قال الخبير والمستشار والباحث القانوني فادي حمادة إن صناعة التطوير العقاري في دبي خصوصاً والإمارات عموماً شهدتا تحولات جذرية في السنوات الماضية على صعيدي النهضة العمرانية والتشريعية وهي مقبلة على تطورات مهمة.

لكن حمادة قال في حوار مع "البيان الاقتصادي" إن تعجيل دخول السوق العقاري في مرحلة النضج والاستقرار بعيداً عن التقلب غير المنطقي في أسعار العقارات يتطلب منظومة رباعية تحمي مكتسبات السوق وتعظم فرصه المستقبلية وهي تعزيز سلطات دائرة أراضي وأملاك دبي ونشر الثقافة العقارية والرقابة الحازمة على أداء المطورين وتوسيع دور مؤسسات الإقراض والرهن العقاري.

وشدد حمادة على أن السلطات المختصة تبذل جهوداً جبارة للحيلولة دون تعريض القطاع العقاري والقطاعات الاقتصادية المكملة له إلى تحديات محتملة. وقد نجحت في انتشال القطاع من تداعيات الأزمة المالية العالمية بسلسلة إجراءات حكيمة.

ودعا حمادة إلى تضافر الجهود بين القطاعين الحكومي والخاص وأطراف المعادلة العقارية من أجل الحيلولة دون الوقوع في أخطاء الماضي والمضي قدماً للوصول إلى سوق رصين ناضج مستقر... وإلى التفاصيل:

الحراك العقاري

كيف تلخص الحراك العقاري ما بين 2000 و2012؟

شهد القطاع العقاري في إمارة دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة عموماً تحولات جذرية في السنوات الماضية على صعيدي النهضة العمرانية والتشريعية. ويمكن تقسيم تاريخ الحراك العقاري في إمارة دبي إلى أربع مراحل:

مرحلة ما قبل عام 2000: حيث كانت ملكية العقارات في الإمارة محصورة بمواطني الدولة، وأعمال التطوير العقاري فيها تتم على مستوى محدود من الفلل والأبنية السكنية والتجارية المنخفضة الارتفاع والمراكز التجارية الصغيرة المساحة نسبياً أغلبها في مناطق وسط دبي مثل بردبي والخوانيج والجميرا.

وكانت أغلب التصرفات العقارية في هذه المرحلة تتمثل في تنظيم العلاقة الإيجارية بين الملاك من مواطني الدولة والمستأجرين من الوافدين وبعدد قليل من المبايعات تخضع في مجملها لقانون المعاملات المدنية رقم 5 /1985.

مرحلة الطفرة (2000 2008): وهي المرحلة التي بدأت بالسماح بعمليات التأجير الطويل في بعض من مناطق دبي الجديدة مثل برجي الفيروز والمرجان في دبي مارينا وأبراج جميرا بيتش ريزيدنس ثم تطورت بالسماح بالبيع للأجانب في المناطق الجديدة من دبي التي حددها المرسوم رقم 3 / 2006.

وشهدت هذه الفترة طفرة عقارية هائلة في أطراف إمارة دبي سواء في أعمال التطوير أو البيع أو الإيجار أو التسويق أو النشاطات الملحقة بذلك فتم تطوير ما يزيد على 550 بناءً سكنياً وتجارياً وفندقياً في الإمارة خلال هذه الفترة وزاد الطلب على العقار على الخريطة في الإمارة بحيث زادت الأسعار بين عامين 2007-2008 فقط لأكثر من 80%.

كما شهدت الإمارة تقدماً تشريعياً كبيراً فيما يخص إصدار تشريعات تنظم العمل العقاري والتملك فيها مثل قانون تنظيم التملك العقاري في الإمارة (7/2006) أو حسابات الضمان فيها (8/2007) أو إدارة العقارات المشتركة (27/2007) أو الرهن العقاري(14/2008) وغير ذلك من التشريعات والأنظمة التي نظمت العمل العقاري في الإمارة وحقوق وواجبات أطراف المعادلة العقارية المختلفين فيها.

واتصفت مرحلة الطفرة العقارية بالتركيز على بيع الوحدات والأراضي على الخريطة لمشترين كان شطر كبير منهم من المضاربين والمستثمرين العقاريين الذين يبحثون عن ربح سريع.

حيث وصلت نسبة المستثمرين العقاريين في سوق أثناء فترة الطفرة إلى أكثر من 80% في بعض المشاريع مقابل نسبة لا تتعدى 15-20% في أسواق أكثر نضجاً مثل المملكة المتحدة. وتميزت بالتوافر السهل للسيولة المصرفية والقروض المالية، حيث كانت بعض المصارف تقوم بتمويل 100% من سعر الوحدات العقارية دون أي دفعات مقدمة.

