أكد خالد مرجان مدير عام غولدمان ساكس لإدارة الأصول في الشرق الأوسط، إحدى كبريات المؤسسات الاستثمارية في العالم رغبة شريحة كبيرة من الصناديق والمؤسسات الاستثمارية في الدولة للاستثمار في أصول دول الأسواق الناشئة (أو الحدودية) والتي كانت تعتبر من قبل البعض -وإلى وقت قريب- من الأصول الخطرة.

مشيراً إلى حدوث انحسار في الاستثمار في سندات الأسواق المتطورة ذات التصنيف الأقوى عادة -وحتى الناشئة، وذلك في ظل استمرار وانتشار الأزمة الأوروبية والتباطؤ الاقتصادي الحاصل في الصين والبيانات الاقتصادية المخيبة للآمال في تلك الأسواق.

وأضاف مرجان خلال لقاء مع "البيان الاقتصادي" من مقرها الإقليمي في دبي، أن تركيز واهتمام المستثمرين في المنطقة في هذه الآونة أصبح منصباً على استعادة استثماراتهم من الأسواق المتطورة وليس على نسب العوائد التي تجنيها تلك الاستثمارات.

مشيراً إلى أن ذلك ماض ولكنه سيستغرق بعضاً من الوقت خصوصاً وأن الاستثمارات العربية في الأسواق المتطورة ضخمة، ولكنها انخفضت الآن إلى ما دون 2%.

وأشار مرجان إلى بروز الأسواق "سريعة النمو" أو ما صار يعرف بمجموعة البلدان "الـ 11 التالية" (N-11) التي تضم في لائحتها العديد من دول الأسواق شبه الناشئة والتي يمكن أن تتبع خطى دول مجموعة البريك (BRIC) في مدى تأثيرها المرتقب على الاقتصاد العالمي.

وتغطي غولدمان ساكس لإدارة الأصول حالياً 11 بلداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولديها أصول قيد الإدارة في المنطقة تتجاوز قيمتها 31 مليار دولار أميركي. وفيما يلي نص الحوار:

هل ما زالت الأهمية الاقتصادية لدول "البريك" تحمل نفس الزخم الذي اشتهرت به حين صاغ "جيم أونيل" من غولدمان ساكس لإدارة الأصول ذلك المصطلح في 2001؟

نعم، بل في الواقع هي أكثر أهمية من ذي قبل، فحين تحديد دول البريك - وهي البرازيل وروسيا والهند والصين توقع أونيل أن يكون الاقتصاد الصيني الأكبر في العالم بحلول 2050، واليوم من المتوقع أن تحقق الصين تلك المكانة بحلول 2030، أي بسرعة أكبر من التوقعات الأولية، وما تشهده الصين اليوم هو ليس أكثر من مجرد "تباطؤ ناعم" على خلفية ما يحدث في القارة الأوربية والولايات المتحدة.

والأهم من ذلك، وبالنظر إلى المستقبل، فإني لا أجد حتى الآن أي أدلة تشير إلى أن الصين "الجديدة" ستخيب الآمال. ويبدو أن توقعاتنا لهذا العقد بأن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سينمو، مدفوعاً بالاستهلاك، بنسبة تتراوح بين 7.5-8 في المئة، سوف تتواصل.

وهذا الافتراض يعني، في السياق العالمي، المساهمة في النمو الاقتصادي العالمي بقيمة حقيقية تعادل 8 تريليونات دولار، ما يعادل تقريباً مساهمة الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين، أو أنه يساوي، في سياق "الإحباطات" البرازيلية والهندية، نحو ثلثي المساهمة الإجمالية المتوقعة لمجموعة دول "بريك".

ونعتقد اليوم بروز كتلة جديدة مؤلفة من بلدان أخرى مثيرة للاهتمام تضم دول مجموعة "بريك"، وأطلقنا عليها مجموعة "الـدول الإحدى عشرة التالية" أو دول (Next-11).

هل لك أن تحدثنا عن المعايير التي تم من خلالها تحديد تلك الدول (الدول الإحدى عشرة التالية)؟

العامل الأساسي المشترك بينها، وسبب اختيارها ضمن تلك المجموعة، أنها تمثل مجموعة البلدان ذات تعداد السكان العالي بعد مجموعة دول البريك. تتمتع هذه الدول الإحدى عشرة بمزايا ديموغرافية جذابة، تعتبر أساساً قوياً لنمو الاستهلاك المحلي بدرجة كبيرة.

