لاقتصاد الإمارات في عام 2012 وتوقعاتكم للنمو في عام 2013؟ وأي القطاعات يرجَّح أن يكون المحرك الأساسي لهذا النمو؟
استمر التعافي الاقتصادي في عام 2012، تدعمه أسعار النفط المواتية وانتعاش النشاط التجاري والسياحي. وكانت السياحة وتجارة الجملة والتجزئة محركات مهمة للنمو، كما أن القطاع العقاري، الذي شكل عبئاً على النمو منذ أزمة عام 2009، بدأ يستقر في أبوظبي، بل إنه حقق مكاسب في بعض قطاعات السوق في دبي. ونتوقع أن تستمر هذه الاتجاهات العامة في العام الحالي. وفي المقابل، من المرجح أن يتباطأ نمو الإنتاج النفطي إلى حد ما بعد النمو الكبير الذي حققه في العامين الماضيين. وفي هذه البيئة التفاؤلية سيكون من المهم مواصلة تطبيق سياسات حذرة.
الأداء الاقتصادي الخليجي
ما هو تقييمكم لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2012، وتوقعاتكم لعام 2013؟
كان أداء اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي قوياً في السنوات الأخيرة، ونتوقع لها استمرار النمو القوي في عام 2013، وإن كان بوتيرة أبطأ. ومن المتوقع أن يظل النمو قوياً في الاقتصاد غير النفطي، مع تلقي النشاط دفعة داعمة من الأوضاع النقدية التيسيرية وزخم النشاط الإيجابي في القطاع الخاص. غير أنه من المتوقع أيضاً أن يظل إجمالي الناتج المحلي النفطي ثابتاً في عام 2013 بعد ثلاثة أعوام من النمو القوي، نظراً لبيئة الطلب العالمي الضعيفة نسبياً. ومع ذلك، فإن اقتصادات دول مجلس التعاون تظل في وضع اقتصادي ومالي قوي مقارنة بمعظم مناطق العالم الأخرى.
الهوامش المالية الوقائية
ما مدى استمرارية النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي أكبر العقبات التي يمكن أن تحد من نموها في المستقبل؟
آفاق النمو الاقتصادي مواتية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، والهوامش الوقائية المالية الكبيرة التي تكونت في عدد منها تمثل أداة فعالة للتأمين ضد أي تطورات خارجية سلبية، مثل انخفاض أسعار النفط. والعامل الأهم حالياً هو التقدم في تنفيذ الإصلاحات الجارية بالفعل لتعزيز صلابة هذه الاقتصادات، ومعالجة التحديات الرئيسية المتمثلة في تنويع الاقتصاد وتوفير فرص العمل. وحتى يتحقق توفير فرص العمل يتعين الارتقاء بنظم التعليم والتدريب، وتحسين خدمات التسكين الوظيفي، والنظر في حوافز العمل في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع العام.
اقتصادات الشرق الأوسط
ما هو تقييمكم لاقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2012، وتوقعاتكم لعام 2013، وخاصة بلدان التحول العربي التي لا تزال تواجه حالة من عدم الاستقرار السياسي؟
في عام 2012، استمر تباين الأداء الاقتصادي عبر بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فمعظم البلدان المصدرة للنفط في المنطقة حققت معدلات نمو جيدة، حيث تمكنت من الحفاظ على النمو رغم ضعف البيئة العالمية باستخدام العائدات الناتجة عن أسعار النفط المرتفعة، بينما ظلت البلدان المستوردة للنفط وكثير منها من بلدان التحول العربي تواجه ضغوطاً خارجية وداخلية. وقد تعثر النمو الاقتصادي في هذه البلدان، ولا تزال معدلات البطالة المرتفعة أصلاً تواصل ارتفاعها، والموازنات الحكومية تخضع لضغوط شديدة، ومستوى الاحتياطيات الدولية انخفض بشكل ملحوظ. وقد شهدت الشهور الأخيرة تقدماً في كثير من بلدان التحول العربي، مع انتخاب حكومات جديدة وإجراء إصلاحات على المستوى السياسي، غير أن عدم اليقين السياسي لا يزال قائماً، والتدهور لا يزال مستمراً في البيئة الخارجية، وهناك ضغوط حالية تلقي بأعبائها على النمو وتضيف إلى التوترات الاجتماعية، وهي الضغوط الناشئة عن ارتفاع أسعار الغذاء وتقلب أسعار الوقود، واستمرار ضعف النشاط الاقتصادي العالمي، وخاصة في أوروبا. وقد تراجعت الصادرات إلى حد كبير وكان التحسن طفيفاً في معدل قدوم السائحين بعد الانخفاض الشديد الذي حدث في عام 2011، ولا يزال الضعف يغلب على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة إلى هذه البلدان نظراً لزيادة عدم اليقين بشأن سياساتها.
وبالنظر إلى المستقبل، نتوقع بعض التحسن في عام 2013، لكن التعافي لن يكون على المستوى المطلوب لمعالجة البطالة المتزايدة. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أزمة إنسانية خطيرة يولِّدها الصراع المأساوي الدائر في سوريا، وهي أزمة تسبب تداعيات كبيرة على بلدان الجوار.
