أكد بيتر هاندل، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة ديل كارنيجي العالمية أن النمو الاقتصادي الذي تحققه الإمارات وباقي دول مجلس التعاون الخليجي يساهم في زيادة الطلب على خدمات التدريب التنفيذي، ويأتي ذلك في ضوء الاهتمام الحكومي بدفع وتحفيز أنشطة التدريب والتعليم للكوادر البشرية وخاصة المواطنين، بالإضافة إلى إدراك الشركات أهمية الاعتماد على موظفين مؤهلين وقادرين على مواكبة متطلبات النمو ومختلف المستجدات.

وأشار في لقاء مع «البيان الاقتصادي» خلال زيارته لدبي أن الطلب على خدمات التدريب في الإمارات يأتي بنسبة 50 % من المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية و50 % من الشركات الخاصة، وأوضح تنوع فئات التدريب التي تطلبها الشركات بدءا من تلك المخصصة للتعريف بالعوامل الثقافية نظراً لتنوع الجنسيات العاملة في الإمارات والخليج، وصولاً إلى البرامج المخصصة لتطوير المهارات العملية والتنفيذية للمواطنين أيضاً. لافتاً من جانب آخر إلى ان شركات الأدوية والرعاية الصحية بالإضافة إلى البنوك هي الأكثر طلباً على خدمات التدريب والتطوير التنفيذي.

مشيراً إلى تنامي الطلب خلال العام الحالي من القطاع الخاص بين الشركات المحلية الأجنبية في مختلف القطاعات، ويأتي ذلك بعد أن تجاوز الاقتصاد الوطني تداعيات الأزمة، وبات التركيز على تحقيق مستويات جديدة من الأداء، وتالياً نص الحوار:

معدلات

كيف تقيمون أداء سوق التدريب التنفيذي على الصعيد المحلي والعالمي؟

حقق قطاع التدريب التنفيذي عالمياً أداءً إيجابياً خلال العام الماضي وفي مطلع 2012، حيث سجل تعافياً ملحوظاً، لكنه لم يكن بمستوى السنوات السابقة قبل اندلاع الأزمة العالمية، وقد تباين أداء الأسواق وفقاً للمناطق الجغرافية، حيث كان أداء سوق التدريب في أوروبا سلبياً.

ومن جانبنا، حققت مؤسسة ديل كارينجي نمواً في 2011 مقارنة مع العام الذي سبقه في معظم الأسواق العالمية التي نعمل بها، وقد تأثرت عملياتنا في مصر خلال التغييرات السياسية التي شهدتها.

وتصدرت أميركا اللاتينية وخاصة البرازيل والمكسيك باقي أسواقنا العالمية من حيث معدلات الأداء، إذ شهدت نمواً كبيراً في الطلب على خدمات التدريب التنفيذي، وتأتي في المرتبة الثانية دول منطقة آسيا والباسيفيك، ومن ضمنها الصين والهند وفيتنام وكوريا الجنوبية. أما بالنسبة لسوق الولايات المتحدة الأكثر نضجاً، فقد حققنا هناك نمواً، لكن بمستويات متواضعة.

ويقدر حجم سوق التدريب التنفيذي بمختلف أنواعه في الولايات المتحدة الأميركية بما يقارب 53 مليار دولار، فيما يصل حجم السوق الذي نتخصص به من 5 ـ 7 مليارات دولار.

ما هو التوزيع القطاعي للطلب على خدمات التدريب التنفيذي؟

تأتي مستويات كبيرة من الطلب حالياً من قبل شركات التقنية والرعاية الصحية بالإضافة إلى المؤسسات الحكومية، فهي تتصدر باقي القطاعات في هذا المجال.

وعادة ما تركز شركات التقنية على تطوير مهارات التواصل الشخصية لتعزيز بنية فريق العمل، ويرجع ذلك إلى أن معظم العاملين في هذا القطاع يقضون أوقاتهم وراء اجهزة الكمبيوتر ويفضلون التعامل معها على حساب التعامل مع الأفراد، لذا تدرك إدارة شركات التقنية أهمية تنمية قنوات وطرق التواصل البشري لدى موظفيها.

ومن جانب آخر، هناك نمو كبير في الطلب من قبل شركات الرعاية الصحية وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك الأمر في السعودية التي تشهد عمليات بناء لمستشفيات جديدة بأعداد كبيرة، وتركز هذه الشركات على تطوير مهارات خدمة العملاء، حيث تعمل على تدريب طواقم عملها من أطباء وممرضات للتعامل مع المرضى والعملاء بالشكل الأمثل وتلبية متطلباتهم وفقاً لأعلى المعايير.

وقبيل اندلاع الأزمة العالمية، كان قطاع الخدمات المالية الأكثر طلباً على خدمات التدريب والتطوير التنفيذي، وتصدر بذلك باقي القطاعات، وما لبث ان سجل تباطؤا كبيراً بعد الأزمة، لكن ليس في جميع الدول، إذا ما يزال يستحوذ على حصة هامة في الهند والسعودية على سبيل المثال.

أولويات

هل هناك إدراك لأهمية تدريب وتطوير الكوادر البشرية ضمن مجتمع المال والأعمال في المنطقة؟

بالتأكيد، حيث تعتبر منطقة الشرق الأوسط أحد أسرع أسواقنا العالمية نمواً ، وحققنا أداء ممتازاً، وكانت الأولوية التي توليها الشركات الخاصة والمؤسسات الحكومية للتدريب مفاجئاً بالنسبة لنا، فهي مكون رئيسي في استراتيجياتها.

ونظراً للنمو الاقتصادي الذي تشهده دول المنطقة بالرغم من أحداث الربيع العربي، تبرز حاجة متزايدة للاعتماد على مديرين وموظفين أكثر تأهيلاً وتدريباً وقادة محترفين لمختلف الشركات، ويأتي ذلك في ضوء الاهتمام الحكومي بدفع وتحفيز أنشطة التدريب والتعليم للكوادر البشرية وخاصة المواطنين، بالإضافة إلى إدراك الشركات أهمية الاعتماد على موظفين مؤهلين وقادرين على مواكبة متطلبات النمو ومختلف المستجدات.

ماذا عن توزيع الطلب بين القطاع الحكومي والخاص في الإمارات والمنطقة؟

تبلغ النسبة 50 % للمؤسسات الحكومية و50 % للشركات الخاصة، ومن خلال عملياتنا الاقليمية، نلمس نمواً في الطلب من قبل المؤسسات شبه الحكومية، وتتنوع فئات التدريب المطلوبة بدء من تلك المتخصصة في العوامل الثقافية نظراً لتنوع الجنسيات العاملة في الإمارات والخليج، بالإضافة إلى البرامج المخصصة لتطوير المهارات العملية والتنفيذية للمواطنين أيضاً.

أما القطاع الخاص، فيتركز الطلب بشكل رئيسي من قبل شركات الأدوية والرعاية الصحية بالإضافة إلى البنوك.

وخلال العام الماضي، كان الطلب أكبر من قبل المؤسسات الحكومية، فيما رصدنا تزايداً في الطلب من القطاع الخاص خلال العام الحالي، في ضوء احتدام المنافسة بين الشركات المحلية الأجنبية في مختلف القطاعات، ويأتي ذلك بعد أن تجاوز الاقتصاد الوطني تداعيات الأزمة وبات التركيز على تحقيق مستويات جديدة من الأداء.

التزام

كيف تنظرون إلى الآفاق والتحديات أمام تطوير مهارات المواطنين؟

تتمتع الكوادر الوطنية في الإمارات بإمكانات واعدة، ونستطيع ملاحظة ذلك لدى طلاب الجامعات والمدارس، بالإضافة إلى الاهتمام الحكومي المتواصل، ويبقى أن يهتم الأفراد بتخصيص الوقت والجهد للارتقاء بقدراتهم، حيث يكمن التحدي الأكبر في الالتزام من قبل المتدربين، أي أن يلتزم الأفراد بتطوير مهاراتهم الذاتية.

وعلى نطاق المملكة العربية السعودية، تتشكل قاعدة عملائنا بنسبة الثلث لكل من المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية وشركات عالمية متعددة الجنسيات، بالإضافة إلى طلبة الكليات والجامعات، ونقوم بتدريب الذكور والإناث هناك، حيث تهدف سياسة "السعودة" إلى تدريب المواطنين وتأهيلهم للحصول على وظائف في سوق العمل ورفع انتاجيتهم،

وقد أطلقنا برنامجا تعليميا مشتركا مع مايكروسوفت في السعودية لتدريب الطلاب في الجامعات لتجهيزهم لمتطلبات سوق العمل، وقد حصل 80 % منهم على وظائف عقب التخرج ببضعة أشهر.

ومن جانب آخر، هناك توق للتعليم والتطور العلمي والعملي لدى الإناث في الخليج، حيث تبذل الخليجيات قصارى جهودهن لإثبات مقدراتهن وتنمية مكانتهن في السوق، وقد أثبتت المرأة الخليجية نجاحها في مختلق المجالات.

إذاً هناك امكانات واعدة في المنطقة، لكنها تستغرق وقتاً والكثير من التحضير والالتزام.

ماذا عن المنافسة في سوق التدريب داخل الدولة ؟

هناك أكثر من 500 شركة ومركز تدريب تنفيذي في الإمارات، مما يعكس احتدام المنافسة، لكن المهارة تكمن في التواصل مع العملاء و التأثير الذي يحدثه التدريب على الأداء، وما يميزنا عن المنافسين أننا نحتل المرتبة الأولى عالمياً في برامج تطوير السلوك المهني والشخصي للأفراد ضمن بيئة العمل، والارتقاء بالسلوك والمهارات الشخصية والاجتماعية.

لا يوجد منافسة فيما يتعلق بالتدريب الذي يطور السلوك وأنماط التصرف والتعامل في محيط العمل لدى الأفراد.

وهناك أيضاً كليات إدارة الأعمال المحلية والعالمية التي تنشط في الإمارات، وتتخصص في تنمية المهارات العملية مثل التسويق والمبيعات وغيرها، وما نقدمه من برامج تدريبية يتكامل معها في مختلف الأصعدة، لأن تركيزنا لا يعتمد على الخبرات والانشطة القطاعية، بل نعمل على تنمية آليات التواصل بين فريق العمل بشكل رئيسي، وهي عوامل مهمة جداً لأولئك الطامحين لتولي مناصب عملية عليا.

عوائد مضمونة

كيف تأثرت أسعار خدمات التدريب بالتباطؤ الاقتصادي العالمي؟

لم تؤد الأزمة العالمية إلى انهيار في الاسعار، بل كانت مستقرة بشكل عام، ويعود ذلك نوعاً ما إلى القيمة المضافة التي يقدمها التدريب للشركات وانعكاسه الإيجابي على الأداء.

وكان الكثير من الشركات التي قلصت من كوادرها البشرية واستعانت بخبراتنا لتنمية مهارات موظفيها الباقين بهدف تعزيز التواصل والأداء ورفع المعنويات، حيث كان هناك تخوف من تأثر الموظفين بحالات التسريح التي قامت بها الشركات في ذلك الوقت، وقمنا بزيادة إشراكهم في العمليات.

وبعد الأزمة، جمدت الشركات الميزانية المخصصة للتدريب، لكنها عاودت الإنفاق على هذا المجال لاحقاً نظراً لأنه استثمار مضمون العوائد.

إذاً لم يتأثر سوق التدريب التنفيذي كما قد يتوقع البعض، خاصة وانه من الأنشطة التي يمكن تأجيلها أو تجميدها خلال الأزمات على غرار التسويق، فالكل يدرك أهمية التسويق والتدريب، لكن يمكن تأجيلهما. وقد سجلت السوق تعافياً سريعاً في المراحل اللاحقة.

وتعود الأسباب إلى ضرورة تشجيع الموظفين المترددين عقب موجات التسريح التي شهدتها الأسواق خلال الأزمة، ومن جانب آخر، أدركت الشركات أهمية مواصلة العمل لمواجهة التباطؤ الاقتصادي من خلال تحفيز موظفي الصف الأمامي والاستثمار في تنمية مهارات أقسام خدمة العملاء وموظفي المبيعات، وهي خطوة في غاية الأهمية، عوضا عن التركيز على المديرين.

ماذا عن التدريب الإلكتروني وفعاليته مقارنة مع التدريب التقليدي المباشر؟

بدأنا تطوير عملياتنا الرقمية خلال العام الماضي، حيث أردنا التعلم من تجارب الآخرين، واعتمدنا على ثلاثة أساليب، وهي التدريب الحي والمباشر على الانترنت، والتدريب بالمزج بين الإلكتروني والشخصي المباشر، والتدريب الذاتي.

وخلال التدريب، يستخدم المتدرب المواد التعليمية والملفات المتوافرة على الموقع الإلكتروني، وهو اسلوب ضروري للحصول على المعلومات المهمة في مختلف المجالات، لكن معظم المتدربين لا يكملون هذا النوع من البرامج مما يؤشر على ضعف جاذبيته للأفراد، لأنه لا يشركهم في العملية التعليمية.

أما التدريب المباشر على الإنترنت، فيقوم المدرب بالشرح وبث الجلسة مباشرة على المتدربين المتواجدين في مناطق متعددة من العالم في نفس الوقت، ويتم تبادل الأفكار والأسئلة بين جميع الحضور والمشاركة في غرف محادثة افتراضية، وهي طريقة فعالة إلى حد كبير، وقد أظهرت الاستبيانات التي نقوم بها لدى انتهاء كل برنامج أن تقييمات مشاركين للتدريب الإلكتروني المباشر أعلى بقليل من تلك الخاصة بالتدريب الشخصي التقليدية وجهاً لوجه، ونعتقد ان هذه المؤشرات جيدة لكنها قد لا تكون فعالة بقدر التدريب التقليدي.

أعتقد أن الاتجاه مستقبلاً سيتركز على النوع الثالث، أي المزج بين التدريب الشخصي والرقمي، حيث يساعد التدريب الرقمي على الاستعداد وتعزيز المعلومات قبل الدخول في التدريب المباشر، أي سيتم الاستفادة من تقنيات العصر الرقمي لكن مع استخدام التواصل بين الأفراد، لأن البشر بحاجة إلى قدر ما من التفاعل فيما بينهم.

وهذه الطرق لا تزال في المراحل البدائية والتجريبية، لكنها تشهد نمواً كبيراً حول العالم، ونتلقى الكثير من الاستفسارات حول التعليم الإلكتروني، خاصة من قبل الشركات ذات المكاتب المنتشرة في مناطق جغرافية متباعدة، مما يساعد على تدريب الموظفين الكترونياً وتوفير المال والجهد لتحقيق أعلى العوائد. واتوقع أن يشهد التعليم الإلكتروني نمواً مذهلاً خلال السنوات القادمة، لكنه لن يحل مكان الأساليب التقليدية.

أفضل استثمار

 

يصف وارين بافت، ثالث اغنى رجل في العالم، الشهادة التي حصل عليها من مؤسسة ديل كارنيجي ايام شبابه بأنها "افضل استثمار قام به"، حيث عانى رجل الأعمال الشهير سابقاً من رهاب التحدث أمام الجمهور ومخاطبة الناس، لكنه تغلب عليها بعد التحاقه ببرنامج تدريبي في ديل كارنيجي مما ساعده على تطوير مهارات الخطابة لديه وبات متحدثاً مفوهاً في السنوات اللاحقة، وما تزال الشهادة التي حصل عليها بعد إتمام البرنامج معلقة في مكتبه حتى اليوم بحسب مجلة "تايم" الأميركية.

انطلقت المؤسسة عام 1912 على يد ديل كارنيجي، الذي ركز على قوة التنمية الذاتية لصقل مهارات الأفراد وتحسين أدائهم من أجل الوصول إلى نتائج إيجابية، مستقرة، ومربحة.

يقع مقر المؤسسة في هاوبواج، بنيويورك، ولها فروع في كل ولاية من الولايات المتحدة وأكثر من 80 بلداً. ويقدم أكثر من 2700 مدرب حالي برامج تدريب بأكثر من 25 لغة. واستكمل ما يقرب من 8 ملايين شخص برامج ديل كارنيجي للتدريب.

292 مليار دولار الإنفاق على التدريب عالميا

 

بلغ حجم الإنفاق على التدريب التنفيذي عالمياً 287 مليار دولار خلال العام الماضي وفقاً لموقع "ترينينغ إندستري دوت كوم"، وتشير التوقعات إلى نمو السوق في 2012 ليبلغ 292 مليار دولار، وتستحوذ الولايات المتحدة على 45 % من السوق العالمية، أي ما قيمته 130.5 مليار دولار، فيما تبلغ حصة أوروبا 29 %، اي ما قيمته 82.7 مليار دولار، وتبلغ حجم السوق في آسيا 28.1 مليار دولار اي 10 % من السوق العالمية.

فيما تستحوذ الهند على 5.7 في المئة من السوق بإنفاق 20.7 مليار دولار، وافريقيا 3.5 مليارات دولار بحصة 1%، واستراليا 8.7 مليارات دولار بحصة 3%، وجنوب افريقيا 6.3 مليارات دولار بحصة 2%، فيما يبلغ حجم السوق في باقي أنحاء العالم 6.3 مليارات دولار.

وتنفق الشركات في أميركا الشمالية 58 % من ميزانيات التدريب على البرامج الداخلية، و42 % على التدريب من قبل شركات خارجية متخصصة، ما يعني أن سوق تعهيد خدمات التدريب يبلغ 54.8 مليار دولار،