قدّر الدكتور هنري عزام رئيس مجلس إدارة دويتشه بنك في الشرق الأوسط وشمال افريقيا إجمالي حجم السندات والصكوك المستحقة عام 2012 في دول مجلس التعاون بـ 25 مليار دولار لترتفع إلى 35 مليار دولار عام 2014، وقال إن إعادة تمويل السندات لن يكون سهلاً لبعض الشركات، ولم يستبعد نجاح الإصدارات الجديدة لكن بأسعار فوائد قد تكون أعلى مما كانت عليه سابقاً.
وأشار عزام إلى أن فشل الدول الأوروبية في وضع حلول جذرية لأزمتها خلال القمة الأوروبية الأخيرة سيكون له تداعيات مالية واقتصادية على دول المنطقة. حيث يكمن الأثر الاقتصادي في هبوط أسعار النفط ومشتقاته من خلال تراجع الطلب على النفط وصادرات دول المنطقة الأخرى من بتروكيماويات وغيرها إذا ما حدث كما هو متوقع تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي وركود في دول المجموعة الأوروبية، ، أما الجانب المالي، فيتجسد في ضعف الثقة لدى المستثمرين من جانب، بالإضافة إلى تراجع دور البنوك الأوروبية في عمليات التمويل في المنطقة وخاصة القروض المجمعة.
ودعا عزام في حوار مع (البيان الاقتصادي) إلى ضرورة التركيز على تعميق سوق السندات وسوق الصكوك بما يوفر بدائل تمويلية عوضاً عن القروض المصرفية، وشدد على ضرورة تحصين وضع البنوك المحلية من خلال زيادة رؤوس أموالها ضمن عمليات التحضير لتطبيق اتفاقية بازل 3، إلى جانب الحرص الدائم على تجنيب مخصصات كافية للديون المشكوك في تحصيلها وتقليص توزيع الأرباح، بالإضافة إلى أهمية دمج البنوك القوية مع نظيراتها الضعيفة لتشكيل مؤسسات مصرفية كبيرة ذات ملاءة مالية قوية، وتالياً الحوار:
كيف تنظرون إلى القرارات الصادرة عن القمة الأوروبية التي عقدت مؤخراً ؟
عكس تراجع الأسواق المالية العالمية إثر الإعلان عن نتائج القمة عدم رضا الأوساط الاستثمارية عن تلك القرارات، وجاء ذلك إثر التحسن في أداء الأسواق أثناء انتظار اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي، حيث كانت التوقعات قائمة على اتخاذ حل جذري للمشكلة.
وبالأخص أن يتعامل البنك المركزي الأوروبي مع الأزمة على غرار السياسات التي انتهجها الاحتياطي الفيدرالي في أميركا أو البنك المركزي البريطاني، لكن لم يحصل ذلك، حيث كان من المنتظر أن يقوم البنك المركزي الأوروبي، ضمن إطار إجراءات التيسير الكمي، بشراء السندات من الأسواق مما يخفف من حدة الأزمة المالية ويقلص أسعار الفائدة على هذه السندات، لكن ذلك لم يتم، إذ عارضت ألمانيا تلك الخطوة.
وفي حال لم يتم اتخاذ هذا القرار فإن كل ما يقال عن تنسيق وجهود مشتركة بين الدول الأوروبية مع أنه إيجابي على المدى الطويل لكنه ليس كافياً لحل الأزمة الحالية، فعدم قيام البنك المركزي الأوروبي بالتدخل بطريقة فاعلة سيعرض دول مثل اليونان وغيرها إلى أزمات مالية قد تضطرها إلى الانسحاب من اليورو.
وبالطبع فإن بعض ما نوقش خلال القمة من حلول طويلة الأمد، فيما يتعلق بتفادي العجوزات في ميزانيات الدول أو منع وصول الديون الحكومية إلى نسب كبيرة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي وأن يتم التنسيق بين دول المجموعة الأوروبية، فيما يتعلق بالسياسة المالية، تشكل جميعها حلولاً على المدى المتوسط والبعيد، أما الحل الآني.
فيكمن في تدخل البنك المركزي الأوروبي لشراء السندات الحكومية وسحبها من الأسواق لكي ترتفع أسعار السندات وتنخفض العوائد عليها، وهذا سيشجع البنوك على إصدار سندات جديدة، نظراً لأن معظمها بحاجة إلى الحصول على مصادر تمويل جديدة.
ولن تستطيع اللجوء إلى أسواق الأسهم من خلال إصدارات حقوق الملكية في ظل تراجع أسعار الأسهم، وستضطر البنوك إلى تقليص محافظ قروضها وبيع جزء من الموجودات وبالتالي سيحصل تقلص في سوق القروض المصرفية مما يزيد الوضع سوءاً.
