أشاد ديفيد باتر أحد أبرز الاستشاريين في إدارة التغيير وتدريب القيادات العليا وتسهيل الأعمال في العالم باستراتيجية دبي والإمارات بشكل عام ليس فقط للنجاح بالخروج من تداعيات أزمة الديون العالمية، ولكن لقدرتها على الخروج القوي والعودة إلى الساحة الاقتصادية وبقوة وبتحقيق نمو اقتصادي، داعياً العالم إلى التعلم من نهج الإمارات في التعامل مع الأزمات العالمية.
وقال باتر الذي قدم العديد من أبرز برامج التدريب لصناع القرار في العديد من الشركات والمؤسسات العالمية وحكومات العالم وعمل عن قرب في مختلف القطاعات مثل الإعلام والطيران والخدمات: أشعر بالخجل في القدوم إلى دبي لأقدم دورات تدريبية عن إدارة التغيير والقيادة في وقت أنتجت فيه دبي أفضل الأمثلة على نهج إدارة التغيير الناجح.
فيما تمثل رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، النموذج الأنجح في القيادة، وعلى العالم أن يقتبس من رؤية سموه ونموذج قيادته، وخاصة أن العالم يفتقد صنع القرار العالمي والقيادة الشجاعة.
هل لك أن تحدثنا عن برنامج التدريب الذي تقدمه لموظفي مؤسسة دبي للإعلام؟
دعتني مؤسسة دبي للإعلام وكذلك صحيفة البيان إلى تدريب مجموعة مسؤولين فيما يتعلق بتطوير الإدارة والتخطيط المستقبلي، وهناك اهتمام كبير من المؤسسة بتدريب قياداتها لتتماشى مع التغيرات التي يعيشها الإعلام بكل مكوناته في العالم.
أزمة
تتردد كلمة (أزمة) وكأنها مرادف لكلمة العالم، هل حان الوقت لأن تتجاوز الدول الأزمة وتفكر في المستقبل؟
لا مغزى من الاستمرار في الحديث عن الأزمة، نعم هناك أزمة حاصلة، علينا أن نتقبل ذلك في العالم ونواصل مسيرتنا بذكاء. في الوقت ذاته من المهم أن نتذكر بأن هناك جانباً إيجابياً للأزمة وهو التغيير الذي يعني الفرص، والأزمة تعني للبعض النهاية وللبعض الآخر النجاة.
كيف تقيم تعامل دبي مع الأزمة المالية العالمية التي لم يسلم أي بلد من تداعياتها؟
من المذهل جدا رؤية النقلة النوعية لدبي والإمارات بشكل عام خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي تلت اندلاع الأزمة المالية العالمية، ومن المذهل أيضا رؤية كيف تعاملت دبي والإمارات بشكل عام مع تلك الأزمة، وكيف نجحت ليس فقط في تجاوز الأزمة وإنما أيضا في تحقيق النمو وخلق مزيد من الفرص والتطوير وإنتاج الجودة والاستثمار بذكاء.
وبالتالي تعد الإمارات نموذجا ناجحا جدا على تجاوز الأزمة وتحقيق النمو وينبغي للعالم أن يحتذي بها. وأعرف أن سنغافورة اقتبست من نموذج دبي ومن تجاربها الكثير. العالم الغربي يعيش في عقلية سلبية للغاية، وأعتقد أن جزءا كبيرا منها قابعة في العقول، نعم الأزمة حقيقة على الأرض ولكن عادة عندما يواجه الإنسان وضعية صعبة أو مشكلة يكون أمامه خياران إما أن يقلق ويحزن بشأن وضعه .
ويشعر بالأسى ويتقوقع لما آل إليه الوضع، وإما أن يواجه المشكلة ويواصل مسيرته، وهذا يحدث على مستوى حياتنا كبشر، والأمر مشابه لما يواجهه العالم من أزمة عميقة، ويتوجب على قادة العالم أن يأخذوا زمام الأمور ويواجهوا الأزمة بشجاعة وصلابة ويواصلوا مسيرتهم، فإذا ما واصلنا التعامل مع الأزمة بنهج سلبي فتستمر تلك الأزمة.
رؤية
كيف ترى رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي؟
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قائد ذو رؤية ثاقبة ليس فقط على مستوى الإمارات ولكن عالميا أيضا. وعندما أتحدث عن دبي أتحدث كشخص ينظر إلى دبي من الخارج وليس الداخل. وبما أنني أسافر كثيرا أقارن بين قادة العالم، فمنهم من يملك الرؤية ومنهم من لا يملكها. وعندما أتكلم عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أقول بأنه رجل صاحب رؤية وعلى قادة العالم أن يكونوا مثله حتى تتبعهم شعوبهم، وأعتقد أن ما تحقق في دبي هو أمر نادر.
ويعرف العاملون في التسويق وأنا ممن يمتلكون خبرة فيه أن أبحاث السوق تركز على المستهلك وما يريده، ولكن دعيني أعطيك نموذجين لشخصيتين في العالم لم تفعلا ذلك، وهما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والراحل ستيف جوبز مؤسس شركة آبل، وأنا لا أقصد أن أقارن ستيف جوبز بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فكلاهما شخصية مختلفة، ولكن كلا الرجلين اتفق على رؤية واحدة وهي "دعنا نبني وسيأتي إلينا الجميع" وهذا ما حصل، فدبي بنت شركة طيران الإمارات العريقة واليوم تقود قطاع الطيران في العالم.
وبنت دبي أكبر صالة تزلج داخلية ويتدفق الكل عليها من المنطقة والعالم، كما بنت دبي أكبر حوض داخلي للأسماك والكل يأتون من العالم لرؤيته، وبنت نخلة الجميرا، وهي من المشاريع العملاقة التي أذهلت العالم وبالفعل يتدفق السياح والزوار لرؤيتها، كما بنت دبي أطول برج في العالم «برج خليفة».
والناس من العالم تشد رحالها لزيارة هذا البرج المبهر، وبنت أفضل مطار في العالم والكل يسافر ويتدفق عبره، وبالتالي كلما تميزت في البناء وتأسيس المشاريع سيأتي الناس إليك من كل حدب وصوب، ومؤخرا أطلق سموه مشروع "مدينة محمد بن راشد" وعندما تنجز سيتدفق العالم إليها، وبالتالي أصبحت دبي مركز جذب كبيراً في العالم، وأنا مندهش للغاية برؤية سموه الثاقبة والعظيمة، وهي رؤيا بعيدة تخدم أجيال الإمارات والمنطقة مستقبلًا.
وعلى العالم أن يذهل برؤيا وشخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وأن يتعلموا من رؤيته. بإمكان العالم أن يتعلم من قيادة سموه الجريئة والإيمان بقدرات هذا القائد العظيم ولو نظرنا عبر التاريخ لرأينا بأن القادة الناجحين هم من يقودون شعوبهم للأمام، وهناك وللأسف قادة في العالم يسيرون بشعوبهم للخلف، والبعض من قادة العالم يمتلكون رؤية فيها قدر كبير من الأنانية وهذا ليس بالأمر الجيد.
آمال
إلى أي مدى يعتبر امتلاك القادة الجدد لرؤيا بعيدة أمرا حاسما في تحقيق آمال شعوبهم؟
من الضروري امتلاك هؤلاء القادة الجدد لرؤيا ترتكز على تحقيق حياة كريمة لشعوبهم والحق في التعليم والحرية من حقوق البشر، وعندما يمتلك هؤلاء القادة رؤى عندها ستتبعهم شعوبهم وستساندهم في تحقيق تلك الرؤى. وعند الحديث عن القيادة لا نتحدث عن شخصية تقوم وحدها بكل شيء، فلو نظرنا لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سنجد أنه محاط بفريق نشيط يسهر على تحقيق أهداف سموه، وفي دولة مثل مصر على سبيل المثال.
حيث تتعدد الأحزاب السياسية والدينية.. إلخ تصبح القيادة صعبة، وأعتقد أن الطريقة الوحيدة للقيادة في مصر هي تحقيق إجماع شعبي كامل على القضايا ولا يوجد أي حزب في مصر بما فيه حزب الرئيس محمد مرسي يحظى بأكثر من 20-25 % من أصوات الشعب، وبالتالي يجب أن يقود أيضا 75- 80 % المتبقية من الشعب. وضعية مصر معقدة ،ومصر عاشت تغييرات كثيرة مؤخرا، هناك مؤشرات جيدة على أن مصر ستنجح في الوصول لبر الأمان وبإمكان مصر تعلم الكثير من تجربة دبي الناجحة.
وكما ذكرت، الشعوب ستلحق بقادتها عندما يوفر هؤلاء حياة كريمة وجيدة لتلك الشعوب، وهذا أمر لم يتغير على مر التاريخ ولكن ما تغير بعض الشيء بوجود وسائل التواصل الاجتماعي هو شكل التواصل والتعليم، حيث أصبح الناس في العالم أكثر تواصلاً مما كانوا عليه في الماضي بفضل شبكات التواصل الاجتماعي، وأصبح الناس يتحدثون ويتواصلون مع بعضهم البعض في مختلف مناطق العالم بشكل أكبر، وبالتالي على القادة أن يضعوا ذلك في حسبانهم حيث يصبح من الصعب القيادة إذا ما رفض الناس أن يكون لهم قيادة.
صمود
هل ستبقى الصحافة الورقية قادرة على الصمود أمام الصحافة الرقمية والإعلام الاجتماعي؟
لا يوجد أي شك بأن العالم يسير بشكل أكبر نحو الصحافة الرقمية، والمثير هنا هو أن الأمر لا يعني بأن الصحافة الورقية لن يكون لها مستقبل. ولو نظرنا للإعلام على مر التاريخ فسنرى بأن الإعلام القديم لم يمت ولكن عليه أن يتأقلم مع التغيرات الحاصلة. وعندما ظهر الراديو لم تمت الصحف الورقية، وعندما ظهر التلفاز لم يمت الراديو ولكنه تأقلم مع ظهور التلفاز، واليوم الراديو كما فهمت من أكثر الوسائل الإعلامية التي تحقق الربحية في دبي. وعندما جاءت وسيلة الإنترنت لم يمت التلفاز.
وبالتالي الصحافة الورقية لن تموت مطلقا ولكن عليها أن تتغير وتتأقلم وأن يكون لها وظيفة مختلفة، على سبيل المثال لنأخذ صحافة الرياضة عندما كنت صغيرا كنت أهرول صباحاً إلى كشك الصحف لشراء الصحيفة الورقية كي أعرف من فاز في مباراة الكريكيت بين بريطانيا والهند، واليوم نشتري الصحيفة ونكون على علم مسبق بمن فاز في المباريات، وبالتالي أصبحت الأخبار تصل أسرع من الصحف ولكن هذا لا يمنع بأنني كملايين الناس لا زلت أفضل شراء الصحف وقراءتها كل صباح.
الشيء الآخر وهو ما حدثت الفريق الذي أدربه اليوم من مؤسسة دبي للإعلام بشأنه، وهو أن الأخبار اليوم مختلطة ومتنوعة، فعلى سبيل المثال أطاحت فضيحة التنصت الهاتفي بأكثر الصحف الإنجليزية قراءة على الإطلاق وهي صحيفة «ذي نيوز أوف ذي وورلد» والتي استمر إصدارها لنحو 80 عاماً وفي تلك اللحظة انتشر الحديث إن كان ذلك سيحدث لكل الصحف الورقية.
ولكن في نفس الأسبوع أعلن عن إغلاق صحيفة "الديلي" الرقمية إحدى إصدارات إمبراطورية مردوخ الإعلامية الرقمية في نيويورك لتكون أول صحيفة رقمية تسقط بعد نحو ثلاث سنوات على تأسيسها رغم وقوف روبرت مردوخ بثقله خلفها، ولكن هذا لا يعني بأن كل الصحف الرقمية ستسقط أو تغلق.
وفي الوقت ذاته كتبت الإيكونيمست الأسبوع المنصرم عن الصمود الكبير للإعلانات في الصحافة الورقية في الولايات المتحدة رغم منافسة وسائل الإعلان الحديثة وأيضا الإيكونيمست ذاتها مستمرة في بيع المزيد من نسخها المطبوعة حول العالم، والسبب في ذلك كونها صحيفة جيدة للغاية شأنها شأن العديد من الصحف في العالم بما فيها صحيفة البيان.
على الصحف الورقية أن تتغير وأن تغير دورها ولكن بالتأكيد وبدون أدنى شك هناك مستقبل مؤكد للصحف الورقية، الصحف الورقية ستبقى وأعتقد بأننا سنبقى نقرأها خلال الأعوام العشرة إلى العشرين المقبلة.
دبي بوابة الاقتصاد العالمي
يرى ديفيدباتر أن دبي تحتل موقعا استراتيجيا مميزا، وهي مركز مهم للتجارة في المنطقة والعالم، ولندن أيضا مركز مهم للقطاع المالي، حيث تقع نيويورك على جانب منها وطوكيو والصين على الجانب الآخر، بينما أستراليا ليست في موقع جغرافي جذاب في العالم. فمنطقة الشرق الأوسط وتحديدا دبي هي قلب العالم القديم، حيث طريق الحرير وطرق التجارة الحيوية في العالم. وقد تزايدت أهمية دبي في التجارة العالمية وتتغير نحو تجارة من نوع مختلف.
ولو نظرنا نظرة تاريخية بعيدة لوجدنا أن الشرق بالفعل كان المهيمن على العالم تاريخيا أكثر من الغرب، وبالتالي سواء كان الشرق أو الغرب هو المهيمن فإن دبي ستحقق الكثير من كونها تتوسط الشرق والغرب.
ولو نظرنا إلى قطاع الطيران في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا الإمارات وبشكل أكثر تحديدا دبي سنجد أن شركات الطيران فيها تقود قطاع الطيران في العالم، فلقد تفوقت على شركات الطيران العالمية تفوقا كبيرا وبلا منازع، فقد تغلبت طيران الإمارات في وجهات سفرها على كل من الخطوط الجوية البريطانية وكوانتيس أيضا.
وأصبحت وجهاتها كثيرة جدا في العالم، وبالتالي أظهرت دبي للعالم ولقطاع الطيران كيف يمكن تحقيق النمو حتى في الأزمات. كما تمتلك الإمارات حظوظا قوية للفوز باحتضان إكسبو 2020 والإمارات احتضنت مؤخرا الكثير من المنتديات والأحداث العالمية،
الصحافة الإماراتية تواكب النمو الاقتصادي
أشاد ديفيد باتر بالانفتاح الإعلامي في الإمارات وتعدد المطبوعات رقم صغر حجم سكان الإمارات، واصفاً وسائل الإعلام الإماراتية وعلى رأسها الصحافة المكتوبة بالنابضة بالحياة.
وقال: أنا منبهر بمدى قوة وصحة قطاع النشر في دبي والإمارات بشكل عام، فالصحف كثيرة بالنظر إلى تعداد سكان الإمارات الذي يعتبر صغيراً مقارنة بدول كثيرة في العالم، وأنا منبهر بجودة الطباعة والـورق، وهناك عدد كبير من الإصدارات باللغة الإنجليزية وخاصة في قطاع المجلات.
وخاصة أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الثانية في الإمارات بعد العربية، وأرى أن جودة الصحف كبيرة هنا، وأعتقد بأن طبيعة دبي تلعب دوراً في ذلك، حيث تحتضن أكثر من 200 جنسية. ومع نمو دبي والإمارات بشكل عام نجد أن وسائل الإعلام في الإمارات نابضة هي الأخرى بالحياة.

