أكد محمد عبد الرحيم الفهيم الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات باريس غاليري لـ «البيان»، على ضرورة توجه جميع الشركات العائلية نحو نظام الحوكمة، وأنه في إدارته لا ينفرد بأية امتيازات عن باقي موظفي مجموعة شركات باريس غاليري، ما يعكس ما حققته المجموعة من تبنٍ حقيقي لمفهوم الحوكمة والاحترافية في أعمالها.
وسرد محمد عبد الرحيم الفهيم في حواره تجربة باريس غاليري في تطبيق نظام الحوكمة، وما صاحبها من تحديات وصعوبات في هذا التطبيق.
ابتعد الفهيم في حواره مع «البيان» عن الحوارات التقليدية الممتلئة بأرقام، وقبل أن يبدأ حديثه، أكد لنا أن ما وصلت إليه الشركة اليوم ليس مجهوداً فردياً، بل نتيجة لعمل جماعي مدروس ومتناغم. وتالياً نص الحوار:
حدثنا بداية عن السبب في توجه باريس غاليري للحوكمة؟
بدأنا أعمالنا كشركة تحمل هذه الشكل التجاري تحت اسم باريس غاليري في عام 1995، ولقد كنا منفتحين ومتحمسين لممارسة أي مفهوم جديد، وبالطبع كانت المفاهيم التي تبنيناها هي الأفضل، مع وجود الأشخاص المناسبين للبدء بممارستها ومتابعة أهدافها. كان من الطبيعي لنا أن نكون خلال 10 سنوات في وضع مكننا من توسيع أعمالنا حتى حدودها القصوى.
ولا شك أن البيئة المتوافرة في الإمارات، وخصوصاً دبي، ساعدتنا بشكل كبير، من حيث الوضع الاقتصادي، ومن حيث الفرص الاستثمارية، وغيرها من الجوانب الأخرى المهمة.
وحين وصلنا إلى هذه المرحلة، أحسسنا أن علينا المضي دون توقف، بمعنى، عمل المزيد من التوسعات، دون وجود خطة عمل، أهداف واضحة، بل دعوني أقول، إنه فضلنا اتخاذ القرارات، على الغوص في تعقيدات الإجراءات والخطط، وما إلى ذلك.
وإن سألتني ما الذي كان يدفعنا لهذا، كنت لأقول، إنها شركة خاصة عائلية. فأعضاء الأسرة يعملون جنباً إلى جنب مع المساهمين والمستفيدين لتحقيق شيء ما في المستقبل. ولكن حين بلغنا تلك المرحلة، شعرنا أن هناك خطأ ما، وأن علينا تقييم أنفسنا، والتخلي عن الأسلوب العائلي بإدارة الشركة.
اكتشفنا عند هذه المرحلة العديد من التوجهات المختلفة ضمن الشركة، ضغوطات بين الموظفين والمساهمين على حد سواء، حيث لم يكن يعلم معظم الموظفون مدى مستقبلهم أو تطورهم في الشركة، وذلك لعدم وجود نظام واضح.
ومن أجل إضافة المزيد من القيمة في المستقبل للمساهمين معنا، كنا بحاجة لرسم أهداف واضحة، استراتيجيات وحسابات ضرورية.
كنا بحاجة لإعادة هيكلة البنية القانونية في الشركة، وإعادة تعريف مفهوم اتخاذ القرارات بالنسبة لمجلس الإدارة والإداريين.
ووجب علينا ضم المزيد من الأعضاء إلى مجلس الإدارة، ما من شأنه أن يضيف المزيد من الفاعلية في اتخاذ القرارات، كما احتجنا إلى نظام تخطيط موارد المؤسسات، أحكام وإجراءات جديدة. كل هذا أنجزناه، وقمنا، إضافة إلى ذلك، بكل ما يمكن للمرء القيام به للنهوض بالشركة وإعادة هيكلتها.
بناء على ذلك، وخلال خمس سنوات من حوكمة الشركة، نجحنا في الوصول إلى أنظمة داخلية مبنية على الحوكمة وتتسم بالاحترافية، وتوج هذا أن نلنا جائزة الشيخ محمد بن راشد للأعمال عن فئة التجارة، لتكون بمثابة نتيجة لنجاحنا في ترجمة ما كان يدور في خلدنا سنة 2006.