شهية المستثمرين
ما هي أبرز تداعيات الأزمة الأوروبية على المنطقة ؟
ما يحصل في أوروبا سيؤثر سلبياً على شهية المستثمرين لتقبل المخاطر فهم يتابعون الأوضاع بقلق نظراً لضبابية الصورة المستقبلية، ويتجهون نحو الاستثمارات السائلة، حيث خرج الكثيرون منهم من أسواق الأسهم والعقار مفضلين السيولة والأمان والدخل التي توفرها الودائع المصرفية والسندات.
وعلى الجانب الأكثر أهمية، فإن البنوك الأوروبية التي كانت فاعلة جداً في المنطقة من خلال عمليات التمويل الكبيرة مثل القروض المجمعة، حيث شكلت هذه القروض 70 % من إجمالي القروض الأجنبية الممنوحة للقطاعين الخاص والعام لدول الخليج، باتت الآن مضطرة أن تقلص من موجوداتها، ولقد ابتدأت ببيع بعض محافظ القروض الموجودة في دفاترها، فهي بذلك ستحجم عن الدخول في تمويلات جديدة، إذاً وبحلول عام 2012 وعندما تستحق سندات الكثير من الشركات والمؤسسات الحكومية أو الخاصة في المنطقة، لن تكون إعادة تمويلها بالأمر السهل، فالشركات والدول قد تستطيع إعادة تمويل سنداتها وقروضها لكن بعضها سيضطر لدفع فوائد أعلى.
ماذا عن التداعيات الاقتصادية؟
بما أن البنوك الأوروبية ستقلص من الإقراض، ولم يتم اتخاذ إجراءات التيسير الكمي المطلوبة، سيؤدي ذلك كله إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي، حيث تشير التوقعات إلى احتمال تسجيل أوروبا لنمو سالب في النصف الأول من العام 2012 على الأقل، وبالإضافة إلى ذلك، فقد تباطأ نمو الاقتصاد الصيني من 10 % إلى 8 %، كما أن الولايات المتحدة لا تزال في نمو اقتصادي بطيء، وبالتالي فإن تباطوء الاقتصاد العالمي سيؤثر على مستويات الطلب على النفط والبتروكيماويات، وبالتالي ستتأثر عائدات دول الخليج النفطية نتيجة تراجع أسعار النفط ومشتقاته وتراجع صادراتها منه.
لكن ألا تستطيع دول مثل الصين والهند بالتعويض في نقص الطلب العالمي على منتجات النفط ؟
الاقتصاد الهندي ليس في وضع يحسد عليه، فالعملة الهندية (الروبية) تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ سنوات، والصين يتوقع لها أن تسجل تراجعاً في نموها الاقتصادي مقارنة مع 2010 و2011، إذا لن تستطيع الهند والصين تعويض تراجع الطلب على النفط ومشتقاته في أوروبا بشكل كامل، هذا في الوقت الذي يرتفع فيه انتاج العراق النفطي ويتوقع لليبيا العودة التدريجية إلى معدلات انتاجها السابقة.
قروض ومخصصات
كيف تنظرون إلى واقع القطاع المصرفي في الإمارات ؟
إن الربحية والقروض والمخصصات من أهم المؤشرات على أداء المصارف، وخلال الفترة السابقة، اتخذت البنوك الإماراتية مخصصات للقروض المشكوك في تحصيلها وصلت إلى 50 %، وقد ترتفع هذه النسبة أكثر بالنسبة للديون المعدومة، وفي حال نجحت الشركات الحكومية المؤسسات التي لديها سندات وقروض مستحقة العام القادم في إعادة التمويل سيكون ذلك أمراً إيجابياً، لكن قد لا يتم ذلك لبعض من تلك الديون، وقد تعيد جدولتها أو هيكلتها، وكلما حدث ذلك يجب أخذ مخصصات أكثر، فاليوم المخصصات قد تم اتخاذها بناء على حجم القروض المعروفة، لكن هل هذا كاف للمستقبل ؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، إذ يجب انتظار قدرة هذه المؤسسات على إعادة تمويل قروضها المستحقة أو سنداتها المستحقة العام القادم.