مرحلة التصحيح: (2008-2012): وهي المرحلة التي تلت بدء الأزمة المالية العالمية في أواخر 2008 وشهدت تراجعاً كبيراً في أسعار العقار في دبي وصل في بعض الأحيان إلى 60% من أسعار الذروة على إثر تراجع الثقة في السوق وتخلف عدد كبير من المستثمرين العقاريين عن دفع أقساطهم ما أدى إلى وقف الكثير من المشاريع العقارية التي كان قد تم الإعلان عنها أو بيعها وتعثر الشركات المطورة التي كانت تعتمد بشكل شبه حصري في إكمال مشاريعها على التدفقات النقدية من المستثمرين.

كما انخفضت الإيجارات في دبي بشكل لم يسبق له مثيل أدى إلى انتعاش في أسواق الإيجارات. وتميزت هذه المرحلة بتركز العمليات العقارية على مستخدمي العقار من سكان وقاطني الإمارة، حيث أعطت هؤلاء الفرصة لشراء أو استئجار عقاراتهم بأسعار جذابة على أساس معاينة المنتج النهائي وكفاءة البنية التحتية.

وتميزت هذه الفترة أيضاً بتردد البنوك والمصارف في توفير القروض العقارية وذلك على إثر القيود الكبيرة التي اضطر بعضها لتسجيلها مقابل الديون العقارية المعدومة والتي وصلت في الدولة لأكثر من 167 مليار درهم وتعرض بعضها بشكل كبير للسوق العقاري.

مرحلة التعافي والانتعاش 2012: وهي المرحلة التي شهدت ولا تزال إنهاء هيكلة ديون بعض الشركات العقارية الكبرى وترشيد إنفاقها وتعافي النظام المصرفي وهبوط سعر الفائدة والتركيز على تسويق وبيع المنتج العقاري النهائي وإنجاز البنى التحتية للمشاريع الأساسية في الإمارة وارتفاع أسعار النفط في المنطقة وتوجه بعض رؤوس الأموال إلى الإمارة على إثر الاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة.

وسجلت صعود وسطي يقارب 20% في أسعار العقارات في عام 2012 الإمارة على إثر زيادة التصرفات العقارية فيها مما أعطى الانطباع ببدء تعافي القطاع وعودة الثقة إليه ودفع ببعض شركات التطوير العقاري للإعلان عن مشاريع جديدة وبيع وحدات فيها لأول مرة منذ عام 2008.

مرحلة النضج

البعض يقول إن السوق العقاري تنضج والبعض الآخر يعتقد بعكس ذلك... ما رأيك؟

برأينا، فإن دخول السوق العقاري في إمارة دبي في مرحلة النضج والاستقرار بعيداً عن التقلب غير المنطقي في أسعار العقارات وما يؤدي ذلك إليه من زعزعة في الثقة وتقلبات في قطاعات اقتصادية مكملة أخرى يتطلب تضافر الجهود بين عدد من الجهات من أجل معالجة الخلل الذي يشوب كل طرف من أطراف المعادلة العقارية.

تظافر الجهود يتطلب معرفة المعنيين بأدوارهم وواجباتهم فكيف ترون مهام كل طرف.

أولاً: الثقافة العقارية لدى المستثمر: التمييز في التعامل بيعاً أو تمويلاً بين ثلاث فئات من المشترين العقاريين: المضارب الذي يهدف إلى تحقيق ربح سريع في فترة وجيزة والمستثمر الذي يرغب بالحصول على عائد إيجاري على المدى المتوسط والمالك / الشاغل للعقار الذي يرغب باستعماله لأغراضه الشخصية على المدى الطويل .

وذلك بالشكل الذي يمهد لوضع قاعدة بيانات لمشتري العقارات في الإمارة تسمح لصناع القرار فيها بالتحكم بالنسب المئوية لكل فئة بما يتناسب وأهداف الإمارة وغاياتها الاقتصادية من تطوير العمل العقاري وطبيعة وديمومة رؤوس الأموال التي ترغب باجتذابها في المستقبل.

ثانياً: الرقابة على المطور: مراقبة البيع على الخريطة للمشاريع العقارية الجديدة والتركيز على المنتج النهائي والتمويل السليم والمدروس للمشاريع العقارية وذلك عن طريق التمويل المصرفي أو رؤوس أموال خاصة وبالشكل الذي يعزز من ملاءة الشركات العقارية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتهما المستقبلية تجاه دائنيها من مشترين أو مقاولين.

ويحد من قدرة المستثمرين العقاريين على الإتجار في عقارات ورقية مع كل ما يحمله ذلك من مظاهر سلبية وفقاعات سعرية. وإن كان ولا بد من السماح بالبيع على الخريطة كمصدر تمويل إضافي للمطور العقاري، يتوجب منع المشترين على الخريطة من التصرف بالعقارات المشتراة على هذا النحو قبل إكمالها.

وهنا تحضرني القيود المانعة من التصرف التي تم وضعها على كل مشتري الأراضي في مركز دبي العالمي لدى إطلاقه مما سمح بتطوير هذا المركز الرائد بالشكل الذي نراه عليه اليوم.

