أكدت علياء مبيض كبير الاقتصاديين لدى باركليز كابيتال لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا أن حكومة دبي تتبنى سياسات وتدابير من شأنها أن تعظم قدرتها على الوفاء بالالتزامات المستحقة على الأجل الطويل، مشيرة إلى أن حكومة دبي قد بذلت جهوداً ضخمة في معالجة تحديات المديونية، وما صاحب ذلك من عمليات إعادة هيكلة وجدولة ديون بعض الشركات.
وقالت علياء مبيض في حديث خاص لـ « البيان الاقتصادي» إن إمارة دبي قد نجحت بالفعل في تخفيف حجم الالتزامات والمديونيات، حيث قامت بإعادة النظر في حجم المؤسسات والشركات التابعة للحكومة ضمن عملية مراجعة تتناول أنشطة هذه المؤسسات، مع دمجها ضمن كيانات وهياكل أكثر فاعلية وكفاءة .
وأوضحت علياء المبيض أن حكومة دبي برهنت خلال العامين الماضيين على أنها تولي أولوية فائقة لعدم تعثر المؤسسات التابعة لها سواء حكومية أو غير حكومية، مشيرة إلى أن هذا أمر على درجة عالية من الأهمية، حيث انه من الممكن أن تعاد جدولة مدفوعات القروض، ولكن لم يحدث أي حالة تعثر في سداد مستحقات المستثمرين في أدوات الدين، وأوضحت أن المستثمرين يقرأون هذا الوضع على أنه يعبر عن سياسة واضحة تتبناها حكومة دبي في هذا المجال.
وقالت علياء المبيض إن النظام المصرفي والمالي في دولة الإمارات قادر على هضم رؤوس الأموال القادمة من المنطقة، مشيرة إلى أن الإمارات تعد واحدة من الدول العربية التي تتمتع بالاستقرار السياسي، كما أنها تفاعلت بإيجابية مع المتغيرات الإقليمية الحاصلة في محيطها الجغرافي، فضلا عن امتلاك الإمارات مقومات تسمح للمستثمرين إنجاز استثماراتهم بدون دفع تكاليف كبيرة، كما أن القطاع المالي يمتلك القدرة على استيعاب التدفقات المالية التي يمكن أن تنتقل إلى الإمارات، ودار الحوار على النحو التالي.
ماهي نوعية التحديات التي يمكن أن تواجهها إمارة دبي في تسديد التزاماتها على الاجل الطويل ؟
لقد بذلت حكومة دبي جهودا ضخمة في معالجة تحديات المديونية، وما صاحب ذلك من عمليات إعادة هيكلة وجدولة لديون لبعض الشركات، وعلى الرغم من ذلك، مازال متبقيا التزامات على الشركات الحكومية وشبه الحكومية في إمارة دبي تصل قيمتها تقريبا إلى 100 مليار دولار، وعلى غرار الحال بالنسبة للدول التي تواجه تحديات على هذا النحو، تثور تساؤلات بشأن الاستراتيجية المقبلة التي سوف تضعها حكومة دبي بهدف التعاطي مع هذه التحديات.
وهو أمر قابل للإنجاز وليس مستحيلا، خصوصا وأن المستثمرين حول العالم يتطلعون إلى الكيفية التي بها سيتم التعامل مع هذه التحديات الماثلة على الأجل المتوسط، خصوصا فيما يتعلق باتخاذ خطوات ومبادرات تقود إلى تسديد هذه الالتزامات بوتيرة أسرع في المستقبل.
خيارات مطروحة
ما هي في تصوركم الخيارات المطروحة أمام حكومة دبي في بلورة استراتيجيتها الخاصة بالتعامل مع تحديات المديونية على الأجل الطويل ؟
بالمقدور إنجاز ذلك على مستويات متعددة، ويتعلق المستوى الأول بالاستمرار في عمليات إعادة هيكلة المديونيات وفقا لأفضل شروط ممكنة يقبل بها جميع الدائنين، وهو ما تقوم حكومة دبي بفعله واقعيا، والمستوي الثاني يتعلق بالعمل على رفع معدلات النمو الاقتصادي، إذ تتمثل مشكلة أي بنك في أي بقعة من العالم في الكيفية التي بها تنجح الدول في رفع نسب النمو الاقتصادي بما يتجاوز معدل 5 %، وذلك على نحو يقود إلى تقلص معدل الدين بالنسبة للناتج المحلى الإجمالي.
وهو أمر الذي من شأنه أن يعطي إشارات إيجابية للأسواق المالية على نحو يقود إلى خفض تكاليف التمويل، حيث توجد ثمة علاقة عكسية بين تكلفة التمويل من جانب ومعدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، فكلما زاد معدل الدين إلى الناتج المحلي، تراجعت تكلفة التمويل، والعكس صحيح، وبدون شك، تمكنت دبي من خفض تكاليف التمويل، ولكن ثمة ضرورة لخفض خدمة الالتزامات المستحقة بشكل أكبر لكى تتسارع وتيرة خفض نسبة المديونية من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة.
وبالإمكان القول، بأن رفع نسبة النمو الاقتصادي في إمارة دبي يعد أمرا ضروريا لخفض معدل المديونية في المستقبل، وقد تمكنت إمارة دبي خلال العام الجاري من تحسين أدائها الاقتصادي بشكل ملحوظ، حيث استفادت الإمارة من التطورات السياسية في المنطقة.
كما استفادت من قوة روابطها الاقتصادية مع الأسواق الآسيوية الصاعدة، وتثور مخاوف حيال احتمالات انكشاف إمارة دبي لبعض المضاعفات الناجمة عن الأخطار المحدقة التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، وما قد يصاحب ذلك من احتمالات تعثر الأسواق المالية العالمية مجددا، وذلك بالنظر إلى اعتماد اقتصاد الإمارة بشكل كبير على قطاع الخدمات، ووجود ارتباط عضوي بين اقتصاد إمارة دبي وأوضاع الاقتصاد العالمي، حيث انه يتأثر سواء بالسلب أو الإيجاب بالدورة التي يمر بها الاقتصاد العالمي.
ماهي وجهات نظركم بشأن الكيفية التي بها يمكن لإمارة دبي أن تقلص حجم الالتزامات المستحقة عليها، مع تقليل المضاعفات الناجمة عن ذلك بالنسبة لمستويات النمو الاقتصادي ؟
تقوم إمارة دبي بالفعل بتخفيف حجم الالتزامات والمديونيات، فهي تقوم بالفعل بإعادة النظر في حجم المؤسسات والشركات التابعة للحكومة ضمن عملية مراجعة تتناول أنشطة هذه المؤسسات، مع دمجها ضمن كيانات وهياكل أكثر فاعلية وكفاءة، وبالنظر إلى أن معظم الالتزامات مستحقة على شركات تعمل في القطاع العقاري، فأنه من الواضح أن السياسات المتبعة تعطي أهمية فائقة لمسألة أعادة النظر في القطاع العقاري، حيث ان التوازن بين الطلب والمعروض من الوحدات العقارية قد يستغرق بعض الوقت حتى يستعيد القطاع العقاري عافيته وازدهاره.
فضلا عن أن القطاع يواجه تحديات في مجال التمويل، وتبرز هنا أهمية تحفيز المصارف على تقديم التمويل للوفاء بالاحتياجات التمويلية للطلب غير المضارب من خلال إرساء آلية عمل تتيح توثيق التعاون بين الهيئات الحكومية المسؤولة عن القطاع العقاري من جانب والمصارف من جانب آخر.
وبحسب معرفتي، هناك جهود تبذل بغرض تأسيس صناديق للتمويل العقاري، ومن المتوقع أن تؤتي هذه الجهود ثمارها في المستقبل القريب على نحو ينعكس إيجابا على السوق العقاري في إمارة دبي، وبالتالي، فإن تخفيف الالتزامات يستدعي النظر في حلول من شأنها أن تسهم في إنعاش القطاع العقاري في دبي.
انتقال رؤوس الأموال
ما هي في تصوركم التدابير المثلي التي يمكن من خلالها التعامل مع المضاعفات التي قد تترب على حركة انتقال رؤوس الأموال المصاحبة لما يعرف باسم « الربيع العربي» ؟
من المؤكد أن الإمارات تعد واحدة من الدول العربية التي تتمتع بالاستقرار السياسي، كما أنها تفاعلت بإيجابية مع المتغيرات الإقليمية الحاصلة في محيطها الجغرافي، فضلا عن امتلاك الإمارات مقومات تسمح للمستثمرين إنجاز استثماراتهم بدون دفع تكاليف كبيرة.
كما أن القطاع المالي يمتلك القدرة على استيعاب التدفقات المالية التي يمكن أن تنتقل إلى الإمارات، وبالنظر إلى حركة نمو الودائع في المصارف، يمكن الخلوص إلى أن النظرة السائدة هي أن الإمارات تعد ملاذا آمنا لرؤوس الأموال، وهو الأمر الذي قاد إلى حدوث تحسن كبير في مستويات السيولة في المصارف الإماراتية.
وبالإمكان اعتبار هذا الانتقال لرؤوس الأموال أمرا طبيعيا، بالنظر إلى تمتع الاقتصاد بمقومات قوة جعلته يحقق معدلات نمو معقولة، كما أن القطاع المصرفي الإماراتي ينهض على أسس صلبة وقوية، سواء من منظور قاعدة رؤوس أموالها أو معدلات السيولة المتوافرة أو السياسات المصرفية المتبعة من قبل مصرف الإمارات المركزي والتي تهدف تخفيف حدة المخاطر، لا سيما تلك المرتبطة بالإقراض، وتسهم كل هذه المقومات مجتمعه في جعل القطاع المصرفي الإماراتي محل ثقة من قبل المستثمرين.
ما هو مدى انكشاف المصارف في الإمارات لأزمات الديون السيادية في أوروبا ؟
يمكن قياس الانكشاف من زاوية إقراض البنوك الأوروبية للبلدان الخليجية ونحن نعتمد على معيار يتعلق بمدى اعتماد المصارف في الإمارات على التمويل القادم من البلدان الأوروبية، ونحن نقول ان إقراض البنوك الأوروبية لقطر والإمارات نسبة لناتجهما المحلي هو الأكثر ارتفاعا بين دول الخليج.
وبالتالي، إذا ما صار هناك تعسر أو أزمة مالية تطول البنوك الأوروبية، يمكن توقع أن يؤثر هذا التعثر على إقراض المصارف الأوروبية لكل من قطر والإمارات، وبالتالي، فأن المؤسسات سواء أكانت حكومية أو خاصة أو مصارف والتي تعتمد على هذا التمويل من الممكن أن تواجه ضغوطا إذا ما تعثرت المصارف الأوروبية.