ربحية المصارف
ماذا عن ربحية المصارف الإماراتية وما أبرز التحديات التي تواجهها هذه المصارف؟
حققت بعض البنوك الإماراتية الكبيرة ربحية جيدة خلال العام الحالي، لكن يكون مصدرها من الأعمال المصرفية الأساسية، فهذه الأعمال لم تسجل نمواً يذكر، وبالطبع ليس هناك خسائر فالوضع أفضل مما قبل، لكن النمو في الأرباح لا يزال معتدلاً، والتخوف من المستقبل يأتي من جانبين، اليوم نرى أن أسعار الفائدة على الودائع بالدرهم ارتفعت مؤخراً في حين أن أسعار الفائدة على الدولار حافظت على مستوياتها، وما زالت نسبة إجمالي القروض إلى الودائع لدى البنوك أعلى من 100 %، وجزء منها تُمول عن طريق الاقتراض من الخارج من خلال سوق الانتربانك الذي يشهد تراجعاً في ظل ما يحصل في أوروبا، حيث تقوم البنوك الكبيرة هناك بتقليص إقراضها.
تشهد الإمارات تحسناً في سوق التمويل بالنسبة للأفراد والشركات، لكنها لم تعد إلى مستوياتها السابقة، إذ لا يزال هناك تشدد في الإقراض بسببين: أولاً التخوف من المستقبل ومن قدرة المقترض على الدفع مما يسبب انتقائية في الإقراض، وثانياً، حرص البنوك على عدم تعريض الودائع ليها لمستويات مخاطرة مرتفعة، إذاً فسوق التمويل المصرفي في الإمارات ينمو لكن بتأنٍ.
ما تقييمكم لسوق السندات والصكوك ؟
تشير التقديرات إلى أن ما سيتم إعادة تمويله من سندات وصكوك مستحقة في 2012 يقدر بحدود 25 مليار دولار في دول المنطقة ليرتفع إلى 35 مليار دولار عام 2014، وهناك إصدارات جديدة من قبل شركات ودول، البعض سيواجه صعوبة في إعادة تمويل سنداتها، وقد يمكن للبعض الآخر إصدار سندات جديدة لكن بأسعار فائدة أعلى.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن 50 % من الاحتياجات التمويلية للشركات الأميركية تعتمد على سوق السندات، ، فهناك عمق وتطور في سوق السندات الأميركية، أما محلياً، فما زالت الشركات تعتمد بشكل كبير على الاقتراض من البنوك للوفاء باحتياجاتها التمويلية، وذلك على غرار أوروبا، فالبنوك لا تزال تلعب دوراً تمويلياً كبيراً.
إن تنمية وتعميق سوق السندات في الإمارات ودول المنطقة بحاجة إلى وقت، وهو أمر ضروري لأن التمويل عبر السندات يشكل بديلاً عن التمويل المصرفي.
تشجيع الشركات
ما هو المطلوب لتعميق سوق السندات ؟
يمكن تحقيق ذلك عن طريق تشجيع الشركات على إصدار سندات وصكوك ذات آجال استحقاق متنوعة وحثها للحصول على تقييم ائتماني، وهذه العملية لا تتم إلا في حال وجود شفافية كاملة، كما أنها تتطلب تحقيق نتائج مالية جيدة، لأن المؤسسات الخاسرة لا تستطيع إصدار السندات، وبالإضافة إلى ذلك، يساهم وجود مؤشر سعري في تعميق السوق، ويمكن أن يعتمد المؤشر على إصدارات الشركات الحكومية أو إصدارات الحكومات من سندات وصكوك، ولقد قامت مؤخراً كل من حكومة قطر وشركة الاستثمارات البترولية الدولية (ايبيك) في أبوظبي بإصدار سندات ذات آجال طويلة وصلت إلى 30 سنة.
وتقوم العديد من الحكومات التي ليست بحاجة للاقتراض بإصدار سندات ذات آجال متنوعة، على غرار هونغ كونغ، فهي بذلك تعطي مؤشراً سعرياً لإصدارات القطاع الخاص وتساهم في تعميق وتوسيع سوق السندات، وتجدر الإشارة هنا إلى أن السعودية، قد أعلنت عن نيتها إصدار صكوك للمرة الأولى في تاريخها، وقد يتم ذلك في النصف الأول من 2012. وأغلب من يقوم بالإصدار حالياً في الإمارات هي البنوك وشركات مملوكة للدولة، لكن يجب على المؤسسات والشركات العاملة في قطاعات اقتصادية أخرى البدء في إصدار السندات والصكوك.
تداعيات الأزمة
ما هي أبرز الخطوات المطلوبة لمواجهة تداعيات الأزمة الأوروبية على الإمارات وباقي دول المنطقة؟
في حين يطلب من البنوك الأوروبية رفع نسبة كفاية رأس المال لتصل إلى 9 % نجد أن هذه النسبة تتعدى 17 % للنظام المصرفي في الإمارات، غير أن ذلك لا يعني أن البنوك هنا محصنة بالكامل ضد كافة المخاطر، فزيادة رأس المال عملية متواصلة في إطار التحضير لتطبيق شروط بازل 3، بالإضافة إلى استمرار اتخاذ المخصصات وتقلص توزيع الأرباح.