ثالثاً: دعم المصارف: السماح للمصارف بتمويل العمليات العقارية في السوق وذلك بالشكل الذي يتناسب مع تعرض هذه البنوك للسوق العقاري وملاءة المقترضين وفق معايير محددة يتم الاتفاق عليها مع المصرف المركزي وذلك لترشيد الإقراض العقاري على أساس الملاءة المالية والتاريخ الانتمائي وأصول المقترض بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى.

على أن يترك المصرف المركزي للمصارف تحديد الحدود العليا للإقراض (بما لا يتجاوز حداً أعلى - 75-80% من قيمة العقار السوقية مثلاً)، وذلك في كل حالة على حدة وبعد الأخذ بعين الاعتبار الظروف المالية والشخصية لكل مقترض.

رابعاً: دور السلطات المختصة: أن تقوم دائرة الأملاك والأراضي بتفعيل التشريعات والأنظمة التي كان قد تم سنها في مرحلة الطفرة العقارية وذلك بالشكل الذي يضع هذه التشريعات موضع التنفيذ بما يعزز الثقة في السوق العقاري ويرفع القيم الفعلية للأصول العقارية على المدى الطويل.

رديف فاعل

يقول فادي حمادة: إن الوقت مناسب تماماً لدخول السوق العقاري في إمارة دبي مرحلة النضج لكي يصبح رديفاً فاعلاً وإيجابياً ومستداماً في دعم نهضة بقية القطاعات الاقتصادية الأساسية الأخرى في الإمارة كالإنشاءات والسياحة وتجارة التجزئة.

وهذا يحتاج إلى تضافر جهود جميع الجهات المختصة بالشكل الذي يؤدي إلى المحافظة على الاستقرار والمكاسب التي شهدها القطاع العقاري في الإمارة ويحمي اقتصادها في الوقت نفسه من التذبذبات والتقلبات التي تتسم بها أسواق الدول النامية عموماً.

5 مخاوف من تحديد سقف الرهن العقاري

 يرى الخبير والمستشار والباحث القانوني فادي حمادة أن عام 2013 جاء محملاً بالمفاجآت منها ما يبشر بنهضة عمرانية قوية وواعدة ممثلة بإطلاق دبي 3 (المرحلة الثالثة من بناء دبي) ومنها ما هو مفاجئ كقرار المصرف المركزي بتحديد سقف الإقراض العقاري في الدولة بـ 50 % للوافدين و70 % للمواطنين وتقليل هذا السقف إلى 40 % و60 % على التوالي لمشتري عقارات لاحقة.

يقول حمادة: إن البعض يرى في القرار رغبة من المصرف المركزي في لعب دور في كبح جماح المصارف والحفاظ على حقوق المساهمين فيها كان قد تأخر عن لعبه في مرحلة الطفرة مما عرض الاقتصاد الوطني لمخاطر المضاربة وخروج الأموال الساخنة بالشكل الذي حدث على إثر الأزمة المالية العالمية.

لافتاً إلى أن نية القائمين على المصرف المركزي واضحة لجهة المحافظة على المكاسب التي شهدتها مرحلة التعافي وهدفها التحكم في تحول مبرمج للسوق العقاري نحو الثقة والاستقرار ونمو القطاع بما يتناسب مع نمو الاقتصاد الوطني ككل بعيداً عن أهواء المضاربين والمستثمرين وبحثهم عن الربح السريع.

لكن حمادة يعتقد ان خفض حدود الإقراض العقارية بالحدود المئوية التي نص عليها القرار ربما يؤدي إلى 5 نتائج غير مرجوة يمكن إجمال بعضها على النحو التالي:

1- التأثير سلباً على التعافي التدريجي الذي شهده القطاع العقاري في الدولة عموماً وإمارة دبي خصوصاً أخيراً وتصحيح قيم الأصول العقارية فيها بالشكل الذي يتناسب مع النمو الاقتصادي في إمارة دبي وموقعها التجاري مقارنة بأسعار الأصول السائدة في المدن الإقليمية والدولية المهمة الأخرى.

2- الزيادة في الإيجارات بسبب العزوف المحتمل للكثيرين من قاطني الإمارة عن الشراء وتكالبهم على الاستئجار.

3- التأثير سلباً على مداخيل الشركات العقارية المتأتية من أعمال البيع والتطوير وكذلك على عوائد القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها.

4- التأثير سلباً على قيم الأصول العقارية المرهونة لمصلحة البنوك وشركات البناء والدائنين المختلفين مما قد يؤخر ويعيق عملية بيع هذه الأصول والوفاء بالتزامات المطورين والراهنين المالية تجاه الغير ويؤخر تعافي القطاعين المالي والعقاري بشكل عام.

5- زيادة حجم تحويلات الوافدين إلى خارج الدولة مع عزوف الكثير منهم عن التفكير بشراء عقار فيها.