خطوة كبيرة
من الواضح أنك خلال قصة نجاح كبيرة كباريس غاليري، قد وجدت في مرحلة ما بعض الصعوبات في تقرير إذا ما كان وقت التوجه نحو الحوكمة قد حان فعلاً، أو أنها خطوة كبيرة تحتاج للتأني. هل ما زلت تنصح بهذا التحول، رغم مخافة الوقوع في فخ الروتين، والهيكلية المعقدة التي قد تحتوي على العديد من اللجان - على سبيل المثال – فأنت بلا شك لا تريد خسارة روح ريادة الأعمال، والتي باعتقادي هي مفتاح نمو أي منظمة، لذا سؤالي لك هو، كيف علمت أنه قد حان الوقت، أو أنكم أصبحتكم في المرحلة المناسبة للتوجه نحو الحوكمة؟
أعتقد أنه سؤال مهم جداً، وهي نقطة حيوية للغاية لأي شركة أو مؤسسة خاصة، وقد أصبت بعضاً من الحقيقة. لضمان نمو الشركات. يجب الموازنة بين تطبيق الحوكمة وتشجيع الإبداع. فإذا واصلنا الضغط لفرض حوكمة الشركات حتى الحدود القصوى، سيقضي هذا حتماً على روح الإبداع لدى العاملين، وهذا بالطبع أمر سيئ يضر بنمو الشركات. وبدلاً من ذلك، قمنا بتشجيع الروح الإبداعية لدى موظفينا، جنباً إلى جنب مع تشجيعهم على تحمل مسؤولياتهم كاملة، ضمن جميع الاختصاصات بطريقة إيجابية، مدفوعين بمتطلبات السوق التي يحددها زبائننا، عوضاً عن السعي نحو الربح فقط، لكن بالتأكيد النظام والتناغم، مدعوماً بالإبداع، سيزيد من ربحية الشركة.
علينا أن نكون خلاقين للحاق بأفكار ومتطلبات وتوقعات زبائننا العالية. لذا نحاول في نهاية كل عام مراجعة أدائنا، الذي لا نفكر فيه من منطلق مادي بحت، من حيث الميزانية والأرباح الصافية، وإنما نقيمه من خلال إذا ما كنا على المسار الصحيح كشركة، أو منظمة متكاملة لها ثقافتها المترسخة بين موظفيها، وإذا كنا جاهزين للخطوة التالية أو لا، فإذا لم نكن مستعدين بعد، وجب علينا تحديد العقبات والتحديات، وكيف لنا أن نتغلب عليها. فكلما بدأت الإجراءات أو السياسات بالسيطرة، بدأت البيروقراطية والروتين، ما سيقود تلك المنظمة نحو هلاكها. هذا برأيي أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات.
أبحاث وتقارير
نحن نعلم أن الشركات العائلية في الإمارات، تسهم بشكل فعّال في اقتصاد الدولة، بل وتتفوق حتى على غيرها من الشركات، غير أن العديد من الأبحاث أفضت إلى أن 30 % من الشركات العائلية استمرت حتى الجيل الثاني، و10 % فقط صمدوا حتى الجيل الثالث. أتمنى لو تخبرنا كيف يمكن للحوكمة أن تساعد هؤلاء على التخطيط لهذه المغامرة؟
نعم... هو أمر مثير للاهتمام، استقينا أيضاً من خلال تلك الأبحاث والتقارير، أن الصعوبات غالباً ما ترافق الجيلين الثاني والثالث عند الشروع في إدارة الأعمال، ما يؤدي في غالب الأحيان إلى استنزاف تلك الشركات. فقط 10 % كما ذكرت يكتب لهم النجاح، لذا من المهم بمكان، فهم ماهية المشكلات التي يقع فيها الجيل الثاني أو الجيل الثالث، كما يجب تحديد إذا كانت المشكلات قد نتجت جراء طريقة إدارة هؤلاء للأعمال، أو أن المشكلات كانت موجودة أصلاً حين تولي زمام الأمور من طرفهم. ولا بد من الإشارة إلى مدى أهمية تأهيل وتدريب الأجيال منذ الصغر، حتى يصبحوا جاهزين للقيادة، وقادرين على تحمل مسؤولياتهم.
أنا أؤمن من خلال تجربتي الخاصة، وكذلك من خلال نتائج الأبحاث، أن البيئة التي نهيئها للجيل المقبل، تحدد مدى نجاحهم أو فشلهم، بمعنى أننا إذا وضعنا طريقاً واضحاً للشركة تسير عليه على المدى الطويل، بحيث يكون معبّداً بالخطط والاستراتيجيات طويلة المدى للسير بالأعمال نحو النجاح، مع بناء حوكمي واضح ومتين، يغطي جميع النواحي، كاتخاذ القرارات، الشفافية، المسؤولية والمساءلة اتجاه جميع الأفراد، حينها، سيعلم أفراد العائلة من الجيل المقبل متى عليهم الانضمام إلى الشركة، وما الذي سيكون دورهم ومسؤولياتهم فيها. فالأمر ليس كمن ورث الثروة عن أبيه وأراد التصرف بها كما يحلو له. بالتالي، إنها البيئة التي نهيئها اليوم للمستقبل، من ستجعل الجيل المقبل جاهزاً لتولي القيادة.