جهود الصندوق
ما هي جهود الصندوق لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟ وما هو مجموع القروض التي قدمها الصندوق لبلدان المنطقة في عام 2012؟ وهل تتوقعون زيادتها؟
لقد ظل الصندوق مشاركاً نشطاً في جهود الحكومات والبنوك المركزية للحد من المخاطر الاقتصادية الكلية بأفضل السبل الممكنة وضمان النجاح في هذا التحول التاريخي. ونحن نساعد عدداً من البلدان في بناء مؤسسات أفضل عن طريق المساعدة الفنية والتدريب، كما نقدم مساعدات مالية أيضاً، حيث قدمنا للأردن قرضاً قيمته 2.1 مليار دولار، ووفرنا للمغرب خطاً للسيولة الوقائية قيمته 6.2 مليارات دولار، ودعمنا اليمن بحوالي 100 مليون دولار فور تشكيل حكومة انتقالية جديدة، ونحن على استعداد للنظر في مزيد من المساعدات المالية لدعم خطط الإصلاح الوطنية، كما نجري مناقشات حالياً مع مصر وتونس حول ما يمكن تقديمه من دعم مالي لتخفيف وطأة التحول في البلدين، وبالإضافة إلى ذلك، نساعد البلدان على تعبئة الدعم اللازم من المجتمع الدولي الأوسع عن طريق التمويل والدعم الفني وإتاحة فرص أكبر للنفاذ إلى أسواق التصدير. ونظراً لما تشهده المنطقة من وضع اقتصادي وسياسي معقد ومتلاحق التطورات، فنحن على استعداد للتعاون مع بلدان أخرى إذا طلبت الدعم المالي في أي وقت لاحق، وسيعتمد حجم الدعم المقدم من الصندوق على الظروف والاحتياجات في كل بلد، وخلاصة ما أعنيه أن الصندوق ملتزم بتقديم كافة أشكال الدعم الممكنة لهذه البلدان وهي تمر بفترة التحول التاريخي الحالي.
آفاق الاقتصاد العالمي
هل تتوقعون تحسن آفاق الاقتصاد العالمي في عام 2013؟
الإجراءات التي اتُّخِذت نجحت في تخفيف المخاطر الحادة الناجمة عن أزمة منطقة اليورو، وساعدت على تحقيق تحسن متوسط في نمو عدد من اقتصادات السوق الصاعدة، لكن مدة الانكماش طالت في منطقة اليورو، ودخلت اليابان في حالة ركود، ولا يزال النمو في الولايات المتحدة معرضاً للتحديات المتعلقة بسياسة المالية العامة على المدى القريب. وفي نفس الوقت، لا تزال بعض اقتصادات السوق الصاعدة تعاني من انعكاسات الأوضاع الخارجية الضعيفة والاختناقات على المستوى المحلي. وفي هذه الظروف، تصبح إمكانية ارتفاع النمو العالمي محدودة هذا العام، وتظل مخاطر التطورات السلبية كبيرة.
الاقتصادات المتقدمة والفقيرة
يرى كثيرون أن الصندوق ينفق ساعات عمل طويلة في محاولة حل مشكلات الاقتصادات المتقدمة وليس الاقتصادات الفقيرة التي تحتاج إلى اهتمامه، ما تعليقك؟
مع التغيرات التي طرأت على المشهد المالي العالمي في السنوات الأخيرة وفي سياق مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، حشد الصندوق جهوده على جبهات عديدة لدعم بلدانه الأعضاء. فقام بزيادة الإقراض، واستخدم خبرته المكتسبة من تعاملاته مع مختلف بلدان العالم لتقديم المشورة بشأن الحلول الممكنة من خلال السياسات، وعزز تنسيق السياسات على مستوى العالم، وأصلح أسلوبه المتبع في اتخاذ القرار. والنتيجة هي مؤسسة أكثر انسجاماً مع احتياجات البلدان الأعضاء، مؤسسة لا تزال ملتزمة بتقديم الدعم لكل هذه البلدان البالغ عددها 188 بلداً عضواً، بما فيها الأسواق الصاعدة وغيرها من البلدان النامية.
وفي سياق عملنا المتواصل مع كل البلدان الأعضاء، نراعي الاستجابة بسرعة أكبر لأي احتياجات عاجلة بغض النظر عن مصدرها، فبلدان أوروبا، على سبيل المثال، لا تزال تواجه تحديات كبيرة، مما يستدعي اهتمام الصندوق وسرعة استجابته، سواء لمساعدة المنطقة على مواكبة أوضاعها الصعبة، أو لضمان استقرار النظام المالي العالمي بشكل أعم. ومن أولويات الصندوق أيضاً دعم بلدانه الأعضاء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على التصدي للتحديات الناشئة عن التغيرات التاريخية الجارية عبر بلدان المنطقة. ولعل قراءكم لاحظوا أن كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، تجري مناقشات منذ بداية العام في مالاوي وكوت ديفوار وموريتانيا، وهو جانب واحد فقط من أنشطة عديدة تبرز ما يعلقه الصندوق من أهمية واهتمام لعملنا في إفريقيا.
ارتفاع العجز المالي في بلدان التحول العربي
ارتفعت عجوزات المالية العامة في بلدان التحول العربي من 6 % في عام 2010 إلى متوسط قدره 9 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 2012.
وأرجع مسعود أحمد، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، أسباب ارتفاع العجوزات المالية في تلك البلدان إلى توسع الحكومات توسعاً كبيراً في الإنفاق على الدعم والأجور طوال العامين الماضيين، من أجل تلبية المطالب الاجتماعية ومواجهة تصاعد أسعار الغذاء والوقود، وانخفاض إيرادات الموازنة.
وقال أحمد: من الملاحظ أن المجال محدود في الفترة المقبلة لتقديم المزيد من الدفعات التنشيطية من المالية العامة، فمع ارتفاع مستوى الدين العام إلى أكثر من 70% من إجمالي الناتج المحلي، زادت مواطن الضعف في المالية العامة، وقد تصل الديون إلى مسار لا يمكن الاستمرار في تحمله، إذا حدث أي انحراف كبير عن المسار المالي المقرر، أو تباطأ النمو بدرجة تفوق التوقعات، أو حدث ارتفاع في أسعار الفائدة.