فالمخصصات في حل تحسن وضع القروض ستعود إلى الأرباح ولن يتم خسارتها، كما يجب تشجيع البنوك على من خلال استحواذ البنوك القوية على نظيراتها الضعيفة على غرار استحواذ بنك الإمارات دبي الوطني على مصرف دبي، إذا يشكل ذلك مؤسسات مصرفية أكبر وأقوى، ومن الضروري أيضاً تعميق سوق السندات والصكوك.
كيف تنظرون إلى استعداد بنوك الإمارات لتطبيق شروط بازل 3؟
سيتم تطبيق هذه الشروط بالتدريج على عدة سنوات، هناك ملكية حكومية أو شبه حكومية في معظم البنوك الإماراتية، وبالتالي أي بنك فيه ملكية حكومية لا مشكلة لديه في زيادة رأس المال. والبنوك الإماراتية لديها معدلات كفاية رأس مال مرتفعة تصل إلى 21 %، وسوف تستطيع رفع رؤوس أموالها عند الضرورة.
و العائد الذي تحققه هذه البنوك يجب أن يكون كافياً لتشجع أصحاب رؤوس الأموال أو الملاك الحاليين في البنوك لضخ رؤوس أموال إضافية. دمج سوقي الأسهم يعزز فرص ترقية الإمارات على مؤشر «مورغان ستانلي»
حول قرار مورغان ستانلي بتأجيل قرار ترقية الإمارات وقطر إلى فئة الأسواق الناشئة وتأثير الترقية في حالة حدوثها قال هنري عزام رئيس مجلس إدارة دويتشه بنك في الشرق الأوسط وشمال افريقيا:" شخصياً لم أكن أتوقع أن يتم ترقية أسواق الإمارات وقطر.
ومن شأن الترقية في حال إقرارها مستقبلاً أن تجذب رؤوس الأموال التي تخصص للاستثمار في مؤشر مورغان ستانلي للأسواق الناشئة (Passive investors) أما الحديث عن تقاطر الاستثمار الأجنبي فهذا مبالغ فيه، حيث تستطيع المؤسسات الأجنبية أن تستثمر اليوم في أسواق الأسهم الإماراتية لكنها لا تقوم بذلك، لان المستثمر الأجنبي متحفظ ويتأثر بعدة عوامل اقليمية وعالمية ومحلية، فهناك تخوف من الاستثمار بشكل عام بما في ذلك الاستثمار في الأسهم في ظل المستجدات العالمية.
والأهم أن أحجام التداول في أسواق دول المنطقة مازالت محدودة. فقد تراجع إجمالي ما تم تداوله في سوق دبي المالي لشهر نوفمبر 2011 إلى 2.7 من حجم التداول لشهر نوفمبر 2007. ويجب أن لا ننتظر أن يأتي الفرج من الأجنبي، فانخفاض حجم التداول لن يشجع على دخول الاستثمار المؤسسي، لأن الخروج من السوق عند الحاجة سيكون أصعب بكثير ولن يتحقق إلا بخسائر.
ومن شأن دخول الإمارات في مؤشر الأسواق الناشئة أن يشجع الاستثمار الأجنبي مستقبلاً لكن في حال تحسنت الأوضاع، حيث يتطلب المؤشر عدة شروط ومنها وجود الشفافية وأن تطبق الحوكمة على الشركات المدرجة، وفي حال تحسن العامل النفسي لدى المستثمر العالمي فسيتجه إلى الشركات المقيمة بالأسعار التي يراها مغرية.
لكن ليس بالضرورة أن يتم ذلك خلال ليلة وضحاها في حال الترقية، وحتى لو دخل الاستثمار الأجنبي فسيكون جزء كبير منه عبارة عن مضاربين، وبالرغم من ذلك، فإن ذلك يحرك الأسواق ويخلق سيولة أكبر وهو المطلوب الآن في ظل تراجع أحجام التداول وتضرر العديد من شركات الوساطة، فمن شأن الترقية أن تساهم في ضخ سيولة إضافية حتى ولو كانت من خلال المضاربين".
وأضاف:" إن حظوظ ترقية الإمارات تبقى أكبر مقارنة مع قطر، وأفضل ما يمكن أن تقوم به الإمارات هو اتباع نهج زيادة الإفصاح والشفافية ووضع القوانين المطلوبة الأمر الذي بدأ العمل عليه مؤخراً، أضف إليه قيام سوق أسهم موحدة من خلال دمج سوق دبي المالي وسوق أبوظبي للأوراق المالية وهذا من شأنه خلق سوق أكبر ويزيد من حجم التداول، وذلك من شأنه تعزيز فرص الإمارات للدخول في مؤشر مورغان ستانلي للأسواق الناشئة".