عقول مختلفة
هناك مشكلة أخرى تكمن في الأشخاص، باعتبار أنك تبدأ التحول من خلال علاقتك بأشخاص قد تكون تصرفاتهم مختلفة، حيث تعدد الملّاك الذين قد لا يهيئون الجيل الثاني أو الثالث بالشكل الكافي. هذا يعني أيضاً أنك محاط بعقول مختلفة، وطرق تفكير مختلفة، وبالتالي أهداف مختلفة، لذا هي مخاطرة قد تنتهي بانهيار الشركة، لأن الجميع يريد جزءاً خاصاً به. والآن، فالتحدي الأكبر يتمثل في عزل الملّاك عن الإدارة، ليصبح الأمر وكأنما هناك مالك للشركة، وليس مديراً بالضرورة لها، هكذا طبيعة الأمور حسب ما أظن... تعليقك؟
فهمت سؤالك تماماً، وأعتقد أنك على حق. أحد الحسابات التي أجريناها بهذا الخصوص، أننا قررنا أن جميع المساهمين سيلجؤون في الخطوة التالية إلى الطرح العام الأولي. وباعتقادي أن الشركة مستعدة الآن، ولنقل أن الشركة تخطت بشكل نموذجي القوانين والضوابط الموضوعة من قبل هيئة السلع والأوراق المالية، وسوق دبي للأوراق المالية، وهما السلطتان اللتان تقرران الذهاب نحو الطرح العام الأولي، وحين نقوم بهذه الخطوة، وعندما يحين دور الجيل التالي، سيتابع عمله ضمن نظام الحوكمة. ونحن نؤمن أن حسابات مثل هذه، يجب أن تتخذ لضمان استمرارية الأعمال.
طرح عام أولي
وماذا إذا لم ترغب في المضي نحو الطرح العام الأولي. هل هناك من خيارات أخرى؟
إن لم نفعل ذلك، فعلى الشركة أن تعزز من ثقافة الإدارة المؤسسية والحوكمة للشركات في إدارة الأعمال، وينبغي أن نكون أقوياء ونتخلى عن العواطف، فعلى سبيل المثال، لا يمكن تسليم مسؤولية إدارة أي شركة لأحد الأبناء، فقط لأن والده يملكها، فهذا حتماً خطأ، فالأمر يشبه المستشفى الذي تحتاج إدارته إلى مدير عام مهني ومحترف، ليس بالضرورة أن يكون جراحاً، والآن، لنفترض أن المستشفى مملوك من قبل عائلة كقطاع خاص، هل هذا سبب كافٍ لتسليم الإشراف على العمليات الجراحية لأحد الأبناء؟ هذا قطعاً لا يجوز. هنا يبرز دور زرع ثقافة الإدارة المؤسسية. وكما قلت في البداية، حين نهيئ البيئة السليمة للجيل المقبل، فإننا نعد جيلاً مؤهلاً للإدارة، حتى لو واجهتنا صعوبات في تحقيق ذلك، فعلينا ألا نستسلم، لأننا إذا انقدنا وراء عواطفنا، فإننا كمن يطلق النار على قدميه.
هذا أمر مثير للاهتمام، كونك مساهم في الشركة ورئيس تنفيذي لها يقودها نحو الحوكمة ويرسي قواعد سير الأعمال بذات الوقت، هل كان هذا ليختلف لو لم يكن الرئيس التنفيذي أحد المساهمين في الشركة؟ هل الجمع بين الملكية والإدارة يضيف مزيداً من القيمة إلى عملية الانتقال نحو الحوكمة ووضعها حيز التنفيذ؟ ناهيك عن الواجبات والنشاطات اليومية؟
مسؤوليات
ألا تعتقد أن هذا سيضعف المنظمة قليلاً، على اعتبار أن المساهمين هم أنفسهم فريق الإدارة، ما يعني أن مسؤوليات باقي الإداريين ستتقلص؟
هذا ممكن، لكننا قمنا بخطوة استباقية لمنع هذا من الحدوث، حين اتخذنا قراراً على مستوى مجلس الإدارة، باستقدام أناس جدد ليكونوا جزءاً من آلية اتخاذ القرارات التي تحدثت عنها سابقاً، بحيث لن يكونوا من المساهمين فقط، بل وأيضاً إداريين جدداً من خارج الشركة، لذا، حين يصل الأمر نحو اتخاذ قرار ما، سيكون ذلك منوطاً بأولئك القادمين من الخارج، جنباً إلى جنب مع المساهمين ممن هم أعضاء في المجلس الإداري، مع وجود الرئيس التنفيذي الذي يرسل تقاريره إلى مجلس الإدارة. وبالتالي، في ما يخص جزئية المسؤولية، لن يتمكن أحد المساهمين من اتخاذ أي قرار يشاء لمجرد أنه أحد المساهمين في الشركة، حتى لو كان يتملك سلطة كسلطة الرئيس التنفيذي.
لكن هذا سيضع الكثير من التحديات لهذا المرشح حول كيفية الفصل ما بين دوره كرئيس تنفيذي، ودوره كمساهم. ولا أتوقع من أعضاء مجلس الإدارة أو حتى كبار المساهمين أن يرفضوا أمراً للرئيس التنفيذي، والذي هو مساهم بنفس الوقت؟