اعتبر كريم ناصيف المدير المشارك في وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» أن الصفقات العابرة للحدود المتعلقة بالمنتجات المالية الإسلامية، وأبرزها الصكوك في ما بين منطقتي مجلس التعاون الخليجي وآسيا، بأنها تتيح فرصاً، أكثر من كونها تنطوي على تحديات، مشيراً إلى أن هذه الفرص تشكل قوة محفزة على بروز الكثير من التفاعلات العابرة للحدود، خاصة من جانب شركات مجلس التعاون العربي الخليجي التي تطرح إصدارات صكوك بالعملة الرينجيت الماليزية.
ورصد كريم ناصيف في حديث خاص لـ «البيان الاقتصادي»، بعض التحديات التي تواجه صفقات الصكوك العابرة للحدود بين منطقة دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا، مشيراً إلى أنه ربما تنظر شركة ماليزية في الوقت الحالي أنها سوف تجني مكاسب أقل، في حال قيامها بإدراج إصدارات صكوك في منطقة مجلس التعاون الخليجي، وأن التحدي الآخر يكمن في احتياج المستثمرين الآسيويين لأن يشعروا بالأريحية في التعامل مع المخاطر القانونية ذات الصلة بأوضاع الدول لدى قيامهم بالاستثمار في إصدارات صكوك دول مجلس التعاون الخليجي.
واستدرك في حديثه بقوله: يمكن النظر إلى علاوة المخاطر السياسية التي قد ترتبط ببعض جهات الإصدار في دول مجلس التعاون الخليجي، بوصفها تحدياً، وذلك بالرغم من تحقيق إصدارات مجلس التعاون الخليجي في المتوسط عوائد أفضل، خصوصاً تلك المطروحة من جانب جهات إصدارات خليجية تحظى بتصنيف مماثل لنظائرها الآسيوية، كما أنه إذا ما كانت هناك شركة مقرها إحدى دول التعاون الخليجي ترغب في إصدار صكوك بعملة الرينجيت الماليزية، بغرض استقطاب المستثمرين الآسيويين من بين المستثمرين الآخرين، فإن الاعتبارات المرتبطة بالمخاطر القانونية تكون قيد الحسبان في جذب اهتمام المستثمر الآسيوي.
محركات النمو
ورداً على سؤال بشأن ماهية المحركات الرئيسة المحفزة على نمو أدوات التمويل الإسلامي في دول مجلس التعاون الخليجي، على نحو يجعلها مصدراً أساسياً للتمويل في منطقة الخليج، أجاب كريم ناصيف برصده عدة اعتبارات تتمثل في التالي:
أولاً: تزايد الاحتياجات الضخمة للإنفاق الرأسمالي في دول مجلس التعاون الخليجي، على سبيل المثال، من المقدر أن السعودية بحاجة إلى ما يتراوح بين 50 إلى 75 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة للإنفاق على قطاع الطاقة والكهرباء بمفرده، وتعد إصدارات الصكوك، خصوصاً تلك المتعلقة بمشروعات البنية التحتية، بمثابة الآلية التي يمكن من خلالها تمويل هذا الإنفاق الرأسمالي الضخم.
ثانياً: تراجع العائدات على الصكوك بوتيرة سريعة، بحيث وصلت إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2005، وهو ما يعكس الشعور بطمأنينة أكبر إزاء المخاطر المرتبطة بإصدارات الصكوك، فضلاً عن توافر مستويات سيولة جيدة في الأسواق المحلية تلاحق وتتبع الأعداد المحدودة من إصدارات الصكوك.
ثالثاً: تطلع المصدرين إلى تنويع مصادر التمويل بعيداً عن التمويل المصرفي المحض، وقد برز بشكل خاص المصدرون العرب والسعوديون في هذا المجال، خلال السنوات الخمس الماضية.
رابعاً: تواجه المصارف الأوروبية، وبشكل متزايد، صعوبة في توفير التمويل الطويل الأجل لمشروعات البنية التحتية في أعقاب تبنيها لمقررات بازل 3.
وعاء السيولة
وبشأن أسباب اتجاه بعض الشركات الخليجية إلى إصدار صكوك بعملة الرينجيت الماليزية، عوضاً عن الإدراج في مراكز المال التقليدية، كلندن ونيويورك، قال كريم ناصيف بالحرف الواحد: يشكل وعاء السيولة الضخم والمتاح، القاعدة الصلبة التي ينهض عليها اهتمام مستثمري الخليج القوي بماليزيا، فمثل هذا الوعاء يدعم ماليزيا، بوصفها المقصد المفضل لمثل هذه الإصدارات، فضلاً عن أن بعض هياكل الصكوك كتلك التي تربط بين المرابحة، صارت تتمتع بشعبية كبيرة بين المستثمرين الآسيويين والماليزيين، وربما بدرجة تفوق المستثمرين المحليين في دول مجلس التعاون الخليجي.
وحول الأسباب الرئيسة وراء تزايد التوقعات بأن الظروف باتت مواتية لزيادة التقارب بين منطقتي الخليج وآسيا في مجال إصدارات الصكوك، شرح كريم ناصيف وجهة نظره بقوله: أصبحت آسيا أكثر الشركاء التجاريين أهمية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تستحوذ تجارة دول مجلس التعاون الخليجي مع آسيا على 40 % من إجمال حجم تبادلها التجاري، مقابل حصة نسبتها 10 % فقط منذ عشر سنوات، وبحسب تقرير وحدة استخبارات الإيكونيميست، تعتبر منطقة مجلس التعاون الخليجي مصدراً صافياً لرؤوس الأموال.
واستدرك في حديثه بقوله: تعد بعض الدول الآسيوية الصاعدة مستورداً صافياً لرؤوس الأموال، وبالتالي، فالمتوقع أن تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دوراً ضخماً في تمويل الفاتورة الضخمة لمشروعات البنية التحتية للدول الآسيوية الصاعدة.
وبمعزل عن السلع والمنتجات المصنعة، اكتسبت تدفقات الاستثمار في البنية التحتية قوة زخم في ما بين منطقتي الخليج وآسيا، وتشتمل الأمثلة على أنشطة شركة البترول والكيماويات الصينية في مجال التنقيب عن الغاز في المملكة السعودية، ومشروع الطاقة النووية في الإمارات، والذي جرى إرساؤه على شركة إلكتريك باور الكورية الجنوبية، كما قامت شركة أبو ظبي الوطنية «طاقة» التي تتمتع بتصنيف ائتماني بدرجة إيه، مع أفق مستقر بإصدار صكوك بعملة الرينجيت الماليزية، كذاك مؤسسة الخليج للاستثمار وشركة ممتلكات البحرينية. ومن شأن هذه الصفقات أن تسهم في زيادة الروابط بين المنطقتين.
استفادة متبادلة
هذا، وقد قدر تقرير صادر عن وكالة التصنيف الائتماني «ستاندارد آند بورز» بعنوان «ما وراء الحدود: الدول الخليجية والآسيوية قادرة على تعزيز اقتصاداتها وسوق التمويل الإسلامي». وقالت إن الأدوات المالية الإسلامية قادرة على أن تكون مصدر تمويل رئيساً، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا، في عصر يتسم اليوم بقلة القروض المقدمة من البنوك التقليدية في العالم، ودراسة خيارات أخرى للتمويل. وأضاف التقرير أن منطقتي الخليج وآسيا، وبفضل الهيئات الراسخة المنظمة للتمويل الإسلامي، تعدان مركزين لسوق نامٍ يبلغ تريليون دولار. في الوقت ذاته، تسعى آسيا ودول التعاون للحصول على كميات ضخمة من رؤوس الأموال لتلبية متطلباتها المتزايدة على البنية التحتية الجديدة.
ويرى التقرير أن سوق البنية التحتية الإسلامية في المنطقتين وصل إلى نقطة انعطاف، من حيث الإصدارات الجديدة بعد هدوء نسبي شهده من 2009 إلى 2011، هذا، وبدأت تظهر أول صكوك تمويل مشاريع في فئة أصول البنية التحتية.
هذا، وأشار التقرير إلى أن الاستفادة من سوق الصكوك قد يعزز هيكلة رأس المال والسيولة في الشركات الخليجية والآسيوية، خاصة تلك التي تعمل في صناعات تعتمد بشكل كبير على رأس المال، مثل البنية التحتية.
كما قد يسهم الأمر في توفير التمويل على مدى أطول لبعض الشركات التي تحتاج إلى مصادر تمويل أخرى. هذا المصدر قد يصبح أكثر سيولة، عندما يخترق الحدود ويصبح عالمياً ويزداد حجمه خلال الفترة الماضية، عبرت شركات خليجية الحدود الرمزية نحو آسيا لتدخل مشاريع تمويل بنية تحتية.
وتعد عملة الرينجيت جذابة بسبب إطار العمل التنظيمي الراسخ للتمويل الإسلامي في ماليزيا. هذا النوع من الصفقات العابرة للحدود أكثر من مجرد حل تمويلي ذكي، بحسب وجهة نظر التقرير. فهي قد تسهم أيضاً في تطوير العلاقات التجارية بين البلدان، وتبادل المنفعة بينها. لكن ما هو أهم يبقى أن مثل تلك الصفقات قد تصبح مؤشراً على عولمة سوق التمويل الإسلامي وتوحيد معاييره.
عوائد أفضل
ورأى كريم ناصيف أن المنطقتين سوف تستفيدان، وبشكل مطلق، من نمو إصدارات الصكوك العابرة للحدود في ما بينهما، فمن جانب، تتيح هذه التفاعلات الفرصة للمستثمرين الآسيويين لتحقيق عوائد أعلى من خلال الاستثمار في إصدارات صكوك منطقة مجلس التعاون الخليجي، والحائزة على نفس التصنيف الائتماني، بالمقارنة مع الإصدارات المحلية، وفي التوقيت ذاته، توفر هذه التفاعلات العابرة للحدود الفرصة للمستثمرين الخليجيين لكي يستفيدوا من وعاء السيولة الضخم عبر طرح إصدارات صكوك في آسيا بعملة الرينجيت الماليزية مثلًًا.
وخلص إلى القول: تهتم كل منطقة من المنطقتين بالاستثمار في القطاعات الاقتصادية التي لدى الأخرى، بالنظر إلى الروابط الطبيعية التي تربط في ما بينهما منذ فترات طويلة مضت، فضلاً عن احتياج المنطقتين إلى إنفاق رأسمالي ضخم لتمويل مشروعات البنية التحتية، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال إصدارات الصكوك.
وبسؤاله حول أسباب قلة المعروض من إصدارات الصكوك بالنسبة إلى التزايد الضخم في الطلب عليها من جانب المستثمرين، أجاب كريم ناصف بقوله: ما زال سوق الصكوك العالمي يمثل 1 % فقط من إجمالي سوق إصدارات الدين العالمي، فهو ما زال في مرحلة المهد، ويحتاج المصدرون إلى أن يشعروا بالأريحية مع التكاليف المرتبطة بالإصدار، فضلاً عن العملية التي بموجبها يتم طرح إصدار الصكوك في السوق، وعلى نفس المنوال، يحتاج المستثمرون إلى أن يكونوا أكثر راحة مع المخاطر المرتبطة بالأسعار والائتمان.
وبشأن آفاق توحيد مقاييس إصدارات الصكوك، أوضح كريم ناصف قائلاً: بالتأكيد، تتحدث الأسواق عن المزيد من التناغم والتطابق الإقليميين في ما يتعلق بإصدارات الصكوك، كما هو الحال في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي مثلاً، ونحن لسنا في وضع التكهن بما سوف يؤول إليه الوضع، ولكننا في موقف المراقبة والمتابعة.
إصدارات تسهم في تطوير العلاقة التجارية مع ماليزيا
أفادت «ستاندرد آند بورز» لخدمات التصنيف الائتماني، بقيام عدد من الشركات العاملة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، مؤخراً، بإصدار مجموعة من الصكوك المؤسسية، وصكوك البنى التحتية بالرينجيت الماليزية، ما قد يشكل مؤشراً على ظهور توجه جديد يمكن أن يسهم في تطوير السوق وعولمتها.
وتعد شركة أبو ظبي الوطنية للطاقة «طاقة» (التي تتمتع بتصنيف ائتماني بدرجة A مع أفق مستقر) و«مؤسسة الخليج للاستثمار» في البحرين من أوائل الشركات التي قامت بإصدار الصكوك بالرينجيت الماليزي، حيث أنجزت إصدار صكوك بقيمة 650 مليون رِنجيت ماليزي (ما يقارب 215 مليون دولار أميركي)، وذلك ضمن برنامج الصكوك المتوسطة الأجل الذي أطلقته شركة طاقة في شهر نوفمبر من عام 2011، والذي تبلغ قيمته الإجمالية 3.5 مليار رِنجيت ماليزي، وشهد هذا الإصدار إقبالاً من شريحة متنوعة من المستثمرين الماليزيين والمستثمرين في السندات الإسلامية.
ونتيجة لحجم الإقبال تم زيادة حجم الإصدار من 500 مليون رينجيت إلى 650 مليون رينجيت.
ويبلغ العائد السنوي على هذا الإصدار من الصكوك التي تستحق بعد عشرة أعوام 4.65%. وتبلغ التكلفة الكلية 5.3 %، ويشمل ذلك تكلفة تحويل كامل الإصدار إلى الدولار الأميركي، كما يشمل تكلفة التحوط من التغير في أسعار صرف الرينجيت الماليزي مقابل الدولار.
كما طرحت مؤسسة الخليج للاستثمار، التي تتخذ من الكويت مقراً لها، في الثالث من أغسطس 2011، صكوكاً بقيمة 750 مليون رينجيت ماليزي (253 مليون دولار)، ضمن إطار برنامجها لإصدار سندات متوسطة الأجل بقيمة إجمالية قدرها 5 .3 مليارات رينجيت ماليزي (18 .1 بليون دولار أميركي) على مدى 20 عاماً عبر الاستثمار بالوكالة (صكوك مؤسسة الخليج للاستثمار).
وفي السياق ذاته، أطلقت شركة ممتلكات برنامج صكوك متوسطة الأجل يمتد لعشرين عاماً، وتبلغ قيمته 3 مليارات رينجيت ماليزي (360 مليون دينار بحريني)، كجزء من استراتيجية الشركة لإدارة إعادة التمويل، واستحقاق الدَّين على المدى الطويل بطريقة استباقية. وتنبع جاذبية هذه العملة من الإطار التنظيمي المتميز لقطاع التمويل الإسلامي في ماليزيا، وكثرة المستثمرين النشطين في هذه السوق.
ومن وجهة نظر «ستاندرد آند بورز»، تعتبر هذه الأنواع من الصفقات العابرة للحدود أكثر من مجرد حل تمويلي ذكي، فهي قادرة أيضاً على تطوير العلاقة التجارية التي تجمع بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا، بما يصب في مصلحتها المشتركة. ويمكن لهذا النوع من المعاملات أن يفرض نفسه كقوة قادرة على لعب دور رائد في تعزيز عملية توحيد معايير سوق التمويل الإسلامي وعولمتها.
ناصيف: لا عائق أمام تطور سوق السندات في الإمارات
قدر كريم ناصيف المدير المشارك في وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز » بأنه لا يوجد سبب يحول دون نمو حجم إصدارات الصكوك بالعملة المحلية في الإمارات،
مشيراً إلى أنه تم بالفعل طرح العديد من الصكوك بعملة الدرهم الإماراتية، وذلك جنباً إلى جنب مع إصدارات الصكوك بالعملات الدولية،
مؤكداً على أن هذا الاتجاه هو الذي بالإمكان رصده على مدار الأشهر الست الماضية، حيث يتجه مصدرو الصكوك الخليجيون نحو المزيد من تنويع الإصدارات.
وحول كيفية تحقيق المزيد من الكفاءة لسوق السندات في دولة الإمارات، رأي كريم ناصيف أن هناك عدداً من العوامل التي يمكن أن تحفز على زيادة كفاءة سوق السندات الإماراتي،
وتضم: أولاً: وضع مقاييس موحدة للامتثال من خلال تشكيل هيئة إسلامية موحدة للنظر في تطابق الإصدارات مع أحكام الشريعة الإسلامية على غرار ما هو موجود في بعض الدول الإسلامية.
ثانياً: تأسيس سوق ثانوي يكون قادراً على توليد المزيد من السيولة في السوق.
ثالثاً: زيادة مشاركة الصناديق المؤسساتية الطويلة الأجل، والتي تستهدف أسواق الصكوك، كصناديق المعاشات والتأمين إلى جانب الصناديق الإسلامية.
خطط
تمويل مشروعات البنية التحتية
تنظر «ستاندارد آند بورز» إلى سوق التمويل الإسلامي لمشاريع البنية التحتية في كلتا المنطقتين، باعتبارها وصلت إلى منعطف مهم في ما يتعلق بالإصدار الجديد، وذلك في أعقاب فترة الهدوء النسبي التي امتدت بين عامي 2009 و2011.
وإلى جانب ذلك، لاحظنا ظهور أول صكوك لتمويل المشاريع ضمن فئة أصول البنية التحتية.
وقال كريم ناصف: تجاوزت قيمة الإصدارات في سوق دول مجلس التعاون الخليجي 19 مليار دولار بحلول يوليو من عام 2012، وهي تقريباً نفس قيمة الإصدارات في عام 2011 كاملاً.
ويعود الفضل في هذا الارتفاع إلى كل من العائدات المنخفضة، والمستويات المرتفعة نسبياً من السيولة، ومتطلبات النفقات الرأسمالية الكبيرة، والإقبال القوي من قبل المستثمرين.
ويمكن أن تسهم الاستفادة من سوق الصكوك في تحسين هيكلية رأس المال وميزات السيولة للشركات الخليجية والآسيوية، لا سيَّما تلك العاملة في القطاعات التي تتطلب قدراً كبيراً من استثمارات رأس المال، مثل البنية التحتية.