فاتساع شريحة الطبقة المتوسطة يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية المعمرة، أما اتساع شريحة ذوي الدخل العالي فيؤدي إلى زيادة الطلب على المنتجات الفاخرة. وتشكل الدول الـ 11 التالية حالياً 19% من إجمالي عدد سكان العالم، والعديد منها يمتاز بارتفاع نسبة شريحة الشباب بين سكانها.

ناتج السعودية مثلاً هو أكثر من 1% ولكن عدد السكان صغير ولذلك فهي ليست من ضمن تلك الدول. ويكاد إجمالي الناتج المحلي في بولندا- كمثال آخر - يشارف على تحقيق نسبة 1% من إجمالي الناتج العالمي، لكن توزيع شرائح أعمار السكان فيها غير مناسب للنمو.

وهذه الدول الـ 11 التالية نتوقع لها أن تحقق نفس قصة النجاح الذي حققته دول البريك، حيث لعبت البنية التحتية دورا هاما في البداية ثم تطورت أسواق المال في تلك الدول وبالتالي انعكس ذلك تحسناً على رواتب الموظفين ونوعية المشاريع الصناعية وانخفاض نسب البطالة وبالتالي نمواً في الاقتصاد.

الأسواق الناشئة

ما أهمية عدد السكان في تقييمكم؟

السكان يشكلون "المادة الخام" والعناصر الإنتاجية الضرورية للنمو، خصوصاً إذا كانت نسبة كبيرة من السكان من الشباب ذوي التعليم الجامعي الجيد، ونحن اليوم لا نعتبر دول البريك من "الأسواق الناشئة" لأنها تسهم بنسبة كبيرة في إجمالي الناتج العالمي، لذلك أعدنا تعريفها وأصبحنا نطلق عليهما اسم "أسواق النمو".

ألا تعتقدون أن عامل الاستقرار كذلك يشكل عاملاً هاماً في نمو اقتصادات الدول خصوصاً في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة والعالم؟

أعتقد أن عامل الاستقرار هو للنمو هام كذلك، ولكننا ننظر لهذا العامل على أنه عامل "متقطع" أي أن الصراعات والحروب تستمر لفترة ثم تتوقف في النتيجة.

ولكن نلاحظ أن الصراعات مستمرة منذ فترة طويلة في دولة مثل نيجيريا وهي ضمن "دول الإحدى عشرة"؟

نعتقد أن سيناريو الصراع في نيجيريا موجود في مناطق محددة وليس في كامل البلاد، ونحن ننظر على الفساد في تلك الدولة مثلاً على أنه عامل أكثر أهمية من الاستقرار الأمني لأن ذلك محدود كما ذكرت، في حين أن الفساد هو المعوق الرئيسي للنمو في نيجيريا التي فيها مقومات لتكون أكبر اقتصاد في القارة السوداء. فحجم سوقها يصل إلى حوالي 300 مليار دولار.

صورة إيجابية

كيف تنظرون إلى أداء أسواق الأسهم الأوروبية؟

أعتقد أن المثل القائل "مصائب قوم عند قوم فوائد" ينطبق على دول اليورو. وألمانيا هي المستفيد الأول من مشكل دول اليورو. فالمشاكل الاقتصادية التي تشهدها اليونان مثلاً انعكست بصورة إيجابية جداً على ألمانيا وذلك بسبب انخفاض قيمة اليورو الذي أدى إلى ارتفاع حجم الصادرات الألمانية بشكل كبير جداً، ومؤخراً أعلنوا عن تحقيق أقل نسبة بطالة في عشرين عاماً.

وأعتقد أنه على الرغم من الأداء الجيد للشركات الألمانية إلا أن ذلك لم ينعكس إيجابياً تماماً على أداء أسهم تلك الشركات لأن ثقة المستثمرين هي العامل الرئيس في تحريك أسواق المال، واليوم أصبح المستثمرون يفضلون الابتعاد عن الاستثمار في أوروبا ولا توجد أموال استثمار جديدة يتم ضخها في السوق الألماني.

ولذلك فسوق الأسهم في ألمانيا ضعيف في رأينا. ولكن يبقى القول ان هناك شركات ممتازة كما تعمل في ألمانيا وعلى امتداد أوروبا يتم تداول أسهمها حالياً بأسعار جذابة، والاستثمار في مثل هذه الشركات الآن هو أمر جيد للغاية على المدى البعيد.

تعتبر عملية "اتخاذ القرار" احدى دعائم عملكم كمصرفيي استثمار. ما مدى صعوبة اتخاذ القرار في ظل التقلبات المتسارعة التي تشهدها الأسواق؟

أعتقد أن أهم عامل يساعدنا في اتخاذ القرار هو تحديد مدى فترة الاستثمار الأنسب للعميل. فمثلاً إن كان العميل مستعداً للاستثمار على المدى الطويل، فالسوق الأوروبي هو الأفضل، فهناك العديد من الأصول التي يمكن شراؤها اليوم بأسعار جذابة.

ولكن إذا كانت فترة الاستثمار هي من سنة إلى ثلاث، فقد لا تكون أوروبا هي الخيار الأفضل لأننا نعتقد أنها ربما لم تشهد الأسوأ بعد، فحتى 2014 نعتقد أن الأوضاع الاقتصادية قد تتدهور أكثر في القارة العجوز.

ونحن عندما نعمل مع أحد العملاء ننظر له كشريك عمل نقوم بتزويده بخبراتنا من كل أسواق العالم ثم نضعها في متناول يديه من الصين وحتى ساو باولو، وأعتقد أن هذا الأسلوب في التعامل يضع مصلحتنا ومصلحة العميل في نفس "القارب" واحد إذا صح التعبير.

ما هو حجم الأصول التي تقومون بإدارتها اليوم؟

نحن نقوم بإدارة 824 مليار دولار من الأصول في العالم. ويمكنني القول ان الشرق الأوسط هو ليست أسرع مناطق النمو فحسب بل هي أكبر مناطق العوائد والأصول المدارة كذلك بالنسبة لنا في غولدمان ساكس لإدارة الأصول في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وفي الإمارات لدينا العديد من العملاء المؤسساتيين في أبوظبي ورأس الخيمة.

ما هي التطورات الجديدة الحاصلة بالنسبة لثقة المؤسسات في الاستثمار؟

بعد فترة طويلة من التحفظ والابتعاد عن المخاطر خلال وبعد الأزمة العالمية الأخيرة، أعتقد أن المؤسسات لديها رغبة واستعداد أكبر اليوم في العودة إلى الاستثمار من جديد في استثمارات عالمية كانت تعتبر ذات مخاطر عالية خلال تلك الفترة.

فمثلاً هناك المزيد من الاهتمام في شراء سندات تطرحها حكومات دول الأسواق الناشئة بالدولار إضافة إلى العملة المحلية، مثلاً بالريال البرازيلي أو في ماليزيا وإندونيسيا. وهناك شهية للملكية الخاصة في تلك الدول، أي أن المستثمرين يعودون تدريجياً إلى ما يسمى "الأصول الخطرة"، مع الابتعاد عن سندات الدول الأوروبية والأميركية.

فأجل سندات الولايات المتحدة مثلاً هو عشر سنوات في حين أن عوائدها اليوم لا تتجاوز 1.6%. أي أنه لا يوجد عائد فعلي اليوم في الأسواق المتطورة، خصوصاً وأن معدل التضخم العالمي سنوياً هو أكثر من 2% أي أن أموال المستثمر في تلك الأسواق تخسر من قيمتها في الواقع.

في حين أنه في دول مثل ماليزيا وإندونيسيا والبرازيل هي دول ذات آفاق اقتصادية مشجعة للغاية فهناك سياسات مالية ناجعة وفعالة في تلك الدول، وتتمتع جمعيها بشركات متينة وذات حوكمة عالية وبيئة جاذبة.

شريك استثماري

تعني أن هناك فرصا حقيقية للاستثمار حتى في ظل التراجع الاقتصادي الحاصل عالمياً؟

أجل، نعتقد أن هناك فرصا حقيقية حول العالم، على الرغم من استمرار عدم الثقة في الأسواق العالمية وإن بدرجات أقل في السابق.

والمهم اليوم هو الاستفادة من تلك الفرص التي سيكون ممكناً استكشافها من خلال إيجاد شريك استثماري ذي انتشار واسع عالمياً وموجود على الأرض في كوريا وأستراليا والصين ومومباي، وقادر على تحديد تلك الفرص والنظر من خلال حالة "عدم التناسق" التي تبدو في الظاهر بين الفرص من جهة وحالة التقلبات وعدم الثقة من جهة أخرى.

مشيراً إلى أن إجمالي الناتج المحلي الاسمي للصين ارتفع 1.3 تريليون دولار في العام 2011، وهو ما يعادل إنشاء اقتصاد جديد بحجم الاقتصاد اليوناني كل 11.5 أسبوعا، أو بحجم الاقتصاد الإسباني في غضون عام ونيف. وتساهم دول "بريك" مجتمعة بنحو 2.2 تريليون دولار، ما يضعها في مصاف إيطاليا تقريباً.

غولدمان ساكس

 

تعتبر غولدمان ساكس لإدارة الأصول:

إحدى أكبر عشرة مديري أصول على مستوى العالم.

تدير أصولا بقيمة 824 مليار دولار أميركي في نهاية مارس 2012.

تضم فرق استثمار من خيرة الخبراء المتمرسين في توفير مجموعة واسعة من المنتجات التنافسية عبر مختلف فئات الأصول والمناطق الجغرافية وأطياف القابلية للمخاطرة.

من مقرها الإقليمي في دبي، تغطي غولدمان ساكس لإدارة الأصول حالياً 11 بلداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولديها أصول قيد الإدارة في المنطقة تتجاوز قيمتها 31 مليار دولار.

الأسواق سريعة النمو

 

كان المحلل جيم أونيل وفريق الأبحاث الاستثمارية العالمية لدى غولدمان ساكس أول من طرح عام 2005 مفهوم مجموعة البلدان "الـ 11 التالية" (N-11)، وذلك لتحديد الدول سريعة النمو التي يمكن أن تتبع خطى دول مجموعة البريك (BRIC) في التأثير على الاقتصاد العالمي بشكل كبير.

وتتضمن مجموعة الدول الإحدى عشرة كلاً من بنغلادش ومصر واندونيسيا وإيران وكوريا والمكسيك ونيجيريا وباكستان والفلبين وتركيا وفيتنام.

توجد ثماني دول تلبي هذا المعيار حالياً، وهي جميع دول مجموعة البريك (البرازيل وروسيا والهند والصين) والدول الأربع الكبرى في مجموعة البلدان "الـ 11 التالية"، وهي المكسيك وكوريا وتركيا واندونيسيا.

يرجح أن تشهد هذه الاقتصادات مستويات متصاعدة من الإنتاجية والسمات الديموغرافية الداعمة للنمو، ما يعني أنها تتمتع باحتمالات نمو بمعدلات أسرع من المعدل العالمي في الفترة المقبلة.

بحلول العام 2020 ستكون اقتصادات مجموعة دول البريك مسؤولة عن حوالي 50% من الارتفاع في إجمالي ناتج الدخل العالمي.

يمكن لدول ناشئة أخرى أن تُصنف في فئة الأسواق سريعة النمو في المستقبل، ومنها الدول الأخرى ضمن مجموعة البلدان "الـ 11 التالية" وهي تحديداً نيجيريا والفلبين، وربما مصر.

 

الهند تمتلك إمكانات نمو على المدى الطويل

 

تتمتع الهند بأفضل إمكانات النمو على المدى الطويل بين بلدان مجموعةالبريك الأربعة. أكدذلك خالد مرجان مدير عام غولدمان ساكس لإدارة الأصول في الشرق الأوسط متوقعاً أن تتجاوز الهند المشاكل الاقتصادية التي تتعرض لها هذه الآونة.

وقال: حين أطلقنا مصطلح البريك منذ عشر سنوات وكانت الهند إحدى تلك الدول، كانت مقوماتها الاقتصادية شبيهة بمقومات الصين، فالناتج المحلي الإجمالي في الدولتين كان متقارباً، ولكن ما حدث أن نمو اقتصاد الصين تسارع بشكل فاق كل التصورات.

ومن الصعب تحديد أسباب تراجع الهند عن اللحاق بالصين ولكن يمكن القول ان الهند فيها بعض المعوقات الأساسية مثل انتشار البيروقراطية في مؤسسات الدولة وتباطؤ إجراءات النظام القضائي بشكل كبير.

وأعتقد أن الهند تعتبر من نواح عديدة الأكثر تعقيداً بين دول "بريك"، وأكثرها تناقضاً . فهي تتمتع عن جدارة بأفضل إمكانات النمو على المدى الطويل بين هذه البلدان الأربعة، ويعود ذلك إلى تركيبتها السكانية المدهشة.

ونحن نفترض أن الهند بعد هذا العقد ستكون قادرة على النمو أسرع كثيراً من باقي دول "بريك" بمعدل أقل بقليل من 5.3 %، وبنحو 6.9 % بالنسبة لهذا العقد. لكن إطلاق هذه الإمكانات يوجب على صانعي السياسات في الهند تبني إصلاحات كبيرة وجوهرية